سيلينا
لمعت شاشة هاتفي باشعار وارد.
كان من ايليو .
قرأت ما ورد فيه ، هنا بدأت أشعر باضطراب شديد يدي لم تكف عن الارتجاف.
شعرت بسائل يسقط على بشرتي ، كان مالحاً عند وصوله لشفتي .
كانت هذه اول مرة ابكي فيها بعد زمن بعيد.
أن رسالته أثارت بي مشاعر جياشة ، لم اعد اشعر بها .
لم يخطر ببالي يوماً أن ايليو _او اي شخص آخر _ يحمل مثل هذا الحزن في قلبه.
كنت دائماً أشعر بأنني الضحية الوحيدة ، لكن علمت الان أن هنالك الكثير من الضحايا حولي .
فرانس ، سولانا ، امي ، ايليو ، بولو ، والد سولانا ، و ابي .
لكن آخرهم لم يكن ضحية ، فقط رحل و تركني لوحدي .
لقد كان المُتَحكِم به في القصة ، قُرِرَ عنه ثم نفذ دون اعتراض يذكر .
هرعت إلى الثلاجة بسرعة لأجد اي مشروب أو أوراق للشاي ، لكنها كانت فارغة.
جلست على ركبتي أحدق فيها ، ثم بدأت اجهش بقوة ، و كانت يداي تحاولان مسح دموعي بقوة .
لم استطع التوقف ، تجمدت عقارب الساعة من حولي .
اجتاح صدري كل تلك المشاعر الدفينة التي لم استطع البوح بها لأحد مطلقاً.
استمريت بالبكاء والصراخ ، كنت أشعر أن بداخلي شخص آخر.
لا يوافقني في شيء مما انا عليه .
عرضت امامي كشرائح للصور الشخص الذي كنته في إحدى المرات و تخليت عنها بتخليهم عني .
هم من جعلوني على هذه الشاكلة .
لقد تدمرت روحي حرفياً بعد رحيله ، و لا سبيل لعودتها.
اتجهت إلى فراشي زحفاً على الأرضية .
ما أن صعدت عليه حتى ضممت ركبتي إلى وجهي محاولة تخفيف نوبة البكاء.
بكيتُ صامتة فقط صوت انفاسي ما يُسمع في الغرفة ، انفاس تشهق و تهدأ.
انفاس حزينة متقطعة.
تذكرت ذلك الشيء التي وصفته لي الطبيبة يوما ما ، كنت اشربه لكنني توقفت ووعدت نفسي إلا اعود لشربه.
نزلت من السرير على ركبتي محاولة للوصول إلى الدرج الأوسط من مكتبي ، كانت خصلات شعري تلتصق بوجهي بسبب الدموع ، ابعدتها بعنف إلا أنني خدشت وجهي فنظرت إلى أظافري كانت هناك بعضاً من الجلد الرقيق تحته لم اهتم بنفسي .
فتحت الدرج بسرعة و أخرجت إحدى علب الأدوية التي كانت بداخله .
كانت علبة بيضاء اعتدت الشرب منها لوقت طويل جداً .
لم اكن استطيع فعل أي شيء يمكن القيام به كشخص طبيعي بدونها .
أمسكت بها و ادرتها بين أصابعي و تذكرت ما حدث قبل ثلاث سنوات و ثمانية أشهر و ثلاثة أيام بالضبط من الآن .
......................................
" سيلينا ، هل يمكنك التحدث عن ما حدث معك ؟ اعدكِ انا مستمع جيد يمكنك فتح قلبكِ لي و اعدك أن ما سيحدث هنا سيبقى بيننا " و نظرت إلى الضمادة الملفوفة حول معصمي .
اشمئززت من حديثها بتلك الطريقة الودية التي اصطنعتها لكسب المال من روحي المحطمة.
هي لن تفهم شيئاً ، قطعت أفكاري بصوتها المعسول فقالت :" سيلي ، يمكنك التحدث عن أي شيء ، هل يمكنك إخباري بما تشعرين ؟ "
جفلت ، هل قالت لي سيلي للتو ؟
لم اصدق أنها قد استخدمت معي هذا الإسم.
لم يكن عليها ذكره امامي أبداً .
تذكرته يخاطبني بتلك اللهجة الحنونة و ذلك الصوت الرائع ناطقاً باسمي
~~سيلي~~
~~سيلي~~
~~سيلي~~
~~سيلي~~
~~سيلي~~
~~سيلي~~
طفلتي ، صغيرتي ، عزيزتي ، ابنتي ، كرزتي ، فراولتي الصغيرة ، ذات العيون الحبرية ، رائعتي
ترددت كل تلك الأصوات في رأسي ، فأمسكت شعري باقصى ما لدي لاسكتها ، كنت اصرخ و أخبرها أن تكف عن التحدث في رأسي .
أنه لا يحتمل ، هذه الصوت .
صرخت ، حتى شعرت أنني سامزق حنجرتي كما فعلت من قبل مع يدي .
دخلت في نوبة بكاء شديدة .
كنت اجهش و امزق شعري ببطء ، كنت أرى طيفه خلفها _ الطبيبة النفسية_ يخبرني بأن اتي معه و اترك كل شيء .
عندها أغمضت عيناي و اندفعت إلى الأمام و شعرت بجسدي يرتطم على الأرض بقوة .
......................................
شعرت بأن معدتي قد ألتوت ، و أصبت بالغثيان لتذكري هذا .
اعتقدت أنني قد تخطيته لكن للاسف كنت أدفن كل شيء بداخل هذا القلب الذي احمله إلى أن تحول بصمت وهدوء إلى عضلة لضخ الدم فقط لا للتحكم في انسانيتي و مشاعري .
بلعت حبة من الدواء الجلاتيني ليخفف عني قليلاً و عدت إلى السرير .
تدثرت بغطائي و أغمضت عيناي محاولة نسيان كل شيء يتعلق به .
ش
عرت بشيء ثقيل يزحف على جسدي ، مكث بجانبي و بدأ باللعب بخصلات من شعري .
كنت اعتقد انني في حلم ، لكن ازداد نقر الأصابع على خدي .
فتحت عيناي ببطء لاتأكد أنني كنت في حلم واقعي لدرجة الشعور .
ارتخت عضلات وجهي عندما رأيت فرانس جالساً بجانبي واضع إحدى رجليه على بطني ، يلوي بيده خصلات شعري و ينقز خدي بتلك الأصابع الصغيرة .
ابتسمت له ، كان وجهه ملائكياً اعتقدت أنه الشيء الوحيد النقي ، الصافي في حياتي المشوهه .
كنت دائماً اخاف أن يهجرني أحد ، عند رؤية وجهه الصغير اعتلجني ذلك الشعور بالهجر مرة أخرى.
فسحبته اليَّ بقوة و دفنت رأسه بين يدي، استجاب لحركتي تلك و بادلني العناق بلطف.
لم أشعر قط بشخص يبعث بي الأمان و الطمأنينة بعد رحيله.
كانت هذه المرة الأولى التي أشعر بها ، كان امامي طوال الوقت ، لكنني اهملته .
ابتعد عني بهدوء فقال :" سي ، لقد وصل لكِ طرد ، اتيت لاخبرك "
تذكرت أن اليوم سيصل طرد الشاي بأنواعه المختلفة.
بدأت أحدق في الطفل الذي امامي ، كان باهت البشرة داكن الشعر .
لديه ملامح و عينا والديه الزرقاوتان .
كان يملك تلك الشامة تحت جفنه الأيمن كانت تلك هي العلامة المشتركة بيننا ، لقد احببت شامتي بعد أن رأيتها فيه .
كان لطيفاً للغاية ، خدوده ممتلئة كأنها جاهزة للتقبيل.
عانقته مرة أخرى و قبلته على خديه الزهريين ، لم يمانع و لكنه قال :" هل أنتِ بخير؟ " و أشار بتلك الانامل الناعمة على جفَّني و آثار الخدوش على وجهي .
اؤمات له بالايجاب " انا بخير " اردفت لاغير ما كنت فيه " هل تريد الذهاب معي إلى المكتبة ؟"
استقام على السرير من الحماسة و قد لمعت عيناه ببريق خافت فقال " بالطبع سي ، اريد بشدة"
ضحكت على ما فعله ، فخرج مسرعاً ليبدأ بتجهيز نفسه .
خرجت من سريري بعد ترتيبه ، نظرت إلى علبة الدواء عندها كرهت نفسي و تبدلت كل مشاعر اللطف التي أحسست بها قبل دقائق إلى كره النفس و الاشمئزاز .
لقد قرفتُ من نفسي ، بدأت افرك أظافري على جلد معصمي بشكل قهري .
عدت إلى نقطة الصفر.
دخل فرانس الغرفة دون أن يطرق الباب فنظر لي ، حمدالله أنه لم يلاحظ علبة الدواء أو خدش معصمي .
كان يحمل قميصين إحداهما ازرق بلون عمق البحر كعينيه و الأخرى اسود كالحبر كلون عيناي .
فقال بتلهف شديد :" أيهما أفضل ؟"
أشرت إلى عينيه ، ثم قلت بهدوء " الازرق "
خرج مسرعاً من الغرفة مرة أخرى دون أن يغلق بابها .
أغلقت الباب فامسكت بعلبة الدواء فافرغت محتوياتها في الحمام ، لأنني أعلم إذا أعدتها للدرج ساعود إليها في لحظة ضعف .
أخرجت لاصق للجروح ووضعته على يدي .
أخرجت من خزانتي الخشبية فستاناً أسودا طويل يغطي الأكمام ، و حذاء مفتوح من الامام.
استعديت بسحب شعري على شكل ذيل الحصان ووضع مشبك معدني.
اخفيت خدوش ليلة الأمس ببعض من مساحيق التجميل.
ثم خرجت من الغرفة ووضعت الطرد في غرفتي لاتفقده في وقت لاحق من اليوم .
وقعت عيناي على فرانس ، كان يقف أمام الباب متهندما بحلة الانيقه.
ممسدا شعره إلى الوراء.
و ذلك القميص الذي اخترته مسبقاً مع سروال اسود يصل إلى تلك الركبة الصغيرة.
كان يضع قبعة سوداء.
نزلت على ركبتي أمامه فقال لي مجاملا:" تبدين رائعة سي "
ابتسمت له بهدوء " تبدو أنيقا ايها السيد الصغير"
احمر وجهه خجلاً ، لم أتوقع أن كلمات بسيطة كهذه قد تؤثر علينا بهذه الطريقة.
وضعت على وجهه واقياً من الشمس أخرجته من حقيبتي بدأت ادلكه على وجهه بلطف ، كنت اخاف ان يؤذيه شيء حتى ان كان شعاعاً .
وقفت بجانبه حاولت أن انصب قامتي و أمسكت بيده لنخرج معاً كانت يده ناعمة جداً
يجب أن نغسل جميع أحزاننا ونتعافى ببعضنا البعض.
ساضحي بحياتي لإنقاذ حياة هذا القلب الصغير من حطام عائلتي .
في طريقنا إلى وجهتنا ، أخرجت هاتفي على عجل و كتبت رسالة إلى ايليو .
** أهلاً ، هل يمكننا انا و فرانس مقابلتك في المكتبة و التحدث قليلاً عن المذكرات المزيفة**
تنفست الصعداء و ارسلتها بسرعة قبل تغيير قراري .
ابتسمت بخفوت عند تذكر وجهه و هو يضحك .
مضينا إلى وجهتنا ، و كان بداخلي يقين أن كل شيء يمكن أن يتحول إلى الأفضل تدريجياً.
لا يمكن لشيء أن يؤذينا بعد الان ، مطلقاً.
...........................................................
انتهى الفصل و انتهت الرواية معه 🖤✨
لقد تركت شيئاً قيماً من ذاتي فيها .
عبرت عن مشاعري و عشت بها جميع انواع المشاعر .
آمل ان تنال إعجاب من قرأها .
إلى اللقاء عائلة روزلي ربما تكون لكم رواية جديدة في وقت ما لا احد يعلم ما قد يحدث.
16.8.2025
LACORA.