النداء

النداء

100 0

"بين الحقيقة والوهم… نداء واحد يكفي ليقلب مصيرها."

....

الفصل الاول : النداء

هدأت العاصفة أخيرًا، كأن البحر نفسه استسلم للتعب. انحنى بعض الركاب على الأرض، وسجد آخرون شاكرين، ودموع الفرح تختلط بملح الموج على وجوههم.

ارتجفت السفينة تحت أنفاسها الأخيرة من الصراع مع الرياح، لكن الهواء أصبح أنقى، كأن السماء غسلت خوفهم بالمطر.

خرجت ليانا بخطوات متسارعة تحمل حقيبتها الجلدية الغريبة، تتفحص الوجوه الشاحبة.

جلست بجوار رجلٍ مُلقى على الأرض، وفتحت حقيبتها بعناية؛ أصوات القوارير الزجاجية اصطدمت ببعضها بخفة.

– "أحقًا أنتِ طبيبة؟!" صاح بحّار متفاجئ وهو يراقبها تضع ضمادًا على ساعد زميله.

– "أجل… ولحسن حظكم أنني هنا." أجابت بابتسامة متعبة.

– "إذن هذه السفينة ليست عادية بعد الآن!" ضحك البحّار بصوت أجش، فابتسم بعض الركاب وكأن الضحكة كسرت ما تبقى من رهبة العاصفة.

كانت عينا ليانا تعكسان إصرارًا رغم الإرهاق. العرق يسيل من جبينها، ويدها لم تتوقف عن العمل.

اقتربت ماريا بسرعة، وجهها متوتر:

– "ليانا! هل أنتِ بخير؟ أنفاسك سريعة، وأنتِ تتصببين عرقًا!"

أجابت ليانا بصوت واهن:

– "أنا بخير… فقط بعض الإرهاق."

لكن ماريا لم تُصدّقها، قبضت على يدها وهمست بحدة:

– "إن استمريتِ على هذا الحال ستسقطين. توقفي الآن!"

ضحكت ليانا بهدوء، وكأنها تحاول طمأنتها:

– "حسنًا، سأستمع لكِ هذه المرة. لكن دعينا نساعدهم أولًا."

تنهدت ماريا، وأومأت رغم قلقها.

---

في الجهة الأخرى من السفينة، وقف أدريان متكئًا على السارية، معطفه الأسود يتمايل مع الريح. شعره الداكن انساب مع نسيم البحر، متدلٍ على جبينه وعينيه.

2

الظلال حوله تتحرك بإيقاع غامض، وكأنها تتنفس معه.

خطوات بطيئة خرجت من العتمة، ثم جاء صوتٌ خافت:

– "سيدي… لقد تأكدت، البوابة فُتحت بالفعل قبل أيام."

رفع أدريان حاجبه وقال بهدوء:

– "أكمل."

– "ورأيت شخصًا يتحدث مع أحد سحرة حماية البوابة… كان هناك رمز مكسور غريب بالقرب منها."

– "أي رمز؟"

– "لم أره بوضوح، ولكن يبدو انها كانت شظية صغيرة، لكن النقش الضئيل يشبه سيفًا."

ساد صمت قصير، ثم قاطعه أدريان:

– "أحسنت… يمكنك الانصراف."

انحنى الرجل واختفى في الظلال، فيما ارتسمت على شفتي أدريان ابتسامة باردة:

– "إذن… لقد بدأوا بالتحرك."

---

لم يمض وقت طويل حتى ارتفع صوت النوارس، معلنًا قرب اليابسة. أسرع الركاب نحو حافة السفينة، وجوههم تضيء بدهشة وعيونهم تتسع كلما اقتربوا من المشهد.

– "انظروا إليها! إنها كالحلم!" صرخ أحد الرجال ملوّحًا بذراعه.

– "يا إلهي… النقوش تبدو وكأنها تتلألأ!" تمتمت سيدة، ودموعها تترقرق من الانبهار.

من بعيد، برزت الأسوار الهائلة، شامخة كأنها تحرس بوابة العصور.

النقوش تغطي جدرانها، تلتف كالأفاعي الذهبية حول الأعمدة الضخمة، بينما انعكس عليها ضوء الشمس فأضاءت باللون الأزرق العميق.

الأسود المجنّحة ارتفعت فوق البوابات، أجنحتها الحجرية تلمع كأنها على وشك أن تتحرك.

وقفت ليانا متيبسة، قلبها يخفق بقوة.

بين أصوات الركاب المبهورة، تردّد في أذنها صوت جدتها:

– "يا ابنتي… لهذه النقوش وجهان؛ إن أحسنتِ التحكم بها كانت زينة، وإن أخطأتِ صارت شينًا. فحين تتوهج أمامك، كوني أكثر حذرًا."

همست ليانا بصوت متقطع:

– "جدتي… هل هذا ما قصدته… يبدو أن النقش يضيء بالفعل…"

---

أمسكت ماريا بذراعها، تبتسم بحماس وهي تشير إلى الأفق:

– "ليانا! لقد وصلنا… أليست رائعة؟"

لكن ليانا لم تجب؛ عيناها العسليتان ظلّتا معلقتين على البوابة، والبرد تسلل إلى قلبها رغم دفء الشمس.

1

وفجأة، اخترق أذنها صوت غريب، حاد ومخيف، ليس كأي صوت بشري.

الكلمات مبعثرة ولم تفهم معناها:

– "La… mu… radu… laa…"

شهقت ليانا داخليًا. كان هذا نفس الصوت الذي همس لها أثناء العاصفة، لكنه الآن أقوى وأقسى، يلف الأفق بغموض لا يُرى.

شعرت بقشعريرة تجتاح عروقها، وكأن شيئًا مجهولًا يحركها بلا وعي.

التفتت فجأة مع همس مألوف اقترب أكثر وأكثر، كأنه يناديها من أعماق البحر:

– "اقتربي… يا صغيرتي… ألم تشتاقي إليّ؟"

1

في اللحظة نفسها، بدأ لون عيني ليانا يتغير تدريجيًا من عسلي دافئ إلى بريق فضي غريب، كما لو أن الصوت الغامض يسيطر على جسدها وعقلها، يجعلها تتبع خطواته بلا وعي، متجهة نحو حافة السفينة.

ماريا ارتبكت لم تتحرك، لم تسمع أي صوت، فقط شاهدت ليانا تمشي ولا تدري إلى أين تتجه.

وفجأة، بدأت تمتد خيوط من البحر تتشكل كالـأذرع  نحو قدمي ليانا، كما لو أن الماء نفسه يحاول سحبها.

ليانا، بلا وعي، تمايلت خطواتها على حافة السفينة، وعيونها الفضية تتلألأ في الضوء الغريب، تحاول أن تقاوم.. تتماسك وتعود إلى الوراء... حتى أتاها الصوت:

"إن لم تقفزي الآن… تموتين.؟"

---

بقيت ليانا على حافة المجهول… والخطر يحيط بها من كل جانب..

ما الذي ينتظرها؟

---

نراكم في الفصل القادم.. ✨

6
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عيناك وبابل

المؤلف اورلينا نوفل ✨
2025/09/22 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة