عتمة لا تعرف النوم

عتمة لا تعرف النوم

13 0

لم يقل أحدٌ شيئًا طيلة الطريق.

كان صهيل الحصان، وأنفاسنا المتقطعة، وصوت الريح بين الأشجار، هي اللغات الوحيدة التي تحدثت بها الليلة.

السماء فوقنا بدت أثقل من العادة.

حتى القمر، ذاك المتطفل الدائم، اختبأ خلف سحب كثيفة كأنها تخجل مما رأت.

كانت يدي لا تزال حول خصره، باردة من الخوف، لا من البرد.

حين توقّفنا أخيرًا عند ضفة نهر ضيّق، نزل جوش أولًا، ثم مدّ يده إليّ.

نظرت إليها لوهلة. يد قوية، خَشنة، لكنها ممدودة بثبات.

أمسكتها، ونزلت.

قال ديراس بصوت خافت:

- "سنخيم هنا الليلة. الغابة أهدأ قرب الماء… وأخطر أيضاً، لكنهم لن يتوقعوا ذلك."

أشعل نارًا صغيرة بالكاد تبعث ضوءًا، وجلست قربها، أدفئ أصابعي بصمت.

جوش جلس قبالتي. عينه عليّ، لكنها لا تحدق. كأنه يرى شيئًا أبعد.

قلت بعد لحظة:

-"أنت تنزف مجددًا."

ردّ بلا مبالاة:

- "سيشفى. مثل كل شيء آخر."

رفعت حاجبيّ بسخرية:

- "هكذا إذا؟ الجروح تشفى وحدها؟"

ابتسم. هذه المرة، ابتسامة حقيقية. متعبة، لكنها حقيقية.

- "لا، لكنها تذكّرنا أننا ما زلنا أحياء."

ثم أضاف، بعد برهة من الصمت:

- "وأنت؟ هل أنت بخير؟"

سؤال بسيط… لكنه اخترقني.

هززت رأسي:

- "لا أعلم بعد. لكني نجوت."

أطرق، ثم تمتم:

- "في بعض الأحيان، النجاة ليست كافية."

كادت عيناي تدمعان، لكنني أخفيت ذلك. لا وقت للبكاء.

في تلك الليلة، وأنا أستلقي على الأرض قرب النار، بين ديراس النائم وجوش المتيقظ، شعرت أنني لم أعد كما كنت.

تغير شيء ما فيّ.

شيء لا أعرفه بعد، لكنه استيقظ… ولن يعود للنوم.

صباح اليوم التالي

استيقظت على صوت خافت… خشخشة أوراق، وخطوات حذرة فوق العشب المبلل.

فتحت عيني ببطء، الشمس لم تشرق بعد، لكن الضوء الرمادي للفجر بدأ ينساب بين أغصان الأشجار.

جوش كان واقفًا عند حافة النهر، ظهره لي، يغسل جرح كتفه.

رأيته يخلع القماش الملطخ، ويغمس قطعة جديدة في الماء البارد، ثم يضغطها على الجرح دون أن يتأوّه.

كان الصمت من حوله كثيفًا، كأن الغابة تحترمه.

نهضت بهدوء، ولففت وشاحي حول كتفيّ. اقتربت منه خطوة، ثم أخرى. لم يلتفت، لكنه قال بصوته الهادئ:

-"لا يجب أن تكوني مستيقظة بعد."

- "صوتك مع الماء أيقظني."

- "أم أن النوم لم يأتِ أصلاً؟"

صمتّ.

كان على حق.

اقتربت منه أكثر، وقلت:

- "دعني أنظف الجرح."

أدار وجهه إليّ ببطء، ونظر في عينيّ طويلًا، كأنه يبحث عن شيء.

ثم جلس على صخرة قرب الماء، دون أن ينطق.

جلست خلفه، أخذت القماش من يده، وبدأت أنظف الجرح بعناية.

كان عميقًا، لكنه نظيف الآن. رغم ذلك، كان شيئًا في هذا الجسد يُخبرني أنه اعتاد الألم… وتجاوزه.

قلت، بصوت منخفض:

- "جوش… من أنتم حقًا؟"

انتظرت إجابته، لكنه ظل ساكنًا.

كأنه لم يسمع.

كررت السؤال، أقرب هذه المرة:

- "ديراس يسمّيك صديقه، لكنك لا تتصرف كمرتزق. لا كقاتل، ولا كفارّ…"

تنهد، وقال أخيرًا:

- "من نحن؟ نحن ما تبقى من رجال كانت لهم مهمة… ثم صارت لهم لعنة."

نظرت إليه، مرتبكة:

- "لا أفهم."

ابتسم ابتسامة حزينة:

- "ستفهمين. حين يحين الوقت."

صوته كان صادقًا… لكنه مكسور.

قبل أن أستطيع قول شيء آخر، وصل ديراس من خلف الأشجار، يحمل في يده أرنبًا بريًا اصطاده.

- "لدينا إفطار. وأقل من ساعة قبل أن نغادر."

نظرت إلى الاثنين. رجلان غامضان، كلّ منهما يحمل عبئًا لا أراه، وأنا… وسطهم.

لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط:

رغم خوفي، لم أعد أريد العودة.

تحرّكنا بعد الإفطار مباشرة.

كانت النار قد انطفأت، والرماد لا يزال دافئًا، حين ربط ديراس الأرنب الثاني في السرج، وألقى نظرة سريعة على أطراف الغابة.

ركبت خلف جوش كالمرة السابقة، يديّ تلتفّ حول خصره، أقلّ توترًا من الأمس، لكن رأسي لا يزال يعجّ بالأسئلة.

كان الصمت بيننا أخفّ من قبل، كأن شيئًا في تلك الليلة أزال بعض الحواجز.

الغابة بدأت تفتح ذراعيها، والطريق اتسع قليلًا، لكنه لم يكن مطمئنًا.

أحيانًا كانت الأغصان تنحني فوقنا، فتضطرني للانحناء أكثر قربًا منه، وأحيانًا كانت الطيور تفزع من بين الشجيرات، فتشدّني المفاجأة.

قلت، بصوت منخفض:

-"إلى أين سنذهب؟"

أجاب ديراس، من خلفنا:

- "قرية صغيرة اسمها إيندارا. على حدود الغابة الشرقية."

سألت:

- "وهل هي آمنة؟"

أجاب جوش، دون أن يلتفت:

- "آمنة… بالقدر الذي نستحقه."

لم أفهم تمامًا ما يعنيه، لكني لم أعلق.

تابعنا السير لساعات، نتوقف أحيانًا للشرب أو لالتقاط الأنفاس.

الشمس بدأت تنحدر قليلًا، والهواء صار أقل رطوبة. بدا كأننا نقترب من حافة الغابة، حيث الأشجار تتباعد والسماء تتّسع.

للحظة، ظننت أن الهدوء استقر.

لكن فجأة…

صفير حاد اخترق الصمت.

تجمّدت.

تبعه صوت سهم يخترق الهواء، ثم ارتطم بقوة بجذع شجرة على بعد خطوة من رأس جوش.

صرخت.

أدار جوش الحصان بحركة حادة، وأسقطني أرضًا بلطف خشن، قبل أن يهبط بجانبي ويغطيني بجسده.

سهم آخر مرّ فوقنا، تلاه ثالث.

صرخ ديراس:

- "احتموا بالأرض!"

ثم أطلق طلقة واحدة في الهواء… فعمّ صمت ثقيل.

همس جوش، وهو يلتفت برأسه:

-"لم يصيبونا… لكنهم أرادوا ذلك."

قلت وأنا أرتجف:

-"من؟"

ردّ ديراس، وهو يزحف نحو جذع شجرة:

- "هذا ليس أسلوب رجال والدك… هذا تحذير. لكن ليس موجهًا لنا فقط."

نظر إليّ جوش، هذه المرة بعينين جادتين، كأنهما تقرآن شيئًا خلف المشهد:

-"هناك من يراقب… الغابة لم تنتهِ بعد."

جلسنا خلف الصخور، نتنفس ببطء، نحاول ألا نصدر أي صوت.

الأسهم توقفت… لكن شعور الخطر بقي ينهش أطراف أفكارنا.

ديراس تقدّم قليلًا، راقب الأشجار بعين الصياد، ثم عاد وقال:

- "اختفوا… على الأرجح انسحبوا. لكنهم لم يأتوا ليقتلوا."

سألته، صوتي لا يكاد يُسمع:

- "بل لماذا؟"

أجاب، وهو يشدّ حقيبته:

- "هناك قواعد قديمة في هذه الغابة. إن كانوا من أظنّ… فهُم لا يقتلون إلا من ينتهكها."

نظرت إلى جوش. ملامحه لا تزال مشدودة، لكن في عينيه شيء من القلق… لا الغضب.

ركبنا الحصان مجددًا. هذه المرة، جوش لم يتكلم، فقط أمسك اللجام بإحكام، وسرنا بسرعة أكبر.

الغابة بدأت تتغيّر.

أقل كثافة، أكثر ضوءًا… لكن ليس أكثر أمانًا.

كنت أعلم أن شيئًا ما ينتظرنا هناك.

وإن لم تكن تلك الأسهم سوى بداية.

وصلنا إلى مشارف إيندارا عند الغروب.

الشمس كانت تنزلق خلف الأشجار الثقيلة، ترسم ظلالًا طويلة كأن الليل يسبقنا إلى القرية.

لم يكن في المكان ما يوحي بالحياة، سوى دخان خافت يتصاعد من أحد البيوت.

السكون لم يكن هدوءًا… بل ترقبًا.

كنا خمسة: جوش وأنا، ديراس، إيلان، كايل، وتومير — وكل واحد فينا يحمل ما يكفي من الصمت ليُثقل الهواء.

ركبتُ خلف جوش كالمعتاد، وكنت أشعر بتصلب في يديه، كأنه لا يثق تمامًا حتى بالسكينة الظاهرة أمامنا.

تقدّمنا ببطء. حتى الخيول بدت وكأنها تتحسس الأرض.

كان إيلان أول من كسر الصمت:

- "لا أحب هذا المكان."

كايل أجابه بلهجة ساخرة:

-"أنت لا تحب أي مكان لا يوجد فيه خمر أو نساء."

تومير، الذي عادة لا يتحدث كثيرًا، قال بصوت منخفض:

-"لا تمزح. هناك شيء… غريب هنا."

جوش التفت نحوهم:

- "احذروا كلماتكم. هذه القرية لها ذاكرة."

وصلنا إلى وسط الساحة الترابية. لم يكن فيها أحد، لكننا شعرنا أن كل الأبواب تراقبنا.

خرج رجل مسنّ من أحد البيوت. قامته منحنية قليلًا، ووجهه كأن الزمان نحته بالسكين.

وقف على بعد خطوات، لا يقترب، لا يرحّب. فقط قال بصوت خشن:

- "ظنناكم لن تعودوا."

ردّ ديراس بثبات:

- "لم نظنّ أننا سنعود."

الشيخ نظر إلى المجموعة، وتوقفت عيناه عندي.

لم يقل شيئًا… لكن نظرته كانت مليئة بالأسئلة غير المسموحة.

ثم أدار ظهره، وأضاف:

- "البيت القديم… كما تركتموه."

واختفى في الظل.

نظر إيلان إلى ديراس وقال:

- "هل سنبقى طويلًا؟"

ردّ ديراس، دون أن يلتفت:

- "ليلة واحدة. ربما اثنتان. لا أكثر."

كايل تمتم وهو ينزل من حصانه:

- "ليتني صدّقت حظي السيئ حين رأيت السماء صافـ—"

قاطعه تومير بنظرة حادة، ثم قال وهو يسير:

- "راقبوا ظهوركم."

وصلنا إلى بيت خشبي صغير عند طرف القرية. كان موصدًا جزئيًا، والنوافذ مغطاة بالقماش.

لم يكن في المكان دفء… لكنه ليس الغابة.

فتح جوش الباب بحذر، وألقى نظرة سريعة، ثم أشار لنا بالدخول.

دخلنا واحدًا تلو الآخر.

الداخل كان كما وصفوه: غبار، وأثاث قديم، وسكون كأن المكان نُسي عمدًا.

جلستُ على المقعد الخشبي الوحيد، ما زالت أنفاسي نصف مختنقة.

قال ديراس وهو يغلق الباب خلفنا:

-"لا نار الليلة. ولا أسئلة."

إيلان ابتسم بسخرية:

- "طبعًا… لا شيء يبعث على الاطمئنان سوى الصمت والبرد والماضي."

كايل ألقى حقيبته في الزاوية:

- "ومن قال إن الماضي لا ينام هنا؟"

أما تومير، فكان واقفًا عند النافذة، يراقب الخارج، ثم قال بهدوء:

- "شيء ما سيحدث… قريبًا."

نظرت إليهم جميعًا. خمسة رجال، كلّ منهم يحمل ظلًّا أطول من قامته.

وأنا بينهم… لا أعرف من أنا فعلًا، ولا من سأكون بعد هذا الطريق.

لكنني أدركت شيئًا واحدًا فقط:

هذه القرية لا تنسى… ولا تسامح.

كان الليل قد غمر إيندارا تمامًا.

حتى القمر بدا متردّدًا في الظهور، كأنه يخشى أن يكشف شيئًا لا يجب أن يُرى.

في الداخل، خيم الصمت على البيت الخشبي.

إيلان كان مستلقيًا على الأرض، ذراعاه خلف رأسه، يحدّق في السقف بلا كلمة.

كايل يجلس قرب المدفأة الباردة، يعبث بخنجره دون أن يشعل نارًا.

تومير، كالعادة، بقي عند النافذة… لا يتحرك، لا يرمش.

جوش جلس عند الباب، ذراعه على ركبته، رأسه مائل، لكنه يقظ.

أما أنا، فكنت أتحسّس فراشًا قديمًا، بالكاد يبعدني عن الأرض. حاولت النوم، لكن عقلي لم يسمح لي.

كنت سأغفو، لولا ذلك الصوت.

خطوة.

واحدة فقط.

ثم… لا شيء.

رفعت رأسي ببطء، ونظرت نحو تومير.

قال دون أن يلتفت:

- "سمعتِه أيضًا؟"

قلت، هامسة:

-"خطوة واحدة… فقط."

نهض جوش بهدوء، ووضع يده على سيفه، ثم فتح الباب قليلًا ونظر إلى الخارج.

قال بصوت خافت:

- "لا أحد."

لكن كايل تمتم:

-"هذا هو الشيء المخيف."

اقترب إيلان من النافذة الأخرى، ووقف إلى جانب تومير.

قال الأخير:

- "لا أحد يتحرك في هذه القرية بعد غروب الشمس. أبدًا."

سألتهم، ونبض قلبي يتسارع:

- "ولماذا؟"

قال ديراس، الذي كان صامتًا منذ عودتنا:

- "لأنهم يعرفون… أن أحدًا غيرهم يتحرك."

نظرت إليه بدهشة:

-"مَن؟"

أجاب، عينه لا تلتقي بعيني:

- "حين كنت هنا قبل سنوات، سمعنا الخطوات نفسها. لم نرَ أحدًا… لكن أحد رجالنا اختفى تلك الليلة."

صمت ثقيل.

ثم همس كايل:

- "وجدنا آثاره خارج القرية… لكنها لم تكن تتجه إلى أي مكان. بل تدور في دائرة."

شعرت ببرودة في أطرافي، رغم أن الأبواب مغلقة.

اقتربت من النافذة، ونظرت خارجًا.

الساحة كانت خالية… لكنها لم تكن ميتة.

قال جوش بهدوء:

-"سأبقى مستيقظًا."

ثم نظر إليّ:

- "نامي إن استطعتِ… لكن إن سمعتِ أكثر من خطوة، لا تنهضي وحدك."

هززت رأسي ببطء. لم أرد أن أبدو خائفة، لكن الحقيقة أنني كنت خائفة جدًا.

استلقيت، وراقبت ظل اللهب الخافت يتراقص على الجدران الخشبية.

وفي أذني… ظلّت الخطوة الوحيدة تتكرر في ذاكرتي.

كأنها تحذير.

كأنها بداية… لشيء لم يصل بعد.

لم أنم.

ظللت أراقب السقف الخشبي فوقي، وكلما أغمضت عيني، عاد إلى ذهني الصوت… تلك الخطوة الوحيدة.

مرت ساعة، وربما أكثر.

لم ينبس أحد بحرف. لا جوش، ولا تومير، ولا حتى إيلان الذي لا يحتمل الصمت.

حتى الليل نفسه تغيّر.

لم تعد هناك أصوات طبيعية. لا حفيف أشجار، لا نعيق بوم، لا نسمات.

كأن القرية أُغلقت على نفسها.

ثم… حدث ذلك.

طرق خفيف على الباب.

واحد… اثنان… ثلاثة.

منتظم. بلا استعجال.

نهض جوش فورًا، وأشار لنا جميعًا بالصمت.

تومير وضع إصبعه على فمه، ثم زحف نحو زاوية الغرفة المظلمة.

إيلان وكايل قبضوا على أسلحتهم، لكن لم يتقدما خطوة.

أما أنا… فتجمّدت.

ديراس هو من كسر الصمت، بصوت مبحوح:

-"لا أحد يفتح. هذا ليس وقت الزائرين."

الطرق تكرر.

لكن هذه المرة… كان مختلفًا.

الأول على الباب. الثاني على النافذة. الثالث… من السقف.

شهقت بصمت، قلبي يقفز في صدري.

قال كايل، واللون فرّ من وجهه:

- "الليلة… تشبه تلك الليلة تمامًا."

همس إيلان، بنبرة لا يشبهه فيها:

- "أنا أكره هذه القرية."

جوش تحرك نحو الباب ببطء، وتوقف. ثم قال بصوت واضح:

- "من هناك؟"

لا إجابة.

فقط… نقطة ماء سقطت من السقف.

نظرتُ للأعلى.

كان الخشب جافًا تمامًا… لكن هناك بقعة، مستديرة، تتّسع.

جوش لاحظها أيضًا.

أخذ خطوة للخلف.

ثم… شيء ما سقط من الأعلى.

لا جسد. لا صوت. فقط خيط رفيع من الريش الأسود، ناعم، نزل بهدوء واستقر أمام الباب.

همس تومير، وقد تغير وجهه:

- "هذا ليس تحذيرًا. هذه علامة."

سألته:

- "ماذا يعني؟"

لم يجب. ولا أحد فعل.

لحظات مرت… ثم توقفت الأصوات.

كأن من كان بالخارج قرر المغادرة، أو… قرر الانتظار.

قال ديراس، ببطء:

- "نمنا في هذا المكان مرة… واستيقظنا أقلّ عددًا."

نظرت إلى الباب.

كانت يد جوش لا تزال عليه، لكن عينه لم تعد تنظر إليه.

بل نحوي.

وقال، بصوت مبحوح، للمرة الأولى بهذه النبرة:

- "لا تفتحي أي شيء… حتى لو ناداكِ صوت تعرفينه."

لم أستطع الرد على جوش.

كلماته تجمدت داخلي، مثل الجليد حين يلامس صدرًا محترقًا.

"حتى لو ناداكِ صوت تعرفينه"...؟

لماذا قال ذلك؟

كأنه يعرف أن الخطر ليس فقط خلف الباب… بل في الداخل. داخلي.

تحركت إلى ركن الكوخ، حيث وضعت حقيبتي. أردت فقط أن أُخرج وشاحي، أغطي به كتفيّ.

لكن حين فتحت الحقيبة… لم يكن أول ما رأيته هو الوشاح.

كان هو.

الخنجر.

الخنجر ذاته. نفس النقوش المنحوتة عند القبضة، نفس اللمعة الباردة على نصله، حتى نفس الشق الطفيف الذي كسر أحد أطرافه.

تراجعت خطوة… أنفاسي تتقطع.

لا… لا يمكن.

هذا الخنجر لم يكن معي.

لقد رأيته لدى أخي، حين عاد من سفره الطويل، صامتًا، محطمًا…

ورأيته بيدي، حين أخبرته أنه ليس مجرد هدية غريبة من مجهول… بل رسالة. تحذير. دليل.

على خيانة والدي، على ما كانت تخفيه أمي، على ما كنت أحاول أن أُنسيه لنفسي كل هذه السنوات.

وهربت.

هربت لأنني لم أستطع احتمال الحقيقة… ولا مواجهة من كانوا سببها.

فكيف…؟

كيف وصل إلى حقيبتي؟

انحنيت ببطء.

أصابعي لم تجرؤ على لمسه… لكنني كنت أرتجف كأنني لمست النار ذاتها.

اقترب مني إيلان، قال بنبرة خافتة: - "كل شيء بخير؟"

أجبته دون أن أرفع عيني: - "من وضع هذا…؟"

رآه.

تراجع فورًا.

لم يسألني ما هو.

كأن شكله يكفي ليُفهم أنه ليس شيئًا نُسي، بل شيء أُرسل.

قال تومير، وهو يتقدم: - "ما الذي يحدث؟"

لكنني سبقتهم إلى الباب، أفتح المزلاج وأقفله بإحكام.

ثم نظرت إليهم جميعًا، صوتي يرتجف رغم قوتي:

-"هذا ليس خنجرًا. هذا تهديد."

-"يعرفون من أنا… ولماذا هربت."

- "يعرفون… أنني هنا."

ساد الصمت.

نظر إليّ جوش، ولم يقل شيئًا.

لكنه التفت، وجلس أمام الباب… ظهره نحونا، وعيناه على الخارج.

كأن الجواب الوحيد على هذا الليل… هو أن يبقى مستيقظًا حتى الصباح.

أما أنا، فبقيت أنظر إلى الخنجر…

وتذكرت أمي.

تذكرت كل شيء.

لم يذهب أحد إلى النوم بعد ذلك.

بقينا جميعًا في مواقعنا. متوترين. مصغين لكل صوت، حتى صرير الخشب.

جوش ظل جالسًا أمام الباب، ظهره مشدود، كأنه حارس بوابة لا يُسمح له أن يرمش.

أما أنا، فبقيت في زاويتي، أضم ركبتيّ إلى صدري، والخنجر على بعد خطوات.

لا أستطيع إبعاده، ولا لمسه، ولا حتى النظر إليه كثيرًا… كأنه قطعة من الحقيقة، لو اقتربت منها، ستقطعني.

فجأة، قال جوش، دون أن يلتفت:

- "من أعطاكِ هذا الخنجر؟"

لم أرد.

ثم أضاف، بصوت خافت:

- "أنا لا أطرح الأسئلة عادة… لكن هذا السؤال… لا يمكنني تركه."

نظرت إليه.

ظلّ يحدق بالباب. لكنه لم يرمش.

قلت ببطء:

- "لم يُعطِني إياه أحد."

- "وُضع في حقيبتي… هذه الليلة."

أجاب بثقة:

-"أعرف. سؤالي ما زال قائمًا: من كان يملكه قبلك؟"

نظرت إليه طويلًا.

ثم، ولأول مرة، تحدثت عن أخي.

عن تلك الليلة التي عاد فيها، مغطى بغبار السفر، يحمل هذا الخنجر كأنه لعنة.

عن كيف فتحت النقوش أمامه كل الأبواب المغلقة في رأسه…

وكيف فتحت لي جرحًا قديمًا: خيانة والدي لأمي.

ثم نظرت إلى الأرض، وهمست:

- "هربت. لأنني لا أملك ما يكفي من القوة لأواجههم… أو لأغفر لهم."

سكت جوش طويلًا.

ثم نهض.

توقعت أن يقترب، أو يقول شيئًا يواسي، أو حتى يلوم… لكنه فقط أخذ الخنجر من الأرض، ولفه بقطعة قماش، ووضعه في حقيبته.

وقال، أخيرًا:

- "الخيانة لا تبدأ من عندك… فلا تجعليها تنتهي بك."

ثم جلس قرب الباب من جديد، لكن هذه المرة… التفت نحوي.

وفي عينيه تلك النظرة التي أكرهها…

الشفقة.

لكني كنت منهكة جدًا لأغضب.

فوضعت رأسي على الجدار، وحدقت في النار التي أوشكت أن تخبو.

لكن قبل أن أستسلم للنوم… وقبل أن يهدأ كل شيء…

انطفأت النار.

دفعة واحدة. كأن أحدهم نفخ فيها.

سقطت الغرفة في الظلام.

ثم… وقع طَرقٌ جديد.

لكن هذه المرة، لم يكن على الباب.

كان على الحائط الخشبي، خلف رأسي مباشرة.

واحد… اثنان…

ثم شيء يشبه الزحف فوق السقف.

وهمسة.

أقسم أنني سمعتها.

ليست صوتًا بشريًا.

بل كأن أحدهم كان ينطق اسمي… لكن من الداخل.

همستُ:

- "جوش…"

قالها فورًا:

- "أنا سامع."

ثم… سحب سيفه.

وهمس دون أن يلتفت:

-"نامي إن استطعتِ. لن أسمح لشيء بالاقتراب".

لم أستطع النوم.

ولم يدخل أحد.

بقينا جميعًا في أماكننا، وكلٌّ منا يحمل في عينيه سؤالًا لا يجرؤ على طرحه: من الذي طرق الأبواب، ولماذا لم يُكمل؟

جوش جلس مقابل الباب، ظهره للجدار، سيفه ممدود على ركبتيه. لم يغفُ ولو للحظة، وعيناه لا تفارقان المقبض.

إيلان ظل يحرّك قدمه في الأرض ذهابًا وإيابًا. نظراته تدور، كأنه يسمع شيئًا لا نسمعه.

أما كايل فبدا عليه التوتر أكثر من الجميع. كان يضغط على قبضته حتى ابيضّت مفاصله.

همس أخيرًا:

- "أظن أنهم يراقبون الكوخ… فقط ليروا من سيخرج أولًا."

تومير لم يرد. كان يجلس قرب النافذة الصغيرة، يحدق في الخارج، متيقظًا لأي حركة. لكنه بدا أكثر هدوءًا من البقية… أو متبلّدًا.

أما أنا، فكل شيء داخلي كان مشدودًا.

الخوف ليس في الضربات. بل في ما يلي الصمت.

مرّ الوقت بطيئًا. وبدأ الهواء يبرد.

لاحظت جوش يلتفت نحوي أخيرًا وسأل، بصوت خافت:

- "هل سبق وشعرتِ أنكِ مراقَبة حتى داخل جدران مغلقة؟"

أومأت… ببطء.

لم أحتج أن أشرح. لأنني كنت كذلك منذ أن دخلنا هذه القرية.

عند الفجر، بدأ الضوء يتسلل عبر النوافذ الصغيرة. لكن لم نتجرأ على التحرك فورًا.

قال ديراس، وهو ينهض بتثاقل:

-"إذا أرادوا إيذاءنا، لفعلوا… لكن ما فعلوه أخطر."

نظر إليه كايل وسأله بحدة:

- "ماذا تقصد؟"

أجابه دون أن ينظر إليه:

- "زرعوا الشكّ. وتركوه ينمو."

خرجنا أخيرًا حين ارتفع الضوء تمامًا، واحدًا تلو الآخر، بحذر، وكل في داخله سؤال:

هل نحن من نُطارد، أم من يُراقَب؟

شعاع الشمس لم يُبدد برودة الليلة، ولا شكوكنا.

خرجنا من الكوخ واحدًا تلو الآخر، عيوننا تبحث في الشوارع الخالية.

الصمت هنا أكثر ثقلًا من أي صوت صراخ.

كانت القرية تبدو كأنها مهجورة جزئيًا، أبواب مفتوحة على مصراعيها، ونوافذ مُقفلة بعجلة.

لا حياة إلا للغبار المتطاير بين زوايا الحجارة، وللظلال التي تلتفّ على الجدران.

قال ديراس بصوت منخفض:

- "الناس هنا… إما اختفوا أو يراقبون من بعيد. ليس هناك مكان آمن."

كايل مضى نحو سوق مهجور، مسح بيده فوق طاولة مغطاة بالأتربة.

- "لا نعرف من نثق به."

إيلان نظر حوله بحذر:

- "أسمع أن هناك من يُبلغ عن تحركاتنا. ربما حتى من بينهم."

تبادلتُ النظرات مع جوش.

كان يتحرك بخبرة، متيقظًا لكل التفاصيل الصغيرة.

ثم لمح قطعة قماش معلقة على عمود خشبي، رمادية وممزقة.

اقترب منها ببطء، ونزعها.

كانت بقايا من وشاح… وشاح يشبه الذي كان يرتديه أحد رجال أبيّ.

حدّقت في جوش، وسألته:

- "هل تعتقد أن هذا تهديد؟"

أجابني دون أن ينظر:

- "نعم. رسالة غير مباشرة. من يريد أن يقول لنا: نعلم من أنتم، وأين كنتم، ونراقب خطواتكم."

كانت حدة التوتر ترتفع مع كل لحظة.

لكن وسط ذلك، ظهر شيء جديد…

شخص يقف من بعيد، يرتدي عباءة قاتمة، يراقبنا بصمت.

رفع يده، وأشار لنا أن نذهب بعيدًا.

صُعقنا من جرأة هذا الظهور.

لم نتحرك بسرعة.

كل خطوة نحوه كانت محسوبة، كأن الأرض تحتنا ستنهار إن أسرعنا.

كان واقفًا بثبات عند شجرة شبه جافة، وجهه مغطى بوشاح قاتم، لا يبدو عليه الارتباك.

جوش هو أول من اقترب.

تحدث بنبرة هادئة، لكنها مشحونة:

- "أنت من كان يطرق بالأمس؟"

لم يجب.

ثم تحرّك ببطء، ورفع يده…

وأخرج شيئًا من تحت عباءته.

تومير أخرج خنجره فورًا،

كايل رفع قوسه دون أن يشد الوتر،

أما أنا، فقد وقفت بجانب إيلان، أنفاسي ضحلة.

الرجل كشف عن…

شريط من القماش، عليه بقعة دم قديمة.

مدّه نحو جوش، وقال:

- "هذا ليس لكم… لكنه سيصلكم. عاجلًا أو آجلًا."

اقترب ديراس وقال بحدّة:

-"ماذا تريد؟"

الرجل لم يرفع صوته، لكنه أجاب بجملة ثقيلة:

- "أن تخرجوا قبل أن يُغلق الباب نهائيًا."

جوش تقدّم خطوة:

- "أنت من سكان القرية؟"

ردّ بابتسامة باهتة:

- "كنت. قبل أن يتغير كل شيء."

نظرت إليه.

كانت في عينيه نظرة من رأى كثيرًا ولم يعد يملك الرغبة في الحكي. لكن شيئًا في ملامحه بدا مألوفًا… كأنني رأيته في صورة، أو مرّ اسمه في حديث.

سألته بصوت خافت:

- "ماذا حدث هنا؟"

نظر إليّ طويلًا، ثم أجاب:

- "أناس وثقوا بأشخاص… ثم لم يجدوا قبورًا ليدفنوهم فيها."

سكت الجميع.

ثم استدار، وقال كلمته الأخيرة قبل أن يختفي بين الأشجار:

-"الموت أحيانًا لا يحتاج إلى خنجر. يكفي أن يبقى الباب مفتوحًا."

اختفى.

تركنا جميعًا واقفين، نحمل تلك الجملة في صدورنا.

قال إيلان وهو يعض على شفته:

-"كل ما في هذه القرية… يهمس، لا يصرخ. وهذا أسوأ"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صراع

المؤلف Aya
2025/08/20 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة