استيقظت على صوت قطرات المطر وهي تضرب زجاج النافذة الصغيرة، كأنها تطرق عليّ لتوقظني من أحلام لم أكملها. فتحت عيني ببطء، والبرد يتسلل من الشقوق القديمة في الجدار. المقر بدا مختلفًا هذا الصباح... أقل فوضى، وأكثر حياة. روائح الخشب الرطب والخبز الذي بدأ أحدهم بخبزه في الداخل امتزجت معًا بطريقة غريبة، جعلت المكان يبدو وكأنه بيت حقيقي، لا مجرد ملجأ.
تسللت من غرفتي بهدوء، فوجدت جوش جالسًا قرب المدخل يراقب المطر. كان يبدو شاردًا، لكنه منتبه لكل حركة، كعادته. تومير وديراس كانا يتشاجران حول أيهما أفسد الأغطية أثناء النوم، بينما ضحكة كايل العالية تقطع الجو البارد، وإيلان يحاول تهدئتهم بلا جدوى.
بعدما قضيت بضع دقائق أراقب المطر من بعيد، جلست إلى الطاولة الخشبية حيث كان جوش يضع خريطة قديمة ويمسح عليها بيده كأنه يريد محو آثار الحرب منها.
قلت بهدوء:
-"أتعرف؟ من الغريب أن أستيقظ وأسمع أصوات ضحك بدل أصوات صرخات."
رفع رأسه نحوي، ملامحه ما زالت جادة لكنها أكثر ارتخاءً من الأمس.
-"الضحك ليس دليلًا على أننا بخير، لكنه دليل على أننا لم نستسلم بعد."
ابتسمت بفتور:
-"أحيانًا أشعر أنك تحمل الدنيا على كتفيك، حتى حين تجلس صامتًا."
أجاب وهو ينظر إلي مباشرة:
-"القائد الحقيقي لا يملك رفاهية الراحة. لكن..." صمت لحظة، ثم أضاف، "الجلوس هنا، بين هؤلاء الفوضويين... يجعل الأمر أقل ثِقلاً."
لم أرد، فقط اكتفيت بتأمل صراحته النادرة.
وفجأة، انفتح باب المقر باندفاع، ودخل رجل مبلل بالمطر، يلهث وكأنه ركض مسافة طويلة. كان يرتدي معطفًا أسود مهترئًا، ووجهه حاد الملامح رغم التعب. الجميع توقف عن الكلام فورًا، حتى ضحكة كايل انقطعت في حلقه.
اقترب الرجل من جوش مباشرة، وكأن لا أحد غيره في المكان، ومد له ورقة ملفوفة ومربوطة بخيط.
قال بصوت متقطع:
-"إنهم بحاجة إليك... لا أحد سواك يستطيع. الرجل الذي يحكم هذه المنطقة... بطشه ازداد. الناس لم يعودوا يحتملون."
أخذ جوش الورقة بصمت، عيناه ضاقتا قليلًا وهو يقرأ. كان واضحًا من نظراته أن ما كُتب لم يكن مجرد طلب عادي، بل شيء سيضعنا جميعًا في مواجهة لم نخترها.
فتح جوش العقدة ببطء، وفرد الورقة على الطاولة. الحبر كان باهتًا من المطر، لكنه ما زال واضحًا بما يكفي ليقرأه بصوت منخفض:
"جوش،
لقد ضاقت الأرض بأهلها هنا. الرجل الذي تعرفه باسم (باروس) لم يعد يكتفي بابتزاز التجار وأخذ حصص من محاصيل الفلاحين... صار يقتحم البيوت علنًا، يسلب ما يشاء ويترك العائلات تتضور جوعًا. من يعترض يُختطف أو يُقتل أمام أعين الجميع.
لقد حاولنا التفاوض، حاولنا الهرب، لكن قبضته أقوى من أن تُكسر بيدٍ واحدة. نحتاج إليك... وإلى من تثق بهم. نعلم أن عودتك ستعني أنك تدخل حربًا جديدة، لكن لا أحد سواك يملك الشجاعة لقيادة هذه المواجهة.
إن رفضت... فسنُمحى نحن وأطفالنا قبل أن يأتي الشتاء القادم."
سكت جوش بعد قراءة السطور الأخيرة، يده شدّت الورقة كأنه يخشى أن تتلاشى إن تركها. نظر إلينا جميعًا، لم يتكلم فورًا. لكن الصمت الذي خيّم حول الطاولة كان كافيًا ليفهم الجميع أن ما جاء في تلك الرسالة لم يكن طلبًا عابرًا... بل بداية شيء أكبر مما كنا نستعد له.
ما إن انتهى جوش من القراءة حتى عمّ الصمت المكان. صوت المطر بالخارج كان أوضح من أنفاسنا.
قطع كايل السكون وهو يضرب الطاولة بقبضته:
-"لا يمكن أن نتجاهل هذا! الناس هناك يُسحقون كل يوم، وإن لم نفعل شيئًا... فنحن لسنا أفضل منه."
تومير أدار وجهه بحدة:
-"تتكلم وكأننا جيش. نحن بالكاد نملك قوت يومنا هنا! مواجهة باروس تعني الانتحار."
إيلان رفع يده بهدوء، محاولًا تهدئة الجدال:
-"لكن... لا يمكننا أن نغمض أعيننا أيضًا. ما يطلبونه ليس خدمة بسيطة، بل حياة مئات الأشخاص."
أما ديراس، فقد ضحك بسخرية خافتة:
-"مئات الأشخاص؟ وماذا عن حياتنا نحن؟ هل سنرمي بأنفسنا في فم الذئب لأنهم تذكروا اسم جوش فجأة؟"
أحسست بأن عيونهم جميعًا تحولت نحو جوش، ينتظرون كلمته الفاصلة. لكنه ظل صامتًا، عيناه لا تفارق الورقة.
اقتربت بخطوة صغيرة، قلت بهدوء:
-"أحيانًا، تجاهل الألم لا يجعله يختفي... بل يضاعفه. إذا لم نوقفه، سيصل إلينا عاجلًا أم آجلًا."
رفع جوش نظره إليّ، وفي عينيه بريق صراع. ثم قال بصوت منخفض لكنه حازم:
-"باروس لن يتوقف عند حدودهم. إن لم نتحرك الآن، سنجد أنفسنا ضحاياه غدًا."
التفت إلى الرجل الذي جاء بالرسالة وسأله:
-"أين هو الآن؟"
رد الرجل وهو ما يزال يلهث:
-"في قريتنا، على بعد نصف يوم من هنا. رجاله يسيطرون على الطرقات... لكن الناس مستعدون لاتباعك إن جئت."
جوش أغمض عينيه لثوانٍ، ثم فتحهما كمن اتخذ قراره، وقال:
-"إذن سنذهب. لكننا لا نندفع. نحتاج خطة... وخطة جيدة."
جلسنا جميعًا حول الطاولة، الورقة ما زالت ممددة أمامنا. المطر بالخارج خفّ قليلاً، لكن أجواء الداخل ازدادت ثِقلاً.
قال تومير وهو يعقد ذراعيه:
-"حتى لو أردنا مواجهته، رجاله كُثر... لا يمكننا اقتحام قريته مباشرة. سنُذبح قبل أن نصل إليه."
إيلان أضاف:
-"نحتاج ثغرة... نقطة ضعف نستطيع استغلالها."
أجاب الرجل الغريب، مترددًا:
-"هناك شيء... سمعت أن باروس يستعد لإرسال مجموعة من الفتيات اللواتي خطفهن من بيوتهن. سيبعث بهن عبر السفينة القادمة من الميناء، ليُبعن كجواري."
ساد صمت ثقيل. نظرت إلى وجوههم واحدًا تلو الآخر، ثم شعرت بقلبي يخفق بقوة وأنا أنطق:
-"إذن هذه فرصتنا."
جوش التفت إليّ بسرعة:
-"ماذا تقصدين؟"
قلت وأنا أثبّت نظري فيه:
-"سأتنكر كإحدى هؤلاء الفتيات. أصعد معهن إلى السفينة، ومن الداخل أستطيع أن أعرف كل التفاصيل... متى يغادرون، من رجاله الذين يحرسون، وحتى كيف يمكننا مباغتته."
وقف جوش فورًا، صوته ارتفع أكثر من المعتاد:
-"مستحيل! لن أسمح لكِ بأن تضعي نفسك وسط أولئك الذئاب. هل تدركين ما قد يحدث إن كشفوك؟"
ابتسمت بسخرية خفيفة:
-"وكأن البقاء مختبئين هنا سينقذنا. جوش، هذه فرصتنا الوحيدة. من غيري سيفعلها؟"
كايل تدخل متحمسًا:
-"هي على حق. الرجال لن يثيروا الشك لو رأوها بينهم."
لكن ديراس لوّح بيده معترضًا:
-"فكرة جنونية. سندفعها إلى الجحيم بأيدينا."
نظرت إلى جوش مجددًا، بصوت أكثر هدوءًا:
-"أنت قلت بنفسك إن القناع أحيانًا حماية. هذا قناعي... إن لم أخاطر، فلن نقترب أبدًا من باروس. لا يمكنك حمايتي من كل شيء."
ظلّ صامتًا لحظة طويلة، يده مشدودة على الطاولة، وكأن صراعه الداخلي ينهشه. ثم قال ببطء:
-"لن تذهبي وحدك."
توقف قليلاً، ثم أضاف وهو ينظر نحو إيلان:
-"هو سيذهب معك."
ارتبك إيلان، وأشار إلى نفسه:
-"أنا؟!"
جوش أومأ:
-"ملامحك... يمكن أن تمر كفتاة بسهولة مع بعض التنكر. ستكون عيني الثانية هناك."
إيلان بلع ريقه بقلق، لكن لم يعترض.
أما أنا... فشعرت بمزيج من الخوف والحماسة يجري في دمي. نظرت إلى جوش، وابتسامة خفيفة شقت وجهي:
-"اتفقنا إذن."
جوش لم يبتسم. عيناه كانتا قاسيتين، صوته حاد:
-"لا تفرحي كثيرًا... خطوة واحدة خاطئة هناك، ولن أستطيع إنقاذك."
قضينا بقية النهار في المقر نستعد. الجو كان مشبعًا بالقلق، كل واحد يتحرك وكأن الزمن يطارده.
جلستُ قرب المرآة الصغيرة المعلقة على الجدار، ويداي ترتجفان قليلاً. أمامي بعض الأقمشة البالية التي جلبها كايل من السوق قبل أيام، وأغطية رأس بسيطة. حاولت أن ألفّ القماش حول شعري وأخفي ملامحي، لكن يدي لم تثبت.
دخل جوش في تلك اللحظة، ومعه إيلان. نظر إليّ دون أن يقول شيئًا، ثم أمسك القماش بيده وأعاد لفّه بإحكام حول رأسي، بطريقة سريعة وخبيرة. شعرت بأنفاسه قريبة جدًا، لكنه ظل متجهمًا.
قال بصوت منخفض:
-"تذكّري... لا تنطقي بكلمة هناك. مجرد حركة خاطئة قد تكشفك."
أومأت دون أن أجادله.
ثم التفت إلى إيلان، الذي جلس متوترًا، ينظر إلى الأرض وكأنه يريد أن يبتلع نفسه.
كايل وضع أمامه ثوبًا قديمًا، وردي اللون، كان واضحًا أنه استعمل من قبل.
ضحك بخفة:
-"صدقني، ستبدو أجمل من نصف الفتيات هناك."
رمقه إيلان بنظرة غاضبة، لكن ديراس تدخل ساخرًا:
-"على الأقل لم تكن بحاجة إلى الكثير من الجهد."
جوش قطع ضحكاتهم بصرامة:
-"كفى. هذا ليس لعبًا."
اقترب من إيلان، وأعطاه وشاحًا داكنًا ليغطي نصف وجهه. قال بحزم:
-"ركز. أنت ستكون ظلها هناك. إن حدث شيء، أول ما ستفعله هو إبعادها."
إيلان ابتلع ريقه وأومأ بخوف لكنه لم يعترض.
جلستُ إلى جانبه، وبدأنا معًا نرتدي الثياب الممزقة التي جُهزت لتجعلنا نبدو كضحايا بائسين، مجرد فتيات مسلوبات الحرية. الألوان الباهتة، الروائح الكريهة التي أصرّ تومير على إضافة بعض التراب إليها حتى تبدو أكثر واقعية، جعلتني أشعر بالقشعريرة.
حين انتهينا، نظرت في المرآة... لم أرَ نفسي. لم أرَ أدونيس التي أعرفها، بل فتاة أخرى مكسورة، بعينين مذعورتين وكتفين منحنيين. للحظة، غصّ قلبي.
جوش كان واقفًا عند الباب، يراقب بصمت. لم يقل شيئًا، لكن نظرته كانت كافية لأفهم كل ما لم ينطق به: الخوف، الغضب، والقلق الذي يحاول دفنه خلف صلابته المعتادة.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قلت بهدوء وأنا أنظر إليه:
-"أنا مستعدة."
لكنه لم يرد. فقط أدار وجهه جانبًا، وقال بصوت متحجر:
-"فلننهي هذا بسرعة قبل أن ينهينا هو."
تحركنا مع أولى ساعات الليل، حين غطى الضباب الطريق وكأن الطبيعة قررت أن تخفي خطواتنا. المطر توقف، لكن الأرض بقيت موحلة، فكانت أقدامنا تغوص في الطين مع كل خطوة. الهواء البارد كان يلسع وجوهنا، وأصوات الغربان المتفرقة تجعل الصمت أكثر رعبًا.
كان علينا أن نقطع التل ثم نسلك طرقًا جانبية حتى لا نُكشف، فالميناء الذي ستُرسل منه الفتيات يقع في قرية تبعد نصف يوم سيرًا على الأقدام.
جوش كان يسير في المقدمة، خطواته ثابتة، وعيناه تراقبان كل ظل، كأنه يتوقع أن يقفز الخطر من أي شجرة. تومير وديراس خلفه، يتهامسان عن الطريق الأفضل للالتفاف. كايل كان يتأفف من الطين الذي لوّث حذاءه، لكن لم يجرؤ على رفع صوته. أما أنا وإيلان، فكنا في المؤخرة، محاطين بصمت ثقيل، نحاول أن نحافظ على مظهرنا البائس الذي سنحتاجه لاحقًا.
بعد ساعة من السير، توقف جوش وأشار بيده أن نرتاح قليلًا. جلسنا حول صخرة كبيرة، والبرد بدأ يتغلغل في عظامنا.
قال تومير وهو يشعل عودًا صغيرًا من الخشب ليضيء الخريطة بين يديه:
-"الميناء هنا، لكن باروس لن يغامر بالظهور في العلن. رجاله سيقودون الفتيات إلى السفينة، وهو عادة يراقب من بعيد. لو أردنا قتله، يجب أن نخرجه من مخبئه."
رد ديراس، متجهمًا:
-"باروس لا يثق بأحد، لكنه يعشق السلطة. لو شعر أن شيئًا ما يهدد صفقته، سيظهر بنفسه."
التفتوا نحوي دون أن أنتبه، حتى سمعت صوت جوش الخافت:
-"إذن السؤال... ما العلامة التي ستعطينا إياها من الداخل؟ كيف سنعرف متى نتحرك؟"
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. فكرت للحظة، ثم قلت:
-"حين يبدأ الحراس بتجميع الفتيات في الصف الأخير، سأعثر على عذر لأتأخر قليلًا. سأخلع وشاح رأسي وأسقطه أرضًا... تلك ستكون العلامة."
إيلان نظر إليّ بقلق:
-"لكن هذا خطر... إن لاحظ أحدهم، سيفهم أن هناك خطبًا."
ابتسمت بمرارة:
-"الخطر موجود في كل لحظة من هذه الخطة. المهم أن تعرفوا أن تلك اللحظة... ستكون الأنسب لبدء الفوضى."
جوش ظل صامتًا للحظات طويلة، ثم قال بصرامة:
-"عندما تسقطين الوشاح... سيبدأ كل شيء. لكن تذكري، خطوة واحدة مبكرة أو متأخرة قد تقتلنا جميعًا."
أومأت وأنا أشعر بثقل قراره يهبط على صدري. لم أجرؤ على النظر إليه أكثر.
نهض جوش فجأة، وقال بنبرة قاطعة:
-"لن نكرر الخطة مرتين. نفعلها من المرة الأولى... أو لن نعود أبدًا."
ثم تابعنا الطريق بصمت، والليل يزداد عتمة، والميناء يقترب منا خطوة بعد أخرى... كأننا نسير نحو قلب الوحش بملء إرادتنا.
حين وصلنا إلى أطراف القرية الساحلية، كان الليل قد ابتلع السماء تمامًا، ولم يبقَ سوى بريق المشاعل المعلقة قرب الميناء يلمع من بعيد. رائحة البحر المالحة اختلطت برائحة الخشب الرطب والقطران، وصوت الأمواج المتكسرة على الصخور بدا كأنه طبول خافتة تُعلن عن اقتراب شيء خطير.
توقف جوش خلف صف من الأشجار الكثيفة التي تكشف الميناء دون أن تكشفنا. أشار لنا بيده أن ننخفض. ومن بين الفروع، رأيت المشهد: مجموعة من الفتيات المربوطات الأيدي، محاطات برجال مسلحين، يُدفعن نحو الساحة الصغيرة التي تؤدي إلى الرصيف حيث تنتظر سفينة كبيرة، مظلمة إلا من أضوائها القليلة.
همس تومير:
-"هؤلاء رجاله... لا يقل عددهم عن عشرين. السيف وحده لن يكفي هنا."
جوش لم يرد. عيناه كانتا مركّزتين على كل تفصيلة. ثم التفت نحوي فجأة.
-"الآن وقتك."
شعرت بقلبي يتسارع. نظرت نحو إيلان، كان شاحبًا أكثر من المعتاد، لكنه شد قبضته على الثوب البالي الذي يرتديه وأومأ لي.
اقترب جوش مني بخطوات بطيئة. للحظة بدا وكأنه يريد قول شيء، لكن صوته خرج فقط جافًا:
-"تذكّري... الوشاح. لا قبلها ولا بعدها."
ابتلعت ريقي وأومأت. ثم، بخطوات مثقلة، بدأت أقترب مع إيلان من الجهة الأخرى، حيث كان يُجمع المزيد من الفتيات. لم يلتفت إلينا الحراس كثيرًا، فمظهرنا البائس كان كافيًا ليجعلنا مجرد رقم إضافي في قافلة الضحايا.
من بعيد، كنت ما أزال أشعر بعيون جوش تتابعني من بين الأشجار، ثقيلة كأنها تحاول أن تثبتني في مكاني. لكنني تابعت السير.
في تلك اللحظة، أدركت أنني حقًا عبرت الخط الفاصل... لم أعد مجرد شاهدة على الخطر، بل أصبحت في قلبه. والوشاح الذي يغطي رأسي... لن يكون مجرد قطعة قماش، بل شرارة ستشعل حربًا كاملة.
دفَعنا الحراس بقسوة نحو باقي الفتيات، كأننا بضائع لا قيمة لها. أصوات السلاسل تصطكّ مع بعضها، وصوت بكاء مكتوم يتردد بين الصفوف. حاولت أن أحني ظهري وأخفض رأسي أكثر، حتى أبدو مكسورة مثل الأخريات.
إيلان كان بجانبي، خطواته مترددة. من بعيد ربما يبدو فتاة خائفة، لكن من قرب، كنت أرى التوتر وهو يشد عضلاته.
همستُ دون أن أرفع رأسي:
-"لا تنظر في عيونهم. فقط انحنِ مثلهم."
أجاب بصوت يكاد لا يُسمع:
-"أشعر أن قلبي سيكشفنا قبل أي شيء آخر."
ابتسمتُ رغم الخوف:
-"هذا طبيعي... لكن تذكّر، الخوف أحيانًا يجعلنا أذكى. نحن لا نحتاج للشجاعة طوال الوقت، فقط في اللحظة المناسبة."
نظر إليّ من طرف عينه، وقال:
-"وإذا لم تأتِ اللحظة المناسبة أبدًا؟"
أجبت وأنا أراقب الحراس:
-"حينها نصنعها نحن."
أحد الرجال صرخ فينا لنتحرك، فالتزمنا الصمت. تقدّمنا وسط الصف، حتى أصبحنا ضمن دائرة الفتيات اللواتي يُدفعن باتجاه الرصيف. من هناك، رأيت السفينة بوضوح: هيكل ضخم، طلاءها داكن، وحولها حراس أكثر.
بدأت ألتقط التفاصيل:
الحراس يتمركزون عند مدخل الرصيف، اثنان عند السلم المؤدي إلى السفينة.
ثلاثة رجال آخرون يسيرون بين الصفوف يتأكدون من أن لا أحد يحاول الهرب.
باروس نفسه لم يظهر بعد، لكنه لا بد يراقب من مكان قريب.
أخفضت رأسي أكثر وهمست لإيلان:
-"حين أسقط الوشاح... ستكون إشارة. لحظتها، سنرى جحيمًا لا يشبه أي شيء."
ابتلع ريقه وأومأ دون كلمة، لكنني سمعت أنفاسه السريعة.
في داخلي، كنت أرتجف مثل أي فتاة أخرى هنا. لكنني عرفت أن ارتجافي... سيصبح جزءًا من القناع الذي سيخدعهم حتى اللحظة الأخيرة.
بينما كان الحراس يدفعون الفتيات إلى الأمام، دوّى صوت خطوات ثقيلة فوق خشب الرصيف. ساد صمت مفاجئ، حتى بكاء الفتيات توقف كأنه اختنق في حناجرهن.
رفعت عيني بخفية، فرأيت رجلاً ضخم البنية يقترب. كان أطول من رجاله، كتفاه عريضتان، ووجهه يكسوه جرح طويل ممتد من عينه حتى ذقنه. مشيته لم تكن مشية قائدٍ يخشى شيئًا... بل مشية ذئب يملك القطيع كله.
همس إيلان قرب أذني، صوته يرتجف:
-"إنه هو... باروس."
لم أجب. عيني ظلت تلاحقه وهو يتوقف عند رأس الصف، ينظر إلى الفتيات كمن يتفحص بضاعة في سوق. كان يبتسم... ابتسامة باردة تقشعر لها الأبدان.
أشار إلى إحداهن، ثم دفعها أحد رجاله إلى الأمام بعنف، حتى كادت تسقط. ضحك باروس بصوت عالٍ:
-"ستجلب سعرًا عاليًا... السفينة لن تخيب ظني هذه المرة."
تقدّم أكثر، حتى صار أقرب إلينا. شعرت بالدماء تتجمد في عروقي. لو نظر مطولاً نحوي، قد يكتشف شيئًا. حاولت أن أحني رأسي أكثر، أُخفي وجهي بالوشاح، فيما قلبي يدق كطبول حرب.
اقترب إيلان مني حتى كاد يلتصق، همس بخفوت:
-"أدونيس... إن كشفنا، لن نخرج أحياء."
همستُ له دون أن أحرّك شفتي كثيرًا:
-"لهذا السبب... يجب أن تكون عيناك على الوشاح فقط. حين يسقط... تبدأ النهاية."
باروس مرّ أمامنا ببطء، كأن الزمن نفسه يتباطأ مع خطواته. كان يرفع ذقنه عاليًا، عيناه تلمعان بنشوة القوة، ورجاله يتبعونه كظلال.
من بعيد، بين الأشجار، شعرت بعيون جوش تراقب، مثل سهم مشدود ينتظر انطلاقه.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن العلامة التي سأعطيها... لن تكون مجرد بداية معركة، بل ربما بداية لنهاية رجلٍ نشر الرعب طويلاً.
اقتربنا من الرصيف ببطء، الفتيات اللواتي كنا نسير بينهن يتنفسن بصعوبة، بعضهن تذرف دموعها الخفية، والبعض الآخر ينحني تحت ضغط الخوف، وسلاسل الأقدام تصطك مع بعضها كإيقاع مرعب.
أمامنا، الحراس يراقبون كل حركة، عيونهم حادة كالسكاكين، سيوفهم تتلألأ تحت الضوء الخافت للمشاعل. باروس لم يكن بعيدًا... كان يقترب بخطوات ثقيلة، كتفاه عريضتان، وجهه قاسٍ، وجروحه التي تشقّ وجهه تجعل أي ابتسامة تبدو مثل تهديد.
همست لإيلان من جهة أذنه، صوته يرتجف:
-"أدونيس... قلبك يدق بسرعة، أليس كذلك؟"
ابتسمت له بخفة، رغم التوتر:
-"نعم... لكن هذا الخوف جزء من اللعبة. ركّز على الخطوة المقبلة."
ثم حانت اللحظة. قبضت على الوشاح الممزق بإحكام، وجعلت ساقي ترتعشان قليلًا كخدعة طبيعية، ثم أسقطت الوشاح إلى الأرض. تناثرت الأقمشة على الطين، وسقطت أمام أقدام الحراس، علامة واضحة لم تُخفى عن جوش في الظل.
توقفت الحركة فجأة. كل شيء بدا وكأن الزمن قد تجمد للحظة واحدة. أصوات الأمواج اختفت، أصوات بكاء الفتيات توقفت، حتى الريح صمتت.
باروس ارتجف قليلًا، لكنه لم يفقد هدوءه تمامًا. نظراته اتسعت وهو يحدق بي، عيناه تتلألأان بالدهشة والدهشة الممزوجة بالقوة والسيطرة. لم تكن مجرد فتاة عادية... كان في عينيها شيء لم يتوقعه: خضرة لامعة، نظرة حادة وشجاعة مخفية وراء الرهبة.
تجمّد رجاله، بعضهم توقف عن تحريك السيوف، أصابعهم المرتجفة على المقابض. أحدهم همس بخوف:
-"سيدي... إنها ليست مثل البقية..."
ابتسم باروس ابتسامة غريبة، مزيج من الدهشة والتحكم، وتراجع خطوة إلى الوراء. أصابعه كانت على قبضته، لكنه لم يوجه أي تهديد مباشر.
ثم نطق بصوت هادئ لكنه حاد:
-"هذه الفتاة... ليست للبيع كأي واحدة أخرى. سأحتفظ بها... أو أبيعها بسعر أغلى... لأحد الأمراء الذين يعرفون قيمة الجمال."
شعرت بالقشعريرة تتسلل إلى جسدي، موجة من القوة والخطر المختلطين. لم يكن خوفًا فقط... بل شعور بأننا قلبنا كل خطط باروس في لحظة واحدة، وأصبح كل شيء أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
همست لإيلان من جديد، وأنا أشاهد انعكاس الضوء على عينيه الخضراء:
-"حتى الذئاب تتوقف حين ترى ما لم تتوقعه."
ابتلع ريقه، لكنه ظل مركزًا، عيناه تتنقلان بين الحراس وباروس، مستعدان لأي حركة خاطئة.
في الظل، جوش والبقية يراقبون كل شيء، مشاعرهم متشابكة بين الخوف والاستعداد، وهم يعرفون أن المعركة لم تبدأ بعد... لكن الإشارة الأولى أُعطيت، والشرارة بدأت تلمع.
جوش في الظل حرك يده بسرعة، مشيرًا إلى ديراس وتومير لتنسيق تحركهم. أصوات الأمواج لم تعد تسمع، فقط صفير الرياح وصوت خطواتنا المختلطة مع صراخ مفاجئ للفتيات.
أدرك الحراس التغيير في الجو، أصابعهم على مقابض السيوف، عيونهم تتفحص الصفوف، لكن لم يتوقعوا أن تكون الفتاة الأخيرة... أنا... هي المحرك.
همست لإيلان:
-"الآن... تذكّر خطتنا. لا تحرك سيفك إلا حين أقول."
أومأ، ويده مشدودة على حبل صغير خبأه تحت رداءه، مستعدًا للتدخل عند الحاجة.
جوش من بعيد أعطى الإشارة الصامتة، فاندفع تومير وديراس من مخبئهما، يلهثون نحو الصفوف الخلفية للحراس لإلهائهم. الصوت المفاجئ والخطوات الموحّدة أدت إلى ارتباك بينهم، بعضهم سقط أو تعثر على الطين.
أنا استغليت اللحظة، اقتربت أكثر من الفتيات، وهمست لهن بهدوء:
-"تمسكن جيدًا... اتبعنِي."
كانت النظرات تتلاقى بيني وبين الفتيات، مزيج من الخوف والأمل، وأنا أضع يدي على أحد أذرعهن لتهدئتهن.
باروس، الذي توقف عند مشهد الفوضى المفاجئة، ارتجف قليلاً. عيناه لم تفارقاني، وكأنه يحاول قراءة نواياي. كان جمال عينيّ الخضر يختلط مع الجرأة التي أظهرتها، فشعر بقوة غير متوقعة تجعل أي تهديد مباشر لي محفوفًا بالخطر.
حركة المفاجأة وارتباك رجاله أعطت جوش الفرصة لتحريك رجاله الخفية من جهة الرصيف الآخر. بدأوا في تهريب بعض الفتيات بعيدًا عن الصفوف الرئيسية، بينما الحراس يحاولون إعادة السيطرة.
همس إيلان، صوته يرتجف:
-"هل سننجح حقًا؟"
أجبت بثبات رغم الخوف:
-"لا مجال للفشل... هذه فرصتنا الوحيدة."
باروس حاول التقدم أكثر، لكن جسده توقف، مترددًا، وهو يراقبني بعينين لا تخفيان الإعجاب والخطر في الوقت نفسه. خطواته باتت متباطئة، وأصبح على الحراس أن يختاروا بين أمره أو حماية الصفوف المتبقية، وهذا ما خلق فوضى أكبر.
بينما كنت أوجه الفتيات، شعرت أن كل حركة محسوبة: كل خطوة، كل همسة، وكل ضحكة مكتومة من الفتيات المذعورات كانت جزءًا من خطة جوش في الظل... خطة ستتحول إلى معركة حقيقية فور اندلاعها بشكل كامل.
تمام ✨ سأعيد صياغة المشهد بلغة عربية متقنة، من وجهة نظر أدونيس، مع التركيز على إحساسها بالخوف والتوتر، وحركة الأحداث داخل الميناء، وصولًا إلى القبض عليها وهروب باروس بها.
تسارعت دقات قلبي حين انطلقت الفوضى فجأة.
صوت صرخات الفتيات المتوترات تصادم مع صرير السيوف وخطوات الحراس الثقيلة على الرصيف الرطب. الطين الموحل وجلود الأقدام الزلقة جعل كل حركة صعبة، لكننا استخدمنا الظلال لصالحنا، كأن الظلام نفسه يحمي خطواتنا.
جوش كان في الظل، يراقبنا بعين ثابتة، يصدر الإشارات الخفية: حركة اليد تقدّم، صمت اليد اليسرى توقف. كل صفير خافت كأنه يندمج مع هدير الأمواج كان جزءًا من التواصل بينه وبين ديراس وتومير.
تقدمتُ مع إيلان، أوجه الفتيات المذعورات بعيدًا عن الحراس، أهمس لهن:
-"اهدأن... أمسكّن أيديكن جيدًا... اتبعنّي."
الصفوف تشتتت، الفوضى ازدادت، لكن عيني لم تفارق باروس. كان هناك، واقفًا وسط الرصيف، يراقب كل حركة، ابتسامته الباردة لا تكشف سوى القوة والسيطرة، وعيناه تتسللان إلى أعماقي كأنهما يقرأان كل شعورٍ يختبئ بداخلي.
أخذت أقترب بالفتيات نحو الرصيف الخلفي، حيث السفينة الصغيرة كانت جاهزة للإبحار من طرف سكان القرية. فجأة، جاء أحد الحراس من جانبي، محاولًا الإمساك بإحدى الفتيات. صرخت، دفعت الحارس بقوة، لكن لمحة واحدة كانت كافية لتجعلني ألتفت... ووجدت باروس أمامي، يلتقط يدي بقبضة من حديد.
صرخت باسم جوش، لكن قبل أن يتمكن أحد من التدخل، اندفع باروس بنا نحو الميناء الرئيسي بسرعة لا تصدق. أقدامه تطرق الرصيف بخطوات متسارعة، والمشاعل تتمايل، وصوت الأمواج كأنه يعلو على كل شيء.
أخيرًا، هربت الفتيات اللواتي تقدمت معنا، بعضهن عبر السلالم إلى السفينة الصغيرة، أما أنا فكنت محتجزة بين يديه، شعور بالاختناق يملأ صدري.
سمعت صوت جوش من بعيد، صرخاته ممزوجة بالغضب والخوف:
-"أدونيس!"
حاولت أن أتحرر، لكن قبضته كانت لا تُقهَر. نظرت حولي... المدينة بدأت تظهر في الأفق، أضواؤها المتلألئة تحت المطر الخفيف، ومع كل خطوة كان قلبي يخفق أسرع من قدمي.
كنت محتجزة بين يديه، جسدي مشدود، قلبي يخفق بعنف، شعور بالخوف يغمرني... لكنه لم يمنع شرارة الغضب التي تولدت بداخلي. شعرت بأن كل خطوة أقرب إلى المدينة تزيد من شعوري بأنني على حافة مأساة، لكنها أيضًا تزرع في داخلي إصرارًا على النجاة.
وصلنا أخيرًا إلى المدينة، الشوارع ضيقة ومظلمة، والمطر يتساقط على وجهي وشعري، يضيف ثقلًا لكل خطوة. أضواء المشاعل المتناثرة ترسم ظلالًا طويلة على الجدران الحجرية، والهدوء النسبي بين المباني يزيد شعور الخطر.
باروس لم ينطق بكلمة، قبضته على يدي لا تفك، ينقلني عبر الأزقة الضيقة كأن أي حركة خاطئة قد تكشف خطته. دفَعني إلى باب خشبي ضخم، مهترئ قليلًا لكنه قوي من الداخل، وأغلقه خلفنا.
داخل الغرفة مظلم وخانق، رائحة الرطوبة والكتان القديم تعبق في المكان. جلست على الأرض الباردة، أصابع يدي ترتجف، شعور بالخوف يلتهمني، لكن شعلة الغضب لم تنطفئ.
نظرت حولي: الغرفة صغيرة، تحتوي على سرير خشبي وطاولة قديمة، وشباك ضيق على الحائط. كل زاوية وكل ظل أصبح جزءًا من تفكيري، خطتي المستقبلية للهروب بدأت تتشكل في عقلي.
باروس جلس على الكرسي المقابل، عينيه تراقبانني بلا هوادة، كأنه يحاول قراءة كل شعور في داخلي. شعرت برهبة، لكنه لم يعلم بعد أنني بدأت أرسم خطة للهروب، وأجمع كل قوتي وذكائي لمواجهة اللحظة القادمة.
همست لنفسي:
-"هذه ليست النهاية... سأجد طريق الخروج... مهما كانت قبضته قوية."
وفي الخارج، أعلم أن جوش ورفاقه يراقبون الميناء والمدينة من الظل، كل خطوة لهم محسوبة، وكل دقيقة تمر قد تكون فرصتهم للتدخل. شعرت بقوة خفية تتولد داخلي، مزيج من الخوف والغضب والإصرار على النجاة.
من وجهة نظر جوش:
قفزت فوق الرصيف الموحل، أنفاسي ثقيلة، وقلبي يخفق كطبول الحرب.
رأيت المكان الذي احتجزت فيه أدونيس، المنزل الخشبي المهترئ على أطراف المدينة، الضوء المنبعث من المشاعل يسلط ظلاله على الجدران المتشققة. كل زاوية وكل نافذة كانت محتملة للكمين، وكل خطوة خاطئة قد تكلفنا حياتنا.
همست لديراس وتومير:
-"ابقيا هنا، راقبا الشارع الخلفي، أنا سأدخل."
تقدمت بحذر، كل حركة محسوبة، أراقب كل ظل، كل صوت. الأصوات الداخلية كانت تملأ عقلي: القلق عليها، الغضب من باروس، والإصرار على إنقاذها.
رأيتها من الشباك الضيق، جالسة على الأرض، عيناها الخضراوان تلمعان بالخوف والغضب معًا. شعرت بالغضب يتصاعد بداخلي، لكنها كانت ما تزال صامدة، قوية رغم القيود.
حاولت أن أجد مدخلًا آمنًا. لاحظت اللوحة الخشبية المائلة بجانب الباب، يمكن أن أفتحها دون أن أصدر صوتًا كبيرًا. خفت أن يسمعنا أحد، كل ثانية كانت ثقيلة كأنها دقيقة.
همست لنفسي:
-"لا مجال للخطأ... لن أفقدها."
الهواء كان باردًا، لكنه شعور منعش مقارنة بالخوف الذي يملأ قلبها، شعرت بأن كل خطوة لي قريبة منها تزيد شعورها بالأمل. فتحت اللوحة ببطء، انزلقت داخل الغرفة، وابتعدت عن الضوء الخافت.
رأيتها تلتفت بسرعة، عيونها تلتقي بعيني، لم تنطق، لكن شعورنا المشترك كان واضحًا: لا مجال للخطأ، الآن هو وقت الفعل.
لكن قبل أن أتمكن من الاقتراب، ظهرت حركة مفاجئة من الخلف... باروس كان يراقب كل شيء. قبضته على سيفه، يتحرك بخفة وقوة في الوقت ذاته، وعينا حادة كالسكاكين.
قلبي صدم، لكن لم أُظهر أي خوف، كل شيء محسوب: خطوة للأمام، خطوة للجانب، محاولة تشتيت انتباهه حتى تلتقط أدونيس أي فرصة للهروب.
صرخت بهدوء:
-"ابقَ ثابتًا... لا تتحرك!"
كانت عيناه تلاحق كل حركة، لكنه لم يتوقع الحيلة التي حضرنا لها. أصوات خطواتنا الخفية، تنفسنا، كل شيء أصبح جزءًا من خطة محكمة.
لكن كل ثانية كانت مليئة بالتوتر، الخطر يلوح في كل زاوية. كل حركة خاطئة قد تجعل باروس يسيطر على الوضع، أو يلحق بها أذى. شعرت بمزيج من الغضب والإصرار، وكل عقلانيتي مركزة على إنقاذها، لا شيء آخر.
بدأت المعركة فجأة، السيوف تصطدم، الخشب يئن تحت ضرباتنا، والصوت الممزوج للمطر والرصيف يزداد توترًا. كنت أحاول تشتيت انتباهه، أطلق هجمات مدروسة، كل ضربة محسوبة لحماية أدونيس ومنحها فرصة للتحرك.
وفجأة، شعرت بألم حاد يخترق كتفي... سقوطي على الأرض كان سريعًا، والدم ينساب بغزارة. صدمة لم تسمح لي حتى بالصرخة، كل شيء حولي أصبح ضبابيًا للحظة، وكل ما رأيته كانت عيون أدونيس، مليئة بالخوف والدهشة، تنظر إليّ بصمت، وكأن العالم كله توقف.
سمعت قلبها يخفق بصوت عالٍ في صمتي، شعرت بالذنب، لكن شيئًا في داخلها لم يسمح للخوف أن يسيطر عليها.
رأيت يدها ترتعش، ثم تقبض على السيف الذي أسقطه أحد الحراس في الفوضى. لم أصدق القوة التي تدفقت فيها فجأة، غضبها، تصميمها، رغبتها في الانتقام.
صوتها صارخًا:
-"كفى!"
رأيتها تهجم على باروس، كل ضربة محسوبة لكنها مشحونة بالغضب الذي لم أرَه فيها من قبل. شعرت بمزيج من الدهشة والامتنان، وقلبي يرفرف بشدة. كل لحظة كانت تشبه سحرًا غريبًا، القوة التي لم أكن أتخيلها في أدونيس تتحرك أمام عيني.
ثم سقط باروس أرضًا، عاجزًا، الدماء تلطخ الأرضية بين يديها. شعرت بالارتياح يغمرني، لكن قلبي ما زال يعتصر الألم من جرح كتفي، وصدمة ما رأيته من شجاعة أدونيس، ومن غطرسة باروس التي سقطت فجأة.
اقتربت منها ببطء، أمسك بيدها برفق:
-"أنت... كنتِ شجاعة... أكثر مما توقعت."
نظرت إليّ، عيناها تقولان الكثير: الخوف، الغضب، والشجاعة، وكل شيء بينهما. شعرت بأننا الآن أقوى معًا، وأن كل لحظة خوف، كل صدمة، كل تحدٍ، قد جعلنا نستطيع مواجهة أي خطر آخر، مهما كان.
كانت هذه اللحظة بالنسبة لي: مزيج من الألم، الغضب، الإعجاب، والشعور بالمسؤولية المطلقة تجاه أدونيس، شعور بأننا معًا، لا شيء يمكن أن يقف في وجه إرادتنا الآن.
من وجهة نظر أدونيس:
جلست على الأرض بجانب جوش، أصابع يدي ترتعش بينما أحاول السيطرة على دمائه.
الدم يتسرب من كتفه، وقلبي يكاد ينفجر من الخوف، شعور غريب يغمرني: الغضب على باروس، الخوف من فقدانه، والذنب لأني لم أتمكن من منعه من الإصابة.
همست بصوت متقطع:
-"ابقَ معي... أرجوك... لا تتركني الآن."
بدأت أستخدم أي قطعة قماش نظيفة وجدتها لتثبيت الجرح، يدي تهتز مع كل حركة، وقلبي يخفق بعنف. كل لمسة كانت تشعرني بقربه مني أكثر، وكل نفس يلهثه يجعلني أشعر بالارتباط العميق الذي لا يمكن للكلمات أن تصفه.
رأيته يحاول تهدئتي بابتسامة ضعيفة، لكنه كان يئن من الألم، وكنت أعلم أن كل ثانية تمر قد تزداد خطورته. شعرت بالذعر يغمرني، وفجأة انهرت، دموعي تنهمر بلا تحكم، أجهش بالبكاء بصوت مكتوم، وجهي قريب من كتفه، ودموعي تلمس قماشه.
همست بين الشهيق والزفير:
-"كنت... كنت خائفة... لا أريد أن أفقدك..."
كان صمت المكان حولنا، فقط أصوات المطر البعيد على الأسطح، وأنين جوش من الألم، يصنعان لحظة مختلطة من الرهبة والحنان. شعرت بأنني أضع كل خوفي، كل ضعفي، وكل مشاعري فيه، وكل ما مررنا به جعلني أدرك كم هو مهم بالنسبة لي.
أمسكت يده بيدي المبللة بالدموع، حاولت تهدئتها، وقلت لنفسي:
-"سأحميه... مهما كلف الأمر... لن أفقده."
بعد دقائق من التركيز الكامل، استطعت أن أوقف النزيف جزئيًا، وغطيت كتفه بقطعة قماش مضغوطة، ثم جلست بقربه، أستمع إلى أنفاسه، ودموعي تتساقط بلا توقف. شعرت بالارتياح البسيط لأنه ما يزال يتنفس، لكنه كان ضعيفًا... وهذا الألم جعل قلبي يتفتت.
همست له:
-"أعدك... سنتجاوز هذا... سنتجاوز كل شيء..."
وفي صمت الغرفة، بينما المطر يطرق النوافذ، شعرت بالارتباط العميق بيننا يتعمق، مشاعر الخوف والحب والامتنان والغضب كلها متشابكة، وكل دمعة تنهمر مني كانت تعبيرًا عن شعوري بالقوة التي تمنحني إياها مسؤوليتي تجاهه، وعن الألم الذي يجعلني أكثر استعدادًا لمواجهة أي خطر قادم.
Aya