اللقاء الأول

اللقاء الأول

16 0

مع مرور الأيام، بدأت شهرتي تنتشر بين أهل القرية والقرى المجاورة. لم أعد مجرد فتاة غريبة تحمل مجوهرات ثمينة، بل أصبحت مرجعًا في علاج الأعشاب، والناس يأتون إليّ من كل مكان يحملون آلامهم وهمومهم.

كنت أعرف كيف أخلط الأعشاب بدقة، وأجهز الخلطات التي تهدئ الألم وتشفى الجروح التي عجز عنها الآخرون. شعرتُ بالفخر كلما رأيت مريضًا يعود إليّ مبتسمًا وقد تحسن حاله، وكلما شكرتني امرأة لأجل راحة طفلتها.

بيتي الصغير تحوّل إلى مختبر ينبض بالحياة، تفوح منه رائحة الأعشاب التي تحكي قصتي وتغنيها. لم أتغير، بقيتُ كما أنا: بسيطة، متواضعة، وشغوفة بكل ورقة عشبية تلامس يدي.

بينما كنت منهمكة في تجهيز خلطة جديدة، طرق الباب بقوة غير معتادة. ترددت لحظة، ثم فتحت بحذر. أمامي وقفوا مجموعة من الرجال، وجوههم مغبرة، وأجسادهم تحمل آثار الجروح والدماء الجافة. كانوا مرتزقةً مصابين، يبدون وكأنهم مروا بمعركة قاسية.

لم أستطع أن أخفي دهشتي، لكن شيء في نظراتهم كان مختلفًا، مزيج من الألم والامتنان. طلبوا مني المساعدة، لم يأتوا يطلبون الصراع بل الشفاء. دون تردد، دعوتهم للدخول، وجلست معهم أعتني بجراحهم.

دخلوا إلى غرفتي الواهنة، واحد تلو الآخر، وجوههم ملطخة بالغبار والدم، وأعينهم تحمل قصص معارك ومآسي لم تُروَ. لكن وسطهم، كان هناك رجل، مختلف عن البقية.

كان هادئًا رغم الألم الذي بدا واضحًا على جسده، وعيناه تلمعان بقوة غامضة، لا أعرف كيف أفسرها إلا بأنها شيء يشدني إليه دون أن أفهم السبب. كان يحمل جرحًا عميقًا في ذراعه، لكنه لم يتذمر، بل جلس بهدوء على المقعد المقابل لي.

قال وهو يجلس متعبًا على المقعد، يتفحص المكان بعين متحفّظة:

- شكراً لأنك قبلتِ مساعدتنا... لم نكن نملك خيارات كثيرة.

نظرتُ إليه دون أن أرفع رأسي عن الجرح، ورددت ببرود:

-لستُ هنا لجمع الشكر. أنقذتكم لأنني لا أترك أحدًا ينزف عند عتبة بابي، لا أكثر.

ابتسم ابتسامة مستفزّة وقال بنبرة لا تخلو من السخرية:

-يا لها من طبيبة نبيلة... أو تحاول أن تبدو كذلك.

رفعتُ رأسي ببطء، وثبّتُّ نظري في عينيه:

-أنا لا "أحاول" أن أكون شيئًا. أنا أعرف من أكون، وهذا يكفيني.

قهقه بخفة وقال:

- واثقة بنفسك، أليس كذلك؟

أجبته وأنا أضغط على الجرح دون أن أرفّ:

-الثقة لا تعني الغرور، لكنها تزعج أمثالك غالبًا.

شهق من الألم لكنه لم يشتكِ، وقال بتهكّم:

-مؤلمة يدك أكثر من السيف.

ابتسمتُ بزاوية فمي وقلت:

- جيد، لعل الألم يذكّرك أنك ما زلت حيًا... وهذا بفضلي، لا تنسَ ذلك.

نظر إليّ مطولًا بعد جملتي الأخيرة، وكأنه لم يسمع شيئًا مثله منذ زمن. ثم قال بلهجة حادة:

-غرورك سلاح حاد، لكن لا تنسي أنكِ لستِ في موقع قوة. نحن من يحمل السيوف هنا.

رفعت حاجبيّ بسخرية وأجبت دون تردد:

- سيوفك لا تعني شيئًا هنا. هذا مكاني، وأنا من تملك القرار فيه... وأنت، في هذه اللحظة، مجرد مريض يحتاج إلى ضماد لا إلى تهديد.

حدّق بي، نظراته اشتعلت بتحدٍّ واضح، لكنه لم يرد.

اقتربت قليلًا منه وأنا أضغط على الرباط حول جرحه بمهارة، فشهق من الألم، ثم تمتم:

- لم أتوقع أن أُهان من امرأة تحمل نبتة بدلًا من خنجر.

ابتسمت ببرود وأنا أرفع رأسي إليه:

- لا تحتاج إلى خنجر كي تؤلم أحدًا... أحيانًا كلمة واحدة تكفي.

تراجع قليلاً في جلسته، وكأن كلماتي أصابته في مكان لم يتوقعه. بدا أنه يريد الرد، لكن الكلمات خانته للحظة.

ثم، وكأنه يحاول استعادة السيطرة، قال:

- يبدو أنك لستِ كما ظننتكِ أول مرة.

فأجبته بثقة، وأنا أنهي تضميد الجرح:

- وأنت لست أذكى من أن تحكم على أحد من أول نظرة. حاول ألا تكرر خطأك.

أمسكت بوعاء الأعشاب وعدت أدراجي، دون أن أنظر خلفي. لكنني شعرت بعينيه تتبعانني... ليس بغضب، بل بشيء آخر... فضول؟ احترام؟ أو ربما ارتباك؟

بعد أن انتهيت من تضميد جرحه، دون أن أنبس بكلمة أخرى، التفتُّ نحو الآخرين. أربعة رجال، كلٌّ منهم يحمل آثار معركة على جسده... وبعضهم على روحه أيضاً.

اقتربت من أولهم، كان شابًا نحيل الجسد، لكنه بالكاد يستطيع تحريك كتفه. سألته بنبرة عملية:

-رصاصة أم سيف؟

قال بخجل:

-سهم... في الكتف، نزعتُه بنفسي.

هززت رأسي، وقلت دون تعليق:

- ستندم على ذلك حين تبدأ الحمى. اجلس، لا تتحرك.

فتحت علبة أعشابي، وبدأت في إعداد معجون من أوراق السذاب والشيح، مضاد قوي للعدوى. نظرت إليه وهو يتألم بصمت، وقلت:

- الألم الآن أفضل من بتر الذراع لاحقًا، تذكر ذلك.

انتقلت بعدها إلى رجل ذا الشاربين، جرحه كان على فخذه، ووجهه متجهم. عندما رفعت الغطاء عن الجرح، تمتم:

- لا حاجة لأن تلمسيه. سيندمل.

نظرت إليه ببرود وقلت:

- وهذا رأي الطبيب أم الجاهل؟

لم يجب، فقط أزاح نظره عني واتركني أعمل.

كل جرح كان يروي قصة، وكل عين كانت تراقبني وأنا أتنقل بينهم بثقة. كنت أعلم أن أغلبهم لا يثق بي، لا يحبون أن "امرأة" تتولى علاجهم، لكنهم لم يعترضوا... لأن الألم يجعل الكِبر يصمت.

الرجل الثالث كان صامتًا أكثر من الباقين، لكن يده ترتجف وهو يحاول منع الدم من السيلان.

قلت بهدوء وأنا أربط الضماد حول ساعده:

- أنت تحاول أن تبدو قويًا، لكن النبض لا يكذب.

ابتسم بخفة، وقال:

- لم أرَ يدًا تعمل بهذه السرعة منذ زمن.

أجبته دون أن أنظر إليه:

- لا حاجة للمديح، لا أبيع الأعشاب بالكلمات.

أما الأخير، فقد كان الأهدأ، لكنه ظل يراقبني منذ أن بدأت عملي. حين وصلت إليه، قال بهدوء:

-أنت لست طبيعية...

توقفت لثانية، ثم قلت وأنا أغمس قطعة قماش في نقيع دافئ:

- ولحسن حظكم أنني لست كذلك.

انتهيت من آخر ضماد، وغسلت يديّ بنقيع الزعتر والماء الساخن. المكان كان ساكنًا إلا من أنفاسهم المتقطعة، والشرر الخفي في العيون. لم أكن معتادة على وجود غرباء في هذا المكان الذي صنعته بيدي، لكنّهم الآن يحتلونه بأجسادهم المجروحة وصمتهم الثقيل.

وقفت في منتصف الغرفة، نظرت إليهم جميعًا، ثم قلت بنبرة واضحة، لا تقبل الجدل:

- انتهيت. من يحتاج للمزيد، عليه أن ينتظر حتى الغد. لدي عمل، وحياتي لا تدور حول معارككم.

تبادلوا النظرات، وكأنهم لم يتوقعوا أن أُنهي الأمر بهذه الجفافية. أحدهم، الشاب النحيل، قال بتردد:

- لم نرَ أحدًا مثلك من قبل.

رمقته بنظرة سريعة، ثم رددت:

- لأنكم لا ترون سوى الحرب. أمّا من يصنع الحياة، فأنتم تعبرون أمامه ولا تلاحظونه.

انزويت إلى ركني المعتاد، أعددت دفاتري وبدأت في تدوين وصفاتي، وكأنهم غير موجودين. لكن في داخلي، كنت أشعر باضطراب غريب. وجودهم غريب، نعم، لكن وجوده هو بالتحديد... مربك.

صوته قطع أفكاري:

-من علمك هذا كله؟

لم ألتفت إليه، اكتفيت بالرد دون أن أرفع نظري:

-من علّمني الألم... والفضول... والرغبة في ألا أحتاج أحدًا.

قال بعد لحظة صمت:

- وما الذي يدفعك لمساعدة من لا يستحق؟

أغلقت دفتري بقوة، ثم استدرت نحوه بحدة:

- ومن أنت لتحكم من يستحق ومن لا يستحق؟ أنتم جئتم إليّ، لا العكس.

سكن المكان. الهواء صار أثقل، وكأن الكلمات صنعت جدارًا بيننا.

تراجعت للوراء، وأردفت:

-الغرفة المجاورة فيها فراش، لا تلمسوا شيئًا، ولا تعبثوا بكتبي.

ثم دخلت غرفتي، وأغلقت الباب خلفي.

جلست على طرف سريري الصغير، أراقب ظلال الضوء المتسللة من تحت الباب. لم يكن النوم قريبًا، رغم التعب الذي ينهش كتفيّ. أعددت شايًا خفيفًا من أوراق النعناع والزيزفون، لكن حتى دفء الكوب لم يكن كافيًا لتبديد القلق.

من خلف الباب، بدأت أسمعهم يتحركون. همسات. خطوات ثقيلة. ثم، صوت تصاعد فجأة:

- قلت لك لا تلمس أغراضها!

- أنا فقط ألقيت نظرة! لا داعي لتتقمص دور الحارس.

صوته كان واضحًا. هو.

نهضت بسرعة، وفتحت الباب بقوة.

وجدتهم واقفين، أحدهم ممسك بكتاب من كتبي الطبية، والآخر يقف في مواجهته، ملامحه مشدودة، وكأن الأمر شخصي.

قلت بنبرة قاطعة:

- هل هذا ما تفهمونه من "لا تلمسوا شيئًا"؟

الرجل الذي يحمل الكتاب تنحنح وقال بتبرير سخيف:

- كنت أريد أن أعرف ما الذي تضعينه في تلك الخلطات... للفضول فقط.

سحبت الكتاب من يده دون أن أنظر إليه، ثم قلت:

-الفضول لا يبرر قلة الاحترام.

ثم نظرت إليه -هو- الذي لم يحرّك ساكنًا رغم كل شيء.

سألته بحدّة:

- وأنت؟ لما لم تمنعه بدلًا من التظاهر بالبطولة بعد فوات الأوان؟

رد بنبرة منخفضة لكن نبرتها حادة:

- أنا جندي، لا مربٍّ.

اقتربت منه خطوة، نظرت إليه مباشرة وقلت:

-إذا كنت جنديًا بحق، لعرفت أن الجروح لا تلتئم وسط الفوضى.

ساد صمت ثقيل، وكأن كل الموجودين شعروا بحدة المواجهة.

ثم استدرت وغادرت دون أن أنبس بكلمة إضافية.

رائع! إذًا ننتقل معًا إلى صباح اليوم التالي-حيث الهدوء الظاهري يُخفي توترًا، ويبدأ الشك بالتسلل إلى قلب البطلة، خاصة عندما تكتشف أن أحدهم يخفي أمرًا مريبًا...

استيقظتُ باكرًا كعادتي، رغم أن النوم لم يزرني إلا قليلًا. الهواء في الصباح كان باردًا، والندى يبلل أطراف الأعشاب المزروعة أمام الكوخ. خرجت بصمت، أعددت نقيع الزعتر والقرنفل، ووضعت الماء ليسخن على الموقد.

عندما عدت للداخل، كانوا لا يزالون نائمين... جميعهم، عداه.

كان يقف قرب الطاولة، يتأمل أوعية الزيوت والزجاجات الزرقاء التي نظمتها بعناية.

قلت بصوت خافت دون أن أقترب منه:

- هل تحب العبث بأشياء الآخرين، أم أن الفضول يمنعك من النوم؟

نظر إليّ دون أن يبتسم، لكنه لم يتراجع:

- أردت فقط أن أعرف ما الذي يشفي رجالي بهذه السرعة.

أجبته وأنا أرتب الأدوات ببرود:

- لستُ ملزمة بشرح شيء لك. إن لم تكن تثق في علاجي، الباب ما زال في مكانه.

اقترب قليلًا، وقال بنبرة هادئة لكن ثقيلة:

-لم أقل إنني لا أثق... فقط لا أحب أن أجهل ما يُدخل جسدي.

نظرت إليه، ثم قلت بحدّة:

- جهل الجرح أخطر من جهل الدواء.

وقبل أن يرد، سمعنا ضجة خفيفة. استدرنا سويًا لنرى أحد المرتزقة (الرجل النحيل) ينهض بتوتر وقد كان يحاول إخفاء شيء بسرعة في كيسه الجلدي.

ضاقت عيناي. اقتربت منه بخطى ثابتة:

-ما هذا؟

قال مرتبكًا:

- لا شيء... شيء من أدواتي فقط.

لكنني لم أكن حمقاء. مددت يدي وسحبت الكيس بسرعة.

فتحته أمام الجميع.

داخله كانت زجاجة صغيرة، زجاجتي - واحدة من أغلى خلاصاتي الطبية، والتي لا أستخدمها إلا في حالات التسمم الحاد.

نظرت إليه ببرود، ثم إلى البقية.

صوتي خرج هادئًا، لكن نبرته حادة كالسيف:

- من يسرق من بيتي، يخرج منه... على قدميه أو محمولًا.

سكت الجميع، وبدأ التوتر ينهش الجو.

هو ، اقترب من الرجل بهدوء، أمسكه من كتفه وقال بصوت خافت:

-ما الذي تفعله، بحق السماء؟

رد عليه بخوف:

-ظننتُ أنها مجرد زيوت... أردت شيئًا نبيعه في السوق، فقط...

نظرت إليهم، ثم بصقت الكلمات:

- إذًا أنتم لستم سوى حفنة من اللصوص تعبتم من القتال؟

لكنّ عينيه - عينيه هو - بدتا صادقتين... غاضبتين.

اقترب مني وقال بهدوء:

- لم يكن يعرف قيمتها، أعدكِ... لن يتكرر ذلك.

قلت وأنا أفتح الباب:

-هذه المرة فقط. في المرة القادمة، لا أداوي من يسرقني. أنا لستُ طبيبة مرتزقة.

خرجت بعدها نحو الحديقة. كنت أرتجف، لكن ليس من الخوف.

بل من هذا الشعور الذي لم أعرف كيف أصفه...

قوة تحاول أن تحميني... تأتي منه هو.

أنا لست باردة. لم أكن كذلك يومًا.

أنا الدفء ذاته حين أحب، حين أرتاح، حين أكون بين من أختارهم... لكن معهم، مع هؤلاء الغرباء القادمين من الدم والبارود، لا أستطيع أن أكون أنا.

كأن شيئًا بداخلي يتحفز كلما تكلّم أحدهم، وكأنني أضع درعًا غير مرئي أمام قلبي.

لا لأنني قاسية، بل لأنني أخاف...

أخاف أن يروا هشاشتي وسط كل هذا الصلصال الذي أحطتُ به نفسي.

نظرت إلى أصابعي المرتجفة، وتنفست بعمق.

لا، لست باردة... لكنهم أيقظوا فيّ امرأة نسيت كيف تكون مطمئنة.

ثم تذكرت نظرته حين دافع عني. لم تكن نظرة عطف، بل شيء آخر... شيء أربكني أكثر من السرقة.

وكأن هذا الرجل - تحديدًا - قادر على كسر ذلك الحاجز...

وذلك، في حد ذاته، يخيفني أكثر من كل الجراح.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صراع

المؤلف Aya
2025/08/20 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة