تساؤلات

تساؤلات

13 0

وجهة نظر جوش:

منذ أن عالجت جراحنا، والرجال يذكرونها كثيرًا.

واحد يقول إن أناملها أخف من أمه، وآخر يقسم أن رائحتها تُشبه النعناع البري في حقول الجنوب.

أما أنا... فصامت.

لكنني أراقب.

تنهض قبلنا بنصف ساعة.

تخرج إلى الساحة، وتغسل يديها أكثر مما يلزم.

تلمس الأعشاب كما لو كانت تحفظ أسماءها، وتعدّها كما يُعدّ جندي ذخيرته.

تستمع أكثر مما تتحدث.

وحين تتكلم، لا تُخطئ الكلمة.

حتى في المزاح، تختار عبارات لا تُخبرك بشيء عنها... لكنها تجرّك لتكشف أنت نفسك.

ليست عادية.

والأغرب؟

أنها لا تحاول إثبات أي شيء.

الذين يخفون شيئًا عادةً إمّا يثرثرون كثيرًا، أو يختفون كثيرًا.

أما هي... فهي دائمًا في المنتصف.

لا تنسحب، ولا تقترب.

مرة رأيتها تنظر في الخريطة التي نسيها أحدنا على الطاولة.

لم تكن تتجسس... لكنها كانت تقرأ.

عيناها تتنقلان بين النقاط، كما لو كانت تعرف الطرق، أو تحاول تذكرها.

وأنا؟

وقفت خلف الباب، أراقب صمتها.

لم أُحرّك ساكنًا.

لكنني حفظت تلك النظرة في عينيها... كانت نظرة من يعرف ما يبحث عنه.

منذ ذلك اليوم، بدأت أدوّن ملاحظاتي عنها في رأسي كما لو كنت أعدّ تقارير.

ليس لأنني خائف منها...

بل لأنني أكره أن أُفاجأ.

الرجال يقولون إنها طيبة.

وقد تكون كذلك.

لكن الطيبون لا يعرفون كيف يُخفون أنفسهم بهذا الإتقان.

وأنا؟

لا أثق بالمتقنين.

ما يربكني فيها ليس هدوؤها فقط... بل قدرتها على أن تبقى، ببساطة، غريبة.

كل من مرّ بهذا المكان حاول أن يثبت نفسه، يفتعل شجاعة، يبالغ في الطاعة...

أما هي؟

تتحرّك كما لو أنها تعرف منذ البداية حدودها وحدودنا.

تسأل أحيانًا، لكنها لا تكرّر السؤال.

تُخطئ في ترتيب الحطب، ثم تتقنه اليوم التالي.

لا تتدخل، لكنك تشعر أنها تُلاحظ كل شيء.

قبل يومين، سمعتها تنصح أحد الجرحى بنبتة لم نكن نستعملها في علاجنا.

قالت اسمها دون تردّد، ووصفت أثرها كما لو كانت تحفظ كتابًا.

سألها أحدهم: "من علمك هذا؟"

فاكتفت بأن قالت: "جدي."

كذبة؟ ربما لا.

لكن صوتها لم يرتجف، وهذا ما يثير قلقي.

الأشخاص الذين لا يرتبكون حين يُسألون...

إما أنهم اعتادوا الكذب،

أو تعبوا من قول الحقيقة.

وأنا؟

لا أحب أن أبحث في الوجوه عن حقيقتها،

لكنها جعلتني أفعل... رغمًا عني.

الليلة الماضية، راقبتها تقرأ شيئًا تحت ضوء خافت.

لم يكن كتابًا. كانت أوراقًا، قديمة، بخط يدها.

حين سمعت وقع قدمي، أخفتها فورًا.

لم أقل شيئًا. فقط انحنيت لالتقاط الخشب، ثم غادرت.

لكنني عدت أقول لنفسي:

هي ليست خائفة بما يكفي. وليست مطمئنة بما يكفي.

وهذا النوع من التوازن... لا يظهر فجأة.

بل يُبنى بعد حياة طويلة من الحذر.

أنا لا أعرف من هي.

لكنني متأكد أنها لا تقول لنا كل شيء.

ولا أعلم بعد...

هل هذا يجعلها خطرًا؟

أم يجعلني أحمقًا جديدًا في ساحة من الأسرار؟

من خبرتي... الذين تأذوا حقًا لا يصرخون كثيرًا.

الذين عاشوا الرعب لا يحكونه، بل يعيشونه في نظراتهم، في طريقة إمساكهم بالأشياء، في صمتهم حين لا يكون هناك مبرر للصمت.

هي كذلك.

كأن شيئًا فيها خائف دائمًا، لكن ليس من أحد... بل من نفسها.

حين تُقدّم كوب الماء، تفعلها برقة مبالغ فيها، كما لو أنها لا تريد أن تُزعج السكون في الهواء.

هذه ليست طيبة.

هذه محاولة مستمرة لعدم لفت الانتباه...

ومحاولة كهذه لا تصدر إلا ممن تعوّد أن يكون تحت المراقبة.

أحيانًا أرى أنها تشبه أولئك الأسرى الذين نجوا،

الذين خُلع منهم كل شيء - ثم أُعيد إليهم...

لكنهم لم ينسوا لحظة الخلع.

الفتاة لا تشبه ضحايا الحرب...

بل تُشبه من نجوا منها جسديًا فقط،

لكن بقي شيء داخلهم مربوطًا بسلسلة لا تُرى.

لاحظت كيف تنظر إلى النار.

ليست نظرة دفء أو سكينة.

بل نظرة من يختبر نفسه:

هل ما زالت تخيفني؟

هل ما زلت أراها تأكل؟

هل ما زالت تحرق شيئًا في داخلي كلما اشتعلت أمامي؟

هذا ليس تأملًا.

هذا اختبار نفسي متكرر... يقوم به من لم يشفَ بعد.

في لحظةٍ ما، وأنا أراقبها تعصر قطعة القماش الدافئة على كف الجريح،

راودني سؤال غريب:

كيف ليديها أن تكونا بهذا الثبات... إن لم تكن مرت عبر ارتجاف طويل، طويل جدًا، إلى أن أنهكها الخوف فصمت؟

وذلك الصمت...

هو ما يُخيفني.

لأنني أعرف هذا النوع من الناس:

لا يهاجمون أولًا، ولا يدافعون سريعًا،

لكنهم حين يقررون... لا يتراجعون.

جاء الرسول عند الفجر.

وجهه مغبرّ، ملابسه مرقّعة، لكن صوته لم يرتجف حين قال:

- "قافلة مشبوهة... عبرت الحدود الشرقية ليلًا."

أخذت الورقة من يده ثم نطقت:

-"اذهب لا أريد لمستضيفتنا أن تراك."

خط اليد كان سريعًا، لكن واضح:

"تحرّك غير مبرر. ليسوا تجارًا. أحدهم سأل عن امرأة."

تجمّد الوقت داخلي.

الرسالة لم تذكر اسمًا.

لم تذكر حتى وصفًا.

لكنّ عقلي - كما لو كان قد كتب نهايته سلفًا - همس فورًا:

هي.

تريد أن تخدعني بهدوئها؟

أن تذوّب شكي بابتسامة مرّة أو بقطرة دواء؟

لا.

ليس بعد الآن.

في داخلي حرب.

جزء مني يريد مواجهتها فورًا، يقذف بالورقة على الطاولة ويسألها:

"من يبحث عنك؟ ولماذا نحن نغرق فيك؟"

لكن الجزء الآخر... الأعمق، الأخطر،

يقول لي:

"لا تفعل. راقب أكثر. فالذين يملكون سرًا كهذا... حين يُعرفون، إما ينهارون، أو يهاجمون."

وأنا لا أريد أن أراها تنهار.

ولا أريدها أن تهاجمني.

أريد أن أعرف فقط:

هل كانت هي من جاءت إلينا؟

أم أن الخطر هو من أتى خلفها... مختبئًا في ظلها؟

أمرتهم أن لا يُخبروها بشيء.

وأن تبقى الورقة في جيبي،

قريبة من قلبي، كخنجر لا أستعمله...

لكنّي لا أنساه.

كنا نحن من طرقنا بابها، لا هي.

كنا ننزف، نصفنا يصرخ، والنار كانت تشتعل في أحدهم...

وكل ما أردناه وقتها: سقف، ويد تُوقف النزف.

لم تقل "لا".

لم تسأل "من أنتم؟"

فقط أشارت إلى الداخل، وكأنها كانت تنتظر هذا النوع من الطرق.

لكن الآن، بعد الرسالة...

بعد أن قالوا إن قافلةً تبحث عن امرأة قد عبرت الحدود الشرقية،

شيء ما في صدري لا يهدأ.

هي لم تأت إلينا، نعم.

لكن أليس هذا ما يُربكني أكثر؟

لو كانت تنوي خداعنا،

لجعلت مجيئها يبدو طبيعيًا، مبادرًا، مبررًا.

أما أن نظهر نحن على بابها -

فنجدها مستعدة،

بأدوات طبية،

ومكان مرتب،

ونظرة لا تخاف،

ويد لا ترتجف...

فهذا ما يجعل عقلي يتمرّد على المنطق.

أفكّر:

هل كانت تعيش فعلاً هنا؟

هل نحن أول من طلب منها العلاج؟

أم نحن فقط... الحلقة الجديدة في سلسلة طويلة من رجال جاؤوا، نزفوا، ورحلوا دون أن يعرفوا من كانت؟

أعود وأُراجع التفاصيل:

حين فتحت الباب، لم تفاجأ.

حين رأت جراحنا، لم تندهش.

وحين ضمدت كتفي، لم تسأل أيّ سلاح مزقني.

امرأة تعرف كيف تعالج...

لكنها لا تطرح الأسئلة،

ولا تطلب شيئًا بالمقابل.

هذا، في عالمي، لا يُطمئن.

هذا، في عالمي، إما قدّيسة... أو ظلّ.

الرسالة ما زالت في جيبي.

والصمت بيننا بات أثقل من الحديث.

ورغم كل ما أعرفه عن الخداع،

وكل ما اعتدته من الوجوه المزدوجة...

ثمة شيء في عينيها لا يُشبه الكذب.

لكنه لا يُشبه البراءة أيضًا.

وأنا رجل لا يرتاح...

لمن يقف بين الاثنين.

لم أستطع أن أحتفظ بالرسالة وحدي.

كان هناك شيء داخلي يلحّ عليّ، يدفعني نحوها، لا

لإخبارها فقط، بل لرؤية كيف سترتجف - أو لا ترتجف - أمام الخبر.

قضيت يومي بأكمله أُقلّب الرسالة في رأسي، أقرأها بصوت خافت في ذهني، أختبر كل جملة فيها كما لو كانت فخًا لي لا لها.

وعندما حلّ المساء، وجدت نفسي أخرج نحو حديقة الخليفة. كانت هناك، منحنية على الأعشاب، تقطفها برقة مبالغ فيها... كأنها تخشى أن تؤلمها.

وقفت أراقبها لثوانٍ. كل حركة منها بدت محسوبة، كأنها ترقص فوق خيط رفيع من التوازن.

ثم اقتربت، ونطقت بصوت هادئ:

- "المنطقة الشرقية بدأت تتحرّك. قافلة مشبوهة عبرت الحدود منذ شهر. وكان أحد رجالنا هناك."

رفعت رأسها إليّ. نظرة واحدة فقط، فيها استفسار صامت... ثم عادت لما كانت تفعله، وكأن كلماتي لم تكن سوى هواء مرّ بجوارها.

تقدّمت خطوة أخرى.

صوتي هذه المرة كان أكثر ثباتًا، أكثر وضوحًا:

- "نحتاج إلى استعداد... وبقاؤك معنا لم يعد مجرد مسألة كرم أو شفقة."

لم أجد إجابة ظلت محدقة في الورقة الصغيرة التي أمسكتها كأنها تفكر هل تستحق أن تقطف أم أنها ستذبل بلمسة

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صراع

المؤلف Aya
2025/08/20 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة