لم يكن الهروب قرارًا… كان ضرورة.
صمتٌ ثقيل خيّم على تحرّكنا ونحن نغادر القرية. لم نجرؤ على الكلام، كأن الكلمات وحدها قد تُفسد هذا التوازن الهش بين النجاة والمطاردة.
سلكنا الطريق الخلفي بين الأشجار، خلف المنازل المقفلة والعربات المتآكلة، وتركنا وراءنا الهمسات التي كانت تلاحقنا كل ليلة.
كنت أجلس وراء جوش كالعادة و أنا متمسكة بخصره، أتنفس بصعوبة، لا بسبب التعب، بل لأنني لا أعرف إلى أين نحن ذاهبون. الجميع بدا وكأنه يعرف، خطواتهم واثقة، أعينهم تلتقط التفاصيل. أما أنا، فكنت أتبع الضوء الباهت الذي يتسلل بين أغصان الأشجار، كأنني أتلمس مخرجًا من حلمٍ لم أطلب دخوله.
الغابة كانت صامتة أكثر من اللازم. لا زقزقة عصافير، لا حفيف أوراق. فقط وقع خطواتنا، وأنفاسنا المتقطعة، وصوت ديراس حين قال فجأة:
- "اقتربنا."
اقتربنا من ماذا؟
نظرت إلى جوش، لكنه لم يجب. عينيه كانتا مثبتتين على طريق ضيق، تملؤه الجذور، وتحيط به شجيرات كثيفة. الطريق بدا كأنه أُغلق لسنوات، ومع ذلك، كان واضحًا أنه يعرفه عن ظهر قلب.
همست:
- "إلى أين نحن ذاهبون؟"
قال دون أن يتوقف:
- "مكان آمن… لنا."
لم أفهم. لكن صوته لم يكن يحتمل الجدل.
مرّت دقائق طويلة قبل أن نصل إلى حافة منحدر صخري. هناك، تحت تلال الطين والحجارة، ظهرت بوابة حجرية غامضة، نصفها مغطى بالطحالب، ونصفها الآخر مائل كأنه يقاوم السقوط.
توقفت.
نظرت إليهم، وجوههم تغيرت. كايل ابتسم دون أن يدري، وتومير أطلق صفيرًا خافتًا كمن يرى بيته بعد غياب، وديراس أغلق عينيه لوهلة وكأنه يستنشق ذاكرة.
أما أنا… فشعرت أنني الوحيدة التي لا تعرف هذا المكان.
اقترب جوش مني، همس بصوت منخفض:
- "كنا نأتي هنا قبل أن… يتغير كل شيء."
نظرت إليه:
- "ماذا كان هذا المكان؟"
قال وهو ينظر إلى الداخل:
- "كان ملجأنا. قبل الحرب، قبل الانهيار. قبل أن نفقد من فقدناهم."
دخلنا عبر الممر الضيق، وكنت أشعر بأنني أسير داخل أحشاء الأرض. الرطوبة، وبرودة الحجارة، والصمت الذي يقطعه صدى خطواتنا… كل شيء جعلني أشدّ قبضتي حول ردائي.
الداخل كان مفاجئًا.
ساحة دائرية، محفوفة بجدران حجرية، بعضها مهدم، وبعضها ما زال يقف كحارس قديم. أعمدة خشبية داكنة، وأسقف منخفضة، ونار خامدة في منتصف المكان… كأنها لم تُطفأ إلا قبل وقت قريب.
كايل قال وهو يلمس أحد الجدران:
- "ما زالت قوية."
تومير اقترب من السلاح القديم الملقى في الزاوية، رفعه، ثم ابتسم بخفة:
- "لم يتغير شيء… حتى الغبار بقي كما هو."
إيلان، الذي كان ساكتًا طوال الطريق، جلس على الحجر قرب المدخل، وقال:
- "كم سنة مرّت…؟"
رد ديراس بصوت خافت:
- "سبع، أو ثمانٍ. وربما أكثر."
أما أنا، فوقفت وسط الساحة، أنظر حولي، وأشعر أنني دخلت تاريخًا لا أعرفه. شيء في هذا المكان كان حيًّا رغم الخراب.
اقتربت من جوش، سألته وأنا أراقب ملامحه:
- "لماذا لم تخبرني أن هناك مكانًا كهذا؟"
نظر إليّ… تلك النظرة التي يخبئ فيها أكثر مما يقول، ثم أجاب:
- "لأنك لم تكوني معنا حين كان لنا ماضٍ هنا."
صمت، ثم أضاف:
- "لكنك هنا الآن."
جلست قرب الحائط، وظهري إليه، وعيناي تراقبان البقية وهم يتنقلون كأنهم يعودون لملابسهم القديمة. وجدت نفسي أفكر:
ما الذي كان هذا المقر؟
وماذا يعني لهم؟
كلهم بدا عليهم الثقل… لكن أيضًا، نوع من الارتياح. كأنهم استعادوا شيئًا من أنفسهم، حتى لو كان مثقلاً بالذكريات.
تسللت أشعة شمس الغروب من بين الشقوق الصغيرة في الجدران، تراقبنا بصمت، كأنها لا تريد إزعاج المكان الذي بدأ يستيقظ بعد سباتٍ طويل.
جلس كلٌّ منا في ركنه، نراقب الحجارة القديمة التي حملت صدى خطوات سابقة، وضحكات، وربما صرخات.
كنت أقف قرب ممر حجري ضيق، أتحسس الجدار البارد بيدي، حين شعرت بظل جوش خلفي. لم ألتفت فورًا، لكنه قال بصوت منخفض، فيه نبرة لم أعتدها:
- "كانوا يضعون الشعلة هنا… ضوءها كان يغطّي الساحة كلها."
نظرت إلى النقطة التي أشار إليها، ثم سألته بهدوء:
- "كنت سعيدًا هنا؟"
تردد، ثم قال:
- "كنا… أحياء. نضحك كثيرًا، ونظن أن العالم بسيط."
التفت إليه، فوجدت عينيه في وجهي، قريبتين أكثر من المعتاد.
همس دون أن يشيح ببصره:
- "وجودك هنا الآن… يغيّر كل شيء."
لم أعرف ما أقول، لكني شعرت بحرارة وجهي تتسلل إلى عنقي. ابتعدت خطوة صغيرة، دون أن أرد، وعدت إلى وسط الساحة حيث كان كايل يحاول إشعال النار في الموقد القديم.
جاءني صوت تومير وهو يضحك:
- "حتى المدفأة تحتاج وقتًا لتتذكرنا."
ضحك الجميع، للحظة قصيرة بدت الحياة فيها ممكنة.
إيلان جلس على الأرض وهو يعبث ببعض الصخور، وأشار إلى زاوية مغطاة بشبكة عنكبوت:
- "ما هذا الصندوق؟"
هرع إليه ديراس، ثم قال:
- "خزنة صغيرة… كانت تخص فصيلتنا."
حاول فتحها، لكنها مغلقة بقفل صدئ. قال جوش وهو ينظر نحوها:
- "اتركها الآن… سنفتحها لاحقًا."
لكن عينيه بقيتا عليها طويلًا، كأن بها شيئًا دفنه منذ زمن.
في المساء، بعدما ثبتنا بعض البطانيات المهترئة وجمعنا الخشب من أطراف المكان، جلست قرب النار الخافتة، أراقب اللهب يتلوى، وأفكر في كل شيء ولا شيء.
جوش جلس جواري دون أن يتكلم. كانت بيننا مسافة صغيرة، لكنها بدت واسعة بما يكفي لتُخفي كل ما لا نجرؤ على قوله.
قال أخيرًا:
- "هل كرهتِ المقر؟"
ابتسمت بهدوء:
- "لم أكرهه… فقط لم أفهمه بعد."
قال بنبرة أكثر ليونة:
- "وإن فهمته… هل ستبقين؟"
نظرت إليه. نظرته كانت حقيقية، خالية من السخرية المعتادة، أو الغموض الذي يخفي به حزنه.
رددت بصوت خافت:
- "سأبقى… ما دام هناك من أستطيع الوثوق به."
قال دون تردد:
- "أنا هنا."
لأول مرة، شعرت أن هذا المقر، رغم برودته وذكرياته الغريبة، قد يحمل لي شيئًا مختلفًا…
شيئًا يشبه البيت.
بعدما خمدت النيران شيئًا فشيئًا، بدأ الهدوء يلتهم الأصوات من حولنا. حتى أنفاس الرفاق كانت بالكاد تُسمع.
كان ديراس يجهز أغطية نوم بسيطة في أحد الأركان، تومير يتفقد الباب الخارجي، وكايل يرسم شيئًا على الأرض بأطراف عصاه، خطوطًا غامضة لا يشاركها مع أحد. إيلان جلس وحده في الزاوية الأخرى، يكتب في دفتر صغير أخرجه من سترته القديمة. لم يسأل أحد عن محتواه.
أما أنا، فبقيت جالسة، أراقب الظلال التي تتراقص على الجدران، وكأنها تتذكر الوجوه التي سكنت هنا يومًا.
اقترب مني جوش من جديد، يحمل غطاءً آخر بين يديه، وقال بنبرة خفيفة:
- "ستتجمدين إن جلستِ هكذا."
ناولني الغطاء، ثم جلس قربي، هذه المرة أقرب مما فعل من قبل. شعرت بحرارة بسيطة تسري بيننا، لا من النار، بل من تلك المسافة التي بدأت تضيق.
همست دون أن أنظر إليه:
- "كنتَ مختلفًا اليوم."
- "كيف؟"
- "كأنك كنت... عائدًا إلى نفسك."
ضحك بخفّة، ونظر إلى الأعلى، حيث بعض فتحات السقف تُظهر شريطًا رفيعًا من النجوم.
- "ربما لأنني كنتُ أنسى من أكون خارج هذا المكان."
التفتّ إليه، ورأيت عينيه تلمعان بلمعة لم أرها من قبل. ليست حزينة، ولا مرهقة. فقط صادقة.
في الجهة الأخرى من المقر، سمعنا ضحكة خفيفة من تومير، قال بشيء من السخرية:
- "الليلة هادئة أكثر من اللازم."
رد عليه ديراس وهو يفرش بطانيته:
- "دَعها كذلك. لا تُفسدها بكلامك."
ضحك كايل، وأضاف:
- "أغرب شيء هو أنني نسيت صوت المطر… واليوم، لا أريد أن أسمعه."
ضحكنا كلنا، تلك الضحكة الصغيرة التي لا تأتي إلا بعد النجاة من شيء لم نكن واثقين أننا سنتجاوزه.
عندما هدأت الضحكات، تسللتُ بهدوء إلى زاوية بعيدة قليلاً عن النار، وتمددت على فراشي البسيط. شعرت بالبرد يزحف إلى أطرافي، لكن قلبي… كان دافئًا بطريقة لا أفهمها.
نظرت إلى السقف، إلى تلك الفتحات الصغيرة، وتخيلت النجوم تهمس لنا بأشياء لن نفهمها الآن.
أغمضت عيني ببطء، لكن صوت خطوات خفيفة جعلني أفتحها مجددًا، بحذر.
كان جوش، واقفًا على بُعد خطوات، ظله يُلامس أطراف الضوء.
لم يتكلم في البداية.
فقط نظر نحوي للحظة، ثم مدّ يده، وسحب الغطاء الذي انزلق عن كتفي، وأعاده بهدوء، كأن حركته جزء من الهواء.
وقبل أن يبتعد، تمتم بنبرة أقرب للشرود:
- "تتقلّبين كثيرًا عندما لا ترتاحين."
توقفت أنفاسي.
منذ متى يراقبني وأنا نائمة؟
هل قالها عن قصد؟ أم أنها مجرد ملاحظة عابرة؟
لكنه لم ينتظر ردي. استدار ومشى نحو الركن المقابل، حيث فراشه، واستلقى كما لو أن شيئًا لم يكن.
أما أنا، فبقيت مشدودة، أنظر إلى الغطاء فوقي، وكأن لمسته ما زالت عليه.
-"غبي" تمتمت مستسلمة للنوم.
استيقظت على أول خيط من الضوء يتسلل عبر الشقوق العالية في الجدار، يخطّ خطوطًا ذهبية على الحجارة الباردة. لم يكن صوت الطيور هو الذي أيقظني، بل حركة خافتة في الطرف الآخر من الساحة.
تومير كان يحمل دلواً صدئاً، يسير بخطوات حذرة نحو الممر الجانبي، وكايل خلفه يجر قطعة خشب كبيرة على الأرض. الجو كان مليئًا برائحة الغبار والرطوبة، ومع ذلك… كان هناك شيء جديد في الهواء، كأن المكان بدأ يتنفس من جديد.
جلست، وأنا أعدل الغطاء حولي، أراقب البقية. ديراس كان يركع أمام الجدار الشرقي، يمرر يده على الشقوق كأنه يقرأ كتابًا قديمًا، ثم بدأ يكدّس الحجارة الصغيرة ليغلق فراغًا كبيرًا. إيلان كان يفرغ حقيبته، يخرج منها أدوات لم أرها من قبل — مسامير، حبال، قطعة قماش كبيرة — يضعها إلى جانبه بهدوء.
جوش لاحظ أنني أتابعهم بصمت، فاقترب وهو يمسح يديه من الغبار.
- "لن يقف المقر على قدميه وحده… سنحتاج كل الأيادي."
نهضت ببطء، أشعر ببرودة الأرض تحت قدمي، وقلت:
- "لا أعرف حتى من أين أبدأ."
ابتسم ابتسامة جانبية، ثم أشار إلى جانب الممر:
- "هناك أكوام من الخشب القديم، إذا استطعتِ إحضار بعضها سنعيد به بناء السقف في هذا الركن."
أخذت طريقي إلى حيث أشار. الخشب كان مغطى بطبقة سميكة من الغبار، وبعضه متآكل من الرطوبة، لكنني وجدت قطعًا لا تزال صالحة. حملت إحداها على كتفي، وشعرت بثقلها يمتد إلى عظامي. بينما كنت أعبر الساحة، لمحته يراقبني، لكنّه تظاهر بأنه مشغول بترتيب العوارض.
مرّت ساعات ونحن نعمل بصمت متقطع، لا يقطعه سوى أصوات الطرق على الخشب، واحتكاك الحجارة، وأحيانًا ضحكة قصيرة حين يعلّق أحدهم على شيء من الماضي. كان المشهد غريبًا… خمسة رجال يعرفون المكان كما يعرفون أيديهم، وأنا بينهم، أتعلم إيقاعهم، أحاول أن أكون جزءًا من هذا الصمت المليء بالمعاني.
في لحظة استراحة، جلست على حجر قرب المدخل، أتنفس بعمق، وأراقبهم وهم يتحركون بتناغم عجيب، كأن المقر يُعيد رسم ملامحهم القديمة.
جوش جلس بجانبي دون دعوة، يمد ساقيه إلى الأمام، ونظر إلى الحائط الذي كنا نعمل عليه:
- "أتعلمين؟ هذا الجدار شهد أول مرة ضحكنا فيها بعد الخسارة الكبيرة."
نظرت إليه، أنتظر أن يكمل، لكنه ظل يحدّق في الحجارة بصمت.
-"ومن كنتم تضحكون؟" سألت.
أجاب بعد لحظة:
- "على لا شيء… كنا نضحك فقط لأننا استطعنا."
لم أعرف بماذا أرد، فاكتفيت بالنظر إلى يديه، المليئتين بالغبار والخدوش. كان فيهما شيء يذكّرني بأن هذا الرجل… مهما بدا صلبًا، فقد حمل أكثر مما يجب.
وقبل أن أنهض للعودة إلى العمل، قال بصوت منخفض، بالكاد مسموع:
-"وأظن أننا سنضحك هنا مرة أخرى… ولكن هذه المرة، قد لا يكون الأمر على لا شيء."
تركت الجملة تتردد في رأسي، وأنا أعود نحو الخشب. لم أكن أعرف هل يقصدنا جميعًا… أم يقصدني أنا.
بحلول الليل، كانت النار في وسط الساحة تشتعل ببطء، تتلوى ألسنتها وتلقي ظلالًا طويلة على الجدران التي صارت أقل خرابًا من صباح اليوم. كان الخشب الجديد يلمع بلون أفتح من باقي العوارض القديمة، ورائحة الدخان امتزجت برائحة التراب الرطب.
جلس كايل على مقربة من النار، يمرر سكينه على قطعة خشب صغيرة، يرسم عليها شيئًا لم يصرّح به. تومير كان يتفقد السقف من الداخل، يدفع العوارض الجديدة بيده كأنه يختبر قوتها، بينما إيلان و ديراس يتجادلان بهدوء حول المكان الأنسب لتعليق قماش كبير لإغلاق فتحة في الحائط.
أنا كنت في الركن القريب من المدخل، أفرش بطانتي التي ما زالت تحمل الغبار العالق من الغابة. كنت متعبة لدرجة أن أصابعي بالكاد تتحرك، لكنني شعرت براحة غريبة، كأن التعب نفسه جزء من هذا المكان.
سمعت خطوات خلفي. لم أحتج أن ألتفت لأعرف أنه جوش. صوته جاء منخفضًا، لكن فيه دفئًا أكثر من النار نفسها:
- "عملتِ بجد اليوم."
ابتسمت وأنا أواصل فرد البطانية:
- "وأنت كنت تراقب أكثر مما تعمل."
ضحك بخفّة، وجلس على بعد خطوة مني، كأننا اتفقنا مسبقًا ألا نقترب أكثر من ذلك الحد.
- "كنت أتأكد أنك لا تحطمين الجدار بدل إصلاحه."
-"سأعتبرها مجاملة." قلت وأنا أرفع حاجبي، لكنه اكتفى بالنظر إليّ طويلًا، حتى شعرت بحرارة في وجهي رغم برودة الليل.
مرّت لحظة صمت لم يقطعها سوى حفيف الريح وهي تتسلل عبر الشقوق. ثم قال، بصوت خافت لا يكاد يصل لغيري:
- "لم أتوقع… أن يضيف وجودك هنا شيئًا للمكان."
ترددت قبل أن أسأله:
- "شيئًا جيدًا؟"
ابتسم نصف ابتسامة، تلك التي لا تكشف ما يفكر فيه تمامًا، وأجاب:
- "كثيرًا."
لم أعرف كيف أرد، فخفضت بصري نحو النار التي تتوهج في وسط الساحة. كايل رفع رأسه فجأة وقال:
-"ليلة هادئة، لكن لا تثقوا بالهدوء."
رد ديراس وهو يضع القماش مكانه:
- "حتى لو لم نثق به… نحن بحاجة إليه."
ضحك تومير، ثم ألقى قطعة خشب في النار، فارتفع اللهب للحظة وكشف وجوهنا جميعًا. رأيت في عيني جوش شيئًا يشبه الانعكاس… وكأن النار لا تشتعل في الحطب فقط، بل في مكان ما بيننا.
حين اقترب وقت النوم، تمدد كل واحد في ركنه. كنت أحاول أن أغفو، لكن صرير الخشب الجديد وحفيف الريح أبقاني يقظة. سمعت خطوات هادئة تقترب مجددًا، وعندما فتحت عيني، كان جوش ينحني ليمد الغطاء فوق كتفي. لم يقل شيئًا هذه المرة، لكنه ظل واقفًا للحظة أطول من اللازم، كأن عينيه تدرسان ملامحي في هذا الضوء الخافت، ثم ابتعد ببطء.
أغمضت عيني، وأدركت أنني… رغم الغربة عن هذا المكان، لم أشعر بالأمان منذ زمن كما شعرت هذه الليلة.
الصباح التالي كان مشمسًا على غير عادة الأيام الماضية، ودفء الشمس تسلل عبر الشقوق في الجدار ليوقظني قبل أن يوقظ الآخرين.
كنت أسمع أصواتًا خافتة؛ جوش يكلّم ديراس بصوت منخفض، وكايل يتثاءب وهو يتقلب.
حين جلست، رأيت جوش يقترب، يعلّق حقيبة جلدية على كتفه، وقال:
- "سنحتاج للذهاب إلى السوق أسفل التل. المؤن بدأت تنفد."
نظرت حولي: الخبز اليابس في السلة بالكاد يكفي ليومين، وقربة الماء شبه فارغة.
- "ومن سيذهب؟" سألت.
- "أنا وأنت." قالها ببساطة، وكأنه قرار نهائي.
لم أجادل، لكنني كنت أشعر أن الخروج معه وحدنا… سيجعلني أضطر للاستماع أكثر مما أتكلم.
الطريق إلى السوق كان يهبط عبر منحدر طويل، تحفه أشجار الزيتون العتيقة، وجذوعها الملتوية تشبه أيادي عجائز متشابكة. نسيم الصباح كان يحمل رائحة التراب المبلل بالندى، وصوت خطواتنا على الحصى يتردد بوضوح.
كنت أحمل حقيبة صغيرة على ظهري، وجوش يسير بخطوات ثابتة أمامي، يحمل على كتفه رمحًا قصيرًا كإجراء احترازي.
حين وصلنا أسفل التل، بدأت الأصوات تزداد: مناداة الباعة، حفيف القماش في المحلات الصغيرة، ورائحة الخبز الساخن تملأ الهواء. السوق كان بسيطًا لكنه نابض بالحياة؛ أكشاك خشبية مصطفة، وعربات يجرها الحمير، وصبية يركضون بين الأزقة الضيقة.
اقتربنا أولًا من بائع الخبز، رجل بدين ذو شارب كثيف، ناولنا أرغفة دافئة وضعها في قطعة قماش. ثم توجهنا إلى بائعة الخضار، عجوز بوجه مليء بالتجاعيد لكنها تملك عينين لامعتين. اشترينا منها حزمًا من الأعشاب؛ الزعتر، المريمية، وحفنة من أوراق النعناع التي طلبتها خصيصًا.
-"هذه للأدوية؟" سأل جوش وهو يراقبني أختارها بعناية.
-"لأشياء أخرى أيضًا." أجبته دون أن أوضح أكثر.
بعدها انتقلنا إلى بائع الملابس، حيث علقت أثواب بسيطة وعباءات صوفية على حبال مرتفعة. اخترت معطفًا خفيفًا بلون داكن، وقميصين من الكتان، بينما اشترى جوش قميصًا أسود وبنطالًا متينًا بدا وكأنه اختير من أجل الرحلات الطويلة.
في آخر السوق، توقفنا عند متجر صغير للأسلحة؛ مكان ضيق تملؤه رائحة الزيت والحديد. كان على الرفوف سيوف قصيرة، وخناجر بأغماد جلدية، وحتى أقواس صغيرة. اشترى جوش خنجرين جديدين، وأخذ لي سكينًا متوسطة الحجم، قال وهو يناولني إياها:
- "ليست للزينة."
- "ومن قال أنني سأستخدمها للزينة؟" رفعت حاجبي وأنا أتفحصها.
بعد أن امتلأت الحقائب بالمؤن والملابس وبعض القوارير المملوءة بالماء، بدأنا رحلة العودة. الطريق صعودًا كان أبطأ، لكن الشمس كانت قد ارتفعت، والدفء جعل خطواتنا أثقل.
عند منتصف المنحدر، توقف جوش فجأة، نظر إلى ما وراء الأشجار، ثم أكمل السير دون أن يقول شيئًا. لم أسأله… لكن شيئًا في عينيه جعلني أرفع حذري قليلًا.
حين وصلنا المقر، كان الآخرون بانتظارنا، تومير يمسك كوبًا من الشراب ويصيح:
- "تأخرتم! السوق في قارة أخرى؟"
رد جوش وهو يضع الحقيبة على الأرض:
- "لو كنتَ أنت من ذهب، لما عدت قبل الليل."
بعد أن وضع جوش الحقيبة على الأرض، انقضّ كايل عليها وكأنه طفل وجد كنزًا، أخرج رغيفًا ساخنًا ووضعه على أنفه وهو يتنفس بعمق:
-"آه… رائحة الجنة!"
صفعه تومير بخفة على كتفه:
- "اتركه قبل أن تأكله أنت وحدك!"
لكن كايل، بعناد طفولي، أخذ قضمة كبيرة جعلت فتات الخبز يتساقط على لحيته القصيرة.
جلست أنا أفرش قطعة قماش نظيفة على الأرض لأرتب الأعشاب، بينما إيلان جلس إلى جانبي يراقبني. سأل وهو يرفع حاجبًا:
-"وكل هذه الأعشاب… للدواء أم للتوابل؟"
أجبته بابتسامة:
- "سر المهنة."
جوش، الذي كان يراقب من بعيد، قال بنبرة متعمدة:
- "يعني إذا وضعتها في طعامنا، إما أن نصبح أقوى… أو نموت."
رفعت رأسي نحوه:
- "اطمئن، سأبدأ بك إن كان الخيار الثاني."
ضحك الجميع، حتى ديراس الذي نادرًا ما يضحك، ترك المطرقة جانبًا وهز رأسه مبتسمًا.
بينما كنت أرتب القوارير الصغيرة، مدّ كايل يده ليلتقط إحداها، فصرخت:
- "لا تلمسها!"
تجمد في مكانه وكأنه أمسك قنبلة، ثم تمتم:
-"كنت أريد فقط أن أشمها…"
- "هذه قوية، رائحتها تبقى في أنفك أسبوع." قلت وأنا آخذها منه.
ضحك تومير وقال:
- "إذن نعطيها لكايل قبل النوم، ليتوقف عن الشخير."
انفجر كايل ضاحكًا، لكن جوش تمتم من جهة الموقد:
- "بل نعطيها لتومير، ليتوقف عن الكلام."
تومير رفع يده ملوّحًا بسكينه الصغير وكأنه يعلن التحدي، فاشتعلت موجة ضحك جديدة.
في الزاوية الأخرى، كان ديراس يقطع الخبز ويوزعه، لكنه توقف فجأة، أدار قطعة منه بين أصابعه وقال:
- "تخيلوا، آخر مرة أكلت فيها خبزًا ساخنًا… لم أكن أصلح لرفع سيف."
سكتنا للحظة، ثم أضاف بابتسامة هادئة:
- "لكنكم اليوم أعدتم لي هذا الشعور."
كان كلامه بسيطًا، لكنني شعرت بحرارة غريبة في صدري.
جلسنا جميعًا قرب النار، نتقاسم الطعام. كايل حاول أن يمد يده إلى كيس التمر الذي اشتريته، فسحبت الكيس بسرعة وقلت:
- "هذا مخزون خاص."
تظاهر بالانكسار وهو يقول:
- "حتى التمر تحرميننا منه؟ يا لقسوة قلبك!"
رمقته بنظرة جانبية، ثم رميت له حبتين فقط.
التقطهما بفرح مبالغ فيه كأنهما جائزة.
في وسط كل هذه الضحكات والمشاكسات، كنت ألاحظ شيئًا… المقر لم يعد يبدو باردًا كما كان. الجدران نفسها، التي كانت صامتة بالأمس، بدت وكأنها تحتفظ الآن بصدى أصواتنا.
حتى جوش، الذي غالبًا ما يختبئ وراء صمته، كان يجلس قريبًا بما يكفي لأرى ابتسامة صغيرة تظهر على وجهه حين يراقب الآخرين يتشاجرون على آخر قطعة خبز.
تساءلت في داخلي:
ربما البيت ليس جدرانًا أو سقفًا… ربما هو فقط المكان الذي تضحك فيه دون أن تشعر أنك غريب.
بعد ثلاثة أيام التي مرت كروتين ممل قام بها كل من جوش،تومير و ديراس ببناء أسرة لنا داخل غرف المقر الذي بدأ تجديده ببطء فكنت أنا بغرفة و جوش له غرفة وحده أظن لأنه القائد أما ديراس و تومير فاجتمعوا في غرفة أخرى و ايلان و كايل في الغرفة المتبقاة اضافة الى وجود المطبخ و المرحاض و قاعة طعام كبيرة جدا التي لم يتم ترميمها بعد و الساحة التي كنا ننام بها طول هذه الآيام، بدأ الخبز يقل مجددًا، والماء لم يعد يكفي سوى لليلة واحدة. كان لا بد من النزول مرة أخرى إلى السوق.
هذه المرة، حين أعلن جوش أننا سنذهب معًا، سمعت ضحكة خافتة من تومير:
-"احذروا أيها الباعة، الثنائي عائد!"
تجاهلته، لكنني رأيت طرف فم جوش يرتفع بابتسامة صغيرة.
الطريق إلى أسفل التل كان أخفّ من المرة السابقة، ربما لأن الشمس كانت محجوبة خلف غيوم رقيقة، والنسيم البارد جعل خطواتنا أسرع. حين وصلنا السوق، كانت الحركة في أوجها؛ أصوات الباعة تتداخل مع ضحكات النساء وأصوات الدواب.
بدأنا بائع الخبز كالعادة، ثم اتجهنا نحو محل الملابس لأنني أردت شراء قماش إضافي لصنع أكياس صغيرة للأعشاب. بينما كنت أختار الألوان، سمعت صوت البائع العجوز يقول لجوش:
- "مبروك يا ولدي، زوجتك تعرف الاختيار!"
تجمدت وأنا أرفع رأسي ببطء.
-"زوجتي؟!" قلتها في وقت واحد مع جوش، لكن العجوز تابع بهدوء وكأنه يعلن حقيقة مؤكدة:
- "واضح من نظراتكما… وهذه القماشة تليق بها."
رمقني جوش بنظرة جانبية، وبدل أن يشرح للبائع، قال ببرود مفتعل:
- "ضعها في الحساب."
شعرت بحرارة تتسلل إلى وجهي، وتمتمت:
- "لماذا لم تصحح له؟"
ابتسم بخبث وهو يتفحص قماشة أخرى:
-"ولماذا أفسد عليه فرحته؟"
عند بائع الأعشاب، كنت مشغولة بانتقاء زهور الخزامى حين دفع جوش الثمن قبل أن أمد يدي بالنقود. التفتُّ إليه مستنكرة:
- "كنت سأدفع!"
- "وفّري نقودك لأشياء أهم." قالها وهو يربط الكيس على حزامه.
- "مثل ماذا؟"
- "مثل علاجك لي عندما يغمى علي من العمل معك."
لم أتمالك نفسي من الضحك، لكنني حاولت إخفاءه وأنا أمشي أمامه..
بدأ جوش بشراء البيض، لكن الرجل الذي يبيعه كان يضع البيض في سلّة متهالكة.
قلت لجوش وأنا أمدّ يدي لأتفقده:
- "انتبه، إذا انكسرت بيضة واحدة، أنت الذي ستأكلها نيئة."
ابتسم بخبث:
- "أنتِ من ستحملينها إذن."
وهكذا وجدت نفسي أحمل السلة بحذر وكأنني أحمل كنزًا قابلًا للانفجار.
عند بائع اللحم، أصر جوش على اختيار القطعة "الأفضل". ظل يقلب القطع بعناية مريبة، حتى سأله البائع وهو يحاول كتم ضحكه:
- "هل تريد قطعة لتأكلها أم لتعرضها في المتحف؟"
ضحكت حتى دمعت عيناي.
ثم توقفنا عند بائع الخضروات، وهناك حدثت الكارثة الصغيرة. كنت أختار بعض الطماطم حين تعثرت قدمي في سلة جزر، فانسكب نصف الجزر على الأرض.
جوش قال ببرود:
- "رائع، الآن سنأخذ الجزر بسعر أرخص."
أكملت جمعه وأنا أتمتم:
- "لا تتكلم معي."
لكن كل شيء تغير عند بائع الحلويات. كان أمامنا طاولة مليئة بالكعك المغطى بالسكر، والبسكويت المقرمش، والحلوى الملونة.
مددت يدي لأخذ قطعة صغيرة، لكن جوش سبقني واشترى علبة كاملة.
- "لماذا كل هذا؟" سألته.
- "حتى لا تأخذ قطعة وتلوميني لاحقًا… الآن كلنا سنأكل."
آخر محطة كانت عند متجر الأسلحة، حيث كان هناك شاب يعرض سيوفًا وخناجر جديدة. بينما كنت أتفحص خنجرًا صغيرًا، قال الشاب وهو يبتسم لجوش:
- "اختيار جيد… لكن هذا السلاح خفيف جدًا لرجال مثلك."
أشرت إلى نفسي فورًا:
- "إنه لي."
رفع الشاب حاجبيه بدهشة:
- "أوه، إذن أنتِ من تحميه!"
سمعت ضحكة مكتومة من جوش خلفي، وعندما التفت، كان يكتفي بالنظر إليّ وكأنه يستمتع بكل ثانية من الموقف.
- "أحيانًا، نعم." أجبته بابتسامة باردة، فأدار وجهه وهو يخفي ابتسامته.
في طريق العودة، وبينما كنا نصعد المنحدر، قال جوش بصوت هادئ:
- "تعلمين… من الصعب أن أشتري شيئًا معك دون أن يظن الناس أننا…"
قاطعته بسرعة:
- "لا تكمل."
ضحك بخفّة، ثم تابع السير وكأنه قال ما يريد بالفعل.
في الطريق، لمحت ابتسامة خفيفة على وجه جوش، وبدون أن أنظر له مباشرة قلت:
- "كنتَ تتسوق وكأنك تحضر وليمة للقرية كلها."
- "بل وليمة لكِ فقط… أنتِ تأكلين أكثر مما تتصورين."
كادت تصفعه يدي، لكني كنت أحمل البيض، فقررت تأجيل انتقامي.
في المقر، بدأ الكل يلتف حول الطاولة.
تومير، وهو يرى اللحم، صاح:
- "هل ذبحتِ خروفًا بنفسك يا أدونيس؟"
كايل مد يده نحو الحلوى، لكن جوش ضرب يده بخفة:
- "ليس قبل أن نأكل الغداء."
أما إيلان فجلس أمام البيض وكأنه يخطط لابتلاعه دفعة واحدة.
الجو امتلأ بالضحكات، والأحاديث الصغيرة، وحتى المشاحنات الطريفة على نصيب كل واحد. كان مشهدًا بسيطًا، لكن فيه دفء جعل المكان يبدو، ولو مؤقتًا، وكأنه بيت حقيقي.
بدأت رائحة اللحم تُغري معدتي حتى قبل أن ينضج تمامًا، وديراس أخذ يتذمّر بصوت عالٍ:
"أنا لا أفهم لماذا نطبخه ببطء هكذا… قطعة صغيرة تكفيني الآن!"
رد عليه تومير وهو يحرّك القدر:
"هذا ليس مطبخك الخاص، انتظر مثلنا جميعًا."
ثم أضاف بابتسامة جانبية:
"وإلا سأطعمه لك نيئًا."
ضحكنا جميعًا، بينما كنتُ أراقب إيلان يقترب من صحن البيض المسلوق وكأنه يتهيأ لهجوم مباغت. مددت يدي سريعًا وأمسكت البيضة الأقرب إليه.
"هذه لي." قلت وأنا أضعها أمامي.
رفع عينيه نحوي ببطء، كمن صُدم بالخيانة.
"أدونيس… ظننت أننا أصدقاء."
"نحن أصدقاء، لكن صداقتنا لا تشمل البيض."
انفجر كايل ضاحكًا حتى كاد يسقط من على الكرسي، أما جوش فكان يراقب بصمت تلك الفوضى الصغيرة وابتسامة خفيفة لا تفارق وجهه.
حين وُضع الطعام أخيرًا على الطاولة، اجتمعنا جميعًا، وأحسست لأول مرة أن الساحة الكبيرة التي كنا ننام فيها لم تعد مجرد مقر قديم بارد، بل بدت وكأنها غرفة طعام حقيقية في بيت حيّ. أصوات الملاعق، الضحكات، المشاحنات الصغيرة حول من أخذ أكبر قطعة… كلها جعلت المكان مختلفًا.
قال تومير وهو يقضم قطعة خبز:
"أتعرفون؟ لا أصدق أننا بعد كل ما مررنا به، نجلس الآن لنأكل كعائلة."
أجابه ديراس بسرعة:
"أجل، عائلة فوضوية."
أما أنا فبقيت أنظر إليهم واحدًا تلو الآخر… لوهلة شعرت أني أنتمي. ليس مجرد ضيفة أو غريبة، بل فرد بينهم.
لكن سرعان ما قطع جوش لحظتي الداخلية بصوته:
"أدونيس، أين السلة التي فيها البيض؟"
"بأمان معي، لا تقلق."
"أمان معك؟" قالها ساخرًا. "إذا لم يكسر أثناء صعود التل، فهو سيكسر الآن وأنتِ تحاولين مجاراة ديراس في الأكل."
كادت الملعقة تسقط من يدي، وسط ضحكات البقية. نظرت إليه ببرود:
"سأنتقم يومًا ما."
"سأكون بانتظارك." قالها بابتسامة جانبية، ثم تابع طعامه كأن شيئًا لم يكن.
وفي تلك اللحظة، وسط الفوضى والدفء، أيقنت أن هذا المقر لم يعد مجرد مأوى لنا… بل أصبح شيئًا يشبه البيت.
بعد أن انتهينا من الأكل، بدأ كل واحد منهم يتكاسل في مكانه وكأنهم لن يتحركوا أبدًا. بعضهم تمدد على المقاعد، والبعض الآخر أخذ يقلب بقايا الخبز بملل. أما أنا فقد خرجت إلى الساحة لأتنفس قليلًا. الهواء كان باردًا، لكن فيه راحة جعلتني أغمض عيني للحظة.
سمعت خطوات خلفي، وحين فتحت عيني كان جوش يقف بجانبي، يحمل كوبًا من الماء. ناولني إياه دون كلمة. أخذت رشفة ثم قلت:
"لم أتوقع يومًا أن أجد نفسي أجلس معكم بهذا الشكل… وكأننا عائلة."
أجاب وهو ينظر للأفق:
"الإنسان غريب… يظن دائمًا أن الاستقرار مكان أو جدران. لكن الحقيقة، هو مجرد شعور. أحيانًا يكفي أن تضحك مع أشخاص غرباء، فتشعر أنك لم تعد غريبًا."
بقيت صامتة للحظة، ثم قلت:
"أجل… لكننا جميعًا نحمل شيئًا بداخلنا، خوفًا أو جرحًا. أعتقد أن ضحكاتنا مجرد طريقة لستر ما تحتها."
ابتسم قليلًا:
"هذا ما يجعلنا بشرًا، أليس كذلك؟ أن نضحك رغم الألم… أن نكمل رغم أننا لم نُشفَ بعد."
نظرت إليه جانبًا:
"ألا تشعر أن كل ما مررنا به جعلنا نتقن الاختباء خلف أقنعة؟"
"بلى." قالها بهدوء. "لكن لا بأس… القناع أحيانًا ليس خداعًا، بل حماية. الأهم أن نجد شخصًا واحدًا على الأقل لا نحتاج لإخفاء شيء أمامه."
لم أعلّق فورًا. وضعت الكوب بجانبي وجلست على الدرج الحجري للساحة. جلس هو الآخر قربي، لكنه ترك مسافة بيننا، وكأن صمته يكمل كلماته.
بعد لحظة، قلت:
"في علم النفس يقولون إن الإنسان لا يشفى حين يختفي الألم، بل حين يجد معنى له."
"معنى…" تمتمها وكأنه يتذوق الكلمة. "ربما هذا ما نبحث عنه جميعًا هنا… معنى لكل ما خسرناه."
ساد الصمت من جديد، لكن هذه المرة لم يكن صمتًا ثقيلًا. كان هادئًا، دافئًا، كأن الليل نفسه قرر أن يمنحنا استراحة قصيرة.
رفعت عيني نحو السماء الملبدة بالغيوم، وقلت بابتسامة صغيرة:
"غريب… رغم كل شيء، أشعر أنني بخير الليلة."
"هذا يكفي." أجاب ببساطة. "أحيانًا، أن تشعر بخير لليلة واحدة… أهم من كل الغد."
لم أجد ما أقوله بعد ذلك. بقيت جالسة أستمع لضحكات الآخرين تتلاشى شيئًا فشيئًا في الداخل، والبرد يزداد حولنا، لكن لوهلة… بدا المقر وكأنه بيتنا جميعًا، حتى لو كان ذلك مجرد وهم قصير.
Aya