بعدما التقينا بذلك الملثم،رجعنا الى الكوخ مرة أخرى لنقضي فيه اليوم كله، الفرق أن تلك الأحداث التي حدثت الليلة الماضية لم تحدث اليوم مطلقا و هذا ما جعلنا نحصل على قسط من الراحة بعد أيام متعبة جدا.
في الصباح التالي، بدا أن القرية تستيقظ بصعوبة، كأنها تجرّ جسدًا مثقلًا بالكوابيس. ضوء الشمس كان باهتًا، مائلًا إلى الأصفر، لم يبعث على الدفء بل زاد من حدة القلق المعلّق في الهواء.
جلستُ قرب النافذة، أراقب الضباب يتسلل بين جذوع الأشجار كأصابع تتلمّس طريقها بحثًا عن شيء ضائع. لم أذق طعم النوم، وكنت أعلم أن البقية لم يناموا أيضًا، حتى وإن تظاهروا بذلك.
خرج جوش أولًا، يتفقد المكان ذاته حيث وقف الرجل ليلة البارحة. الأرض كانت رطبة، وهناك آثار أقدام واحدة لم تختفِ بعد، كأن من تركها كان يعلم أننا سنبحث عنها.
لحقته بعد دقائق. حين وصلت، كان واقفًا عند الشجرة نفسها، يحدق في فرع مكسور يتدلّى على غير عادته.
- "هل لاحظتَ هذا البارحة؟" سألته.
هزّ رأسه، ثم أشار إلى العلامة الجديدة التي وُضعت على جذع الشجرة، بخط خشن:
"الوقت لا ينتظر من يتردد."
تجمّع البقية سريعًا. لم يتكلم أحد، لكن الكل شعر أن وجودنا هنا أصبح مكشوفًا… وأنهم لا يكتفون بالمراقبة الآن، بل يتركون رسائل، علامات، كمن يمهد لطردنا ببطء.
قال كايل وهو يتفحّص الأثر:
- "الكتابة حديثة. هذه الليلة بالتأكيد. لم يمضِ عليها أكثر من ساعات."
رد تومير بعبوس:
- "إنه يراقبنا عن قرب. أقرب مما كنا نتصور."
أما ديراس، فبدا شاردًا أكثر من المعتاد. كان ينظر نحو منازل القرية الخشبية، نحو النوافذ المغلقة، كأنه يبحث عن وجه يعرفه.
همس:
- "هؤلاء القرويون… يعرفون ما يجري. لكن لا أحد ينبس بكلمة. حتى الأطفال لا يركضون هنا."
اقتربتُ منه، وسألته:
- "هل تظن أن أحدهم يساعده؟"
لم يجب، لكن نظرته وحدها كانت كافية.
ثم فجأة، خرجت امرأة عجوز من كوخ مهمل عند الطرف الشمالي، تحمل سلة فيها بقايا خبز جاف. توقفت للحظة حين رأتنا، ثم نظرت مباشرة في عينيّ.
قالت بصوت أجش:
- "الذين يطرقون الأبواب في الليل… لا يريدون ردًا. يريدون أن يسمعوا من بالداخل يختنق في صمته."
ثم تابعت طريقها، دون أن تلتفت.
كلماتها بقيت تتردد في أذني، كأنها امتداد لكلمة الرجل الغريب.
كل شيء في هذا الصباح كان أهدأ… لكنه أثقل.
التهديد ما عاد عابرًا.
صار واضحًا أننا لسنا من يبحث فقط… بل أصبحنا مطاردين أيضًا.
اقتربنا من الكوخ بخطى حذرة، كل منا يحاول أن يبدو طبيعيًا قدر الإمكان، لكن الأعين كانت تبحث في كل زاوية عن ظل، عن حركة، عن أي صوت خارج عن المألوف.
إيلان سأل بصوت خافت:
- "هل نغادر؟"
رد جوش بعد لحظة صمت:
- "إذا غادرنا الآن، فهذا يعني أننا خائفون. وأن تهديدهم نجح."
تومير ضحك بمرارة:
- "وهل نحن غير خائفين؟"
قالها وهو يربط خنجره في حزامه، بحركة اعتدناها منه حين يشعر بالخطر يقترب.
ديراس لم يكن يشارك في الحديث، بل كان يتفقد السلة التي تركتها العجوز. خبز يابس فقط… لكن في قاع السلة، ورقة صغيرة مطوية بعناية.
فتحها بحذر.
جملة بخط أنيق:
"سيبدأ العد قريبًا."
قال كايل وقد شحب وجهه:
-"عد؟ لأي شيء؟"
لكن لم يجب أحد. لأن كل تفسير محتمل أسوأ من الذي قبله.
فجأة، دوى صوت ارتطام خلف الكوخ.
ركضنا فورًا، ووجدنا حجارة صغيرة مبعثرة… وعلى واحدة منها، كان هناك رسم بسيط محفور: ساعة رملية، والجزء العلوي منها شبه فارغ.
جوش تمتم:
- "العد التنازلي…"
في تلك اللحظة، أدركنا أن هذا لم يكن مجرد تحذير.
لقد دخلنا في لعبة أحدهم. لعبة لا نعرف قواعدها، لكننا نعلم أنها بدأت بالفعل…
وأننا نملك القليل جدًا من الوقت.
قالت إيلان بصوت خافت:
-"إن لم نفهم الرسالة التالية… قد لا ننجو من التي بعدها."
نظرنا إلى بعضنا، وفي عيوننا انعكست حقيقة واحدة:
البقاء صار مشروطًا بالفهم… لا بالقوة.
وقفتُ على حافة الساحة الصغيرة وسط القرية، والغيوم كانت ثقيلة في السماء، والهواء محمّل برائحة الخشب الرطب والمطر القديم.
رأيتها تقف وحيدة قرب البئر، بثوب رمادي بسيط، وشعرها مربوط بإحكام. لم تكن تستدير إلينا، لكنني شعرتُ بشيء غريب، كأنني أعرفها من مكان بعيد، أو ربما من حلم لم أتذكّره بالكامل.
اقترب جوش منها بحذر، وكان صوته دفاعيًا:
"نحن نبحث عن طريق… وعن أجوبة."
ابتسمت، ولكن ابتسامتها لم تصل إلى عينيها، وقالت بنبرة باردة:
"القرية لا تملك أجوبة، فقط قبور لا أسماء لها."
سمعتُ صوت ديراس يتحداها:
-"هل اعتدتِ أن تتحدثي مع الغرباء بهذا الشكل؟"
التفتت نحونا ببطء، ونظرت مباشرة إلى عيني، ثم قالت:
-"فقط مع من يبدو وكأنه نسى من أين جاء… أو من تركوه خلفه."
شدّت كلماتها أوتارًا خفية بداخلي، شعرت بقلب ينبض بعجلة لا أستطيع تفسيرها.
اقتربتُ خطوة، وسألتها بنبرة خافتة:
-"هل التقينا من قبل؟"
نظرت إليّ طويلًا، ثم أجابت:
-"ربما في حلم أحدنا… أو في ذكرى تُدفن مع الأيام."
ثم استدارت ببطء، ومشت بعيدًا، تاركة خلفها شعورًا ثقيلاً في صدري، ورياحًا من الأسئلة التي لم تجد إجابة.
نظرتُ إلى جوش وهمس في أذني:
-"شيء فيها… لا يريحني."
وأنا أيضًا لم أشعر بالراحة. كان هناك شيء في عينيها… شيء كان مألوفًا لكن لا أستطيع فهمه بعد.
خرجتُ من الساحة وأنا أشعر بثقل في صدري، كأن الهواء نفسه أصبح أثقل بعد كلامها. حاولت أن أخفي ارتعاش يدي، لكن قلبي كان يخبرني أنني لم أخطئ في شعوري.
المساء كان يقترب، وألوان السماء بدأت تتغير ببطء، من رمادي قاتم إلى ألوان دافئة، لكنها لم تنجح في تدفئة ما بداخلي.
جلستُ على عتبة كوخنا الصغير، أنظر إلى الأفق، وأسمع أصوات القرية الهادئة وكأنها تنبئني أن شيئًا ما قادم، شيء أكبر من كل ما عرفته.
ظلت تلك الكلمات تدور في رأسي: "من تركوه خلفه."
لم أستطع أن أتخلص من الصورة التي رسمتها عيناها، نظرة مليئة بشيء من الألم والمرارة، وربما أكثر من ذلك… خيانة صامتة لم تخرج بعد إلى العلن.
همستُ لنفسي:
- "هل يمكن أن تكون…؟"
لكن لم أجد جوابًا.
جلستُ معهم في الكوخ القديم، الضوء خافت ينساب من الشباك المهترئ، والجو مشحون بثقل لا يُحتمل. كانت الأوراق مبعثرة على الطاولة، ورسومات ونقوش غامضة تنتظر أن تُفكّ شفراتها.
جوش كان جالسًا أمامي، عيناه لا تفارقان الرموز، وصوته حازم حين قال:
- "هذه الرسائل ليست تهديدات عشوائية، هناك نظام، هناك رسالة واضحة. علينا فقط أن نفهمها."
مدّ تومير يده وأخرج ورقة واحدة، كان ينظر إليها بعين خبيرة.
- "هذه العلامات تتكرر على جدران البيوت، وعلى الأعمدة. تشير إلى مكان معين، أو حدث معين."
كايل أشار إلى الخريطة القديمة التي وجدناها في الكوخ، وقال:
- "المكان هو المقبرة المهجورة، الجميع يخاف الاقتراب منها، لكنها الوحيدة التي لم نزُرها."
إيلان، الذي لم يتوقف عن التوتر منذ وصولنا، قال بصوت منخفض:
- "الشخص الذي يهددنا يعرف القرية جيدًا، لا بد أنه من أهلها، أو عاش فيها لفترة طويلة."
ديراس، الذي بقي صامتًا طيلة الوقت، رفع رأسه ببطء وقال لجوش:
- "والدك كان مرتبطًا برجال هنا… واحد منهم يُدعى هارون الطحان. اسمه يتردد كثيرًا في القصص القديمة، لكنه اختفى منذ سنوات."
شعرتُ بقلب ينبض بقوة، التفتُّ إلى جوش وسألته:
- "هل تعتقد أن هارون هو من يهددنا؟"
ردّ جوش بعينين لا تخفيان الجدية:
- "أكثر الاحتمالات ترجيحًا. لا أحد يعرف مكانه الآن، لكنه يريدنا أن نغادر… وربما أكثر."
تنفست بعمق، وقلت:
- "ما الحل إذًا؟"
تنهد جوش وقال:
- "المغادرة. لا نستطيع البقاء مع وجود شخص يراقبنا بهذا الشكل. الأمر لم يعد تحذيرًا، بل بداية تصفية."
إيلان أضاف:
- "لا وقت لنفكر كثيرًا، يجب أن نتحرك في الصباح."
أومأ تومير:
- "نجهز كل شيء الآن."
أكمل ديراس بصوت منخفض:
-"لكن يجب أن نكون مستعدين لأي مواجهة. لا نعرف ما قد يحدث لو حاول هارون أو من يمثله أن يوقفنا."
جلسنا جميعًا بصمت، كلنا نشعر بثقل القرار، لكن كان واضحًا أن هذه النهاية، وأن الرحيل هو بداية حياة جديدة بعيدًا عن ظلال الماضي.
واصلتُ التفكير في كلمات ديراس، وكانت تدور في رأسي مثل دوامة لا تهدأ. "يجب أن نكون مستعدين لأي مواجهة." لم يكن تحذيرًا عابرًا، بل حقيقة واقعة نعيشها منذ لحظات. لم أكن أريد أن أظهر خوفي، لكن قلبي كان يقرع بشدة.
جوش نهض ببطء من مكانه، ونظر إلينا جميعًا بعينين ثاقبتين كأنهما تبحثان عن تأكيدات قبل اتخاذ القرار النهائي.
- "غدًا عند الفجر، سنغادر. نأخذ ما نحتاجه فقط. لا مجال للتردد أو الالتفات للخلف."
كايل بدأ يجمع بعض الأدوات بحزم، بينما تومير تحقق من أسلحته وأعدها. إيلان بدا متوترًا، لكنه حاول أن يخفي ذلك بابتسامة ضعيفة.
جلستُ لحظة أتأمل وجوههم، كل واحد منهم يحمل على كتفيه عبء ما، وأنا وسطهم أشعر بثقل ما لم أعهده من قبل. كل خطوة مقبلة هي قفزة في المجهول، لكن البقاء هنا كان يعني شيئًا أسوأ.
قلت بصوت خافت لنفسي:
- "هذه ليست مجرد قرية... إنها قبور لم تُدفن بعد. وحان الوقت أن ندفن ماضينا."
الليل اقترب بسرعة، وكنت أعلم أن النوم لن يأتي بسهولة. كل صوت خارجي، كل حركة في الظلام، كانت تذكرني بأننا مراقبون، وأن الوقت ينفد.
مع أول خيوط الفجر، كان الجميع مستعدًا. جمعتُ ما أستطيع من حاجيات بسيطة، ثم وقفنا خارج الكوخ، نستنشق هواء الصباح البارد، وننظر نحو الطريق الذي سيأخذنا بعيدًا عن كل ما عرفناه.
كان القرار صعبًا، لكنه ضروري.
- "لن نعود هنا أبدًا،" همس جوش، وكنت أرى في عينيه عزيمة لا تلين.
بدأنا المشي، خطواتنا متوترة لكنها ثابتة، وكل منا يحمل داخله أملًا خافتًا بأن الحياة التي نبحث عنها تنتظرنا في مكان بعيد، حيث لا تهديد ولا ظلال للماضي.
بدأنا رحلتنا مع شروق الشمس، ونحن نرتدي جلودنا الثقيلة ونثبت أنفسنا على ظهور الأحصنة التي انتظرناها قرب أطراف القرية. الهواء الصباحي كان بارداً ومنعشاً، لكنه لا يستطيع أن يمحو من داخلي ثقل كل ما تركناه خلفنا.
جلستُ خلف جوش، يدي مشدودة على خصره، وأحسست بتوتره يتسلل إلي، رغم هدوئه الظاهر. كان يقود الحصان بخبرة، كل خطوة تخطوها الأحصنة على الأرض المبللة بالنّدَى تُذكّرنا بأننا نهرب من شيء أكبر منا.
كايل، تومير، إيلان وديراس ركبوا أيضًا، كلٌ منهم على حصانه، متجهين نحو الغابة الكبيرة التي ستكون ملاذنا المؤقت. لم نجرؤ على التحدث كثيراً، فالهدوء كان يملي الأجواء، وكأن كل منا يعيد حساباته في صمت.
سمعت أنفاسي تتسارع كلما اقتربنا من نهاية القرية، ووجوهنا تتغير مع كل ميل نبتعد فيه عن المكان الذي كان يومًا منزلاً وأصبح الآن مرعبًا.
نظرت إلى السماء التي بدأت تتلون بلون أزرق باهت، وتمنيت أن تكون هذه الرحلة بداية حقيقية، بعيدًا عن الظلال والتهديدات التي تعشش في تلك الأرض.
همس جوش بجانبي:
- "سنكون بأمان هناك... قريبًا."
وكنتُ أريد أن أصدقه.
بينما كنت أتمسك بخصر جوش على ظهر الحصان، تملكني شعور غريب؛ مزيج من الخوف والارتياح، وكأنني أترك خلفي سجنًا مظلمًا، وأتجه نحو المجهول، لكن بخطواتنا هذه، كانت هناك بارقة أمل خافتة.
قلبي ينبض بسرعة كلما مرت بنا الأشجار، ورؤية القرية تتلاشى خلفنا تترك فراغًا بداخلي لا أعرف كيف أملأه. كنت أفكر في كل شيء حدث؛ في التهديدات، في تلك النظرات المشبوهة، وفي المرأة الغامضة التي تركت قلبي متردداً.
كان الصمت يثقل الهواء بيننا، ولم أستطع كسر ذلك الهدوء بحديثٍ بلا معنى. شعرت بأن كل نفس أتنفسه هو تحدٍّ لشيء ما داخلي، رغبة عميقة في النجاة، وفي اكتشاف من أنا بعيدًا عن ظلال الماضي.
همست لنفسي بصمت:
-"لن أسمح للخوف أن يحدد حياتي. هذه بداية جديدة… بداية حقيقيّة."
Aya