"الليلة المشؤومة"

"الليلة المشؤومة"

36 0

الفصل التاسع

الحديقة الخلفية للقصر – الساعة 8:12

كانت (ليانا) ما تزال جالسة قرب النافورة، تُدفئ يديها بأنفاسها، والليل من حولها يزداد برودةً وسكونًا.

حين دوّى خلفها صوت خفيف، كخطوةٍ دهست أوراقًا يابسة.

تصلّب جسدها للحظة، والتفتت ببطء نحو مصدر الصوت.

من بين الأشجار، خرج رجلٌ ذو شعرٍ أزرقٍ مجعد، يتبعه آخر تسير معه الهيبة كما لو كانت ظلّه.

تلاقت عيناها بعينيه للحظةٍ قصيرة، لكنّها كانت كافية لتربك نبضها وتبعثر أفكارها.

تقدّم الرجل ذو الشعر الأزرق بخطواتٍ مترددة وقال:

ـ "نعتذر… هل أزعجناكِ...؟"

أجابته بخجلٍ وهي تطرق رأسها:

ـ "لا، لم تزعجاني."

اقترب منها أكثر، ثم قال الشاب بابتسامةٍ لطيفة:

ـ "أنا (آدم)، نائب القائد، وهذا هو (أدريان)، قائد الوفد. تشرفنا بمعرفتك."

وقفت (ليانا) وامسكت بثوبها احترامًا وردّت بهدوء:

ـ "ليانا سيرافين، سررتُ بلقائكما."

ابتسم (آدم) وانحنى قليلاً، ثم انصرفا باتجاه النافورة ووقفا يتحدثان بصوتٍ خافت.

بعد ثوانٍ، أخذ نسيم الليل البارد يحرك خصلات شعرها، فضمّت يديها معًا محاولةً تدفئة نفسها.

لاحظ (آدم) ذلك، فالتفت نحو (أدريان) مبتسمًا بمكر:

ـ "أدريان… ألا تملك حسًّا بالمسؤولية؟"

رفع (أدريان) حاجبه بحدةٍ وأجاب ببرود:

ـ "ماذا تقصد؟"

أشار (آدم) برأسه نحو ليانا، وقال:

ـ "انظر إليها، يبدو أنها تشعر بالبرد."

ـ "وما شأني؟" قالها (أدريان) بلهجةٍ غير مبالية، وجلس على حافة النافورة.

تنهد (آدم) وقال بإصرارٍ طفولي:

ـ "عليك أن تُظهر شهامتك في هكذا مواقف!"

ابتسم بخفّة دون أن ينظر إليه:

ـ «دع شهامتي ترتاح الليلة، الجو لا يناسب الأبطال.»

قال (آدم) بابتسامة جانبية:

ـ "يا رجل، أعطها عباءتك قبل أن تتجمد! هكذا ستبدو لطيفًا للمرة الأولى."

ردّ (أدريان) ببرودٍ ساخر:

ـ "آخر ما أريده أن أبدو لطيفًا... خصوصًا أمامها."

قال (آدم) وهو يميل نحوه مبتسمًا بمكر:

ـ "ما هذا الجفاء؟ هل بينكما معرفة سابقة؟"

ابتسم بسخرية خفيفة وأجاب:

ـ "يكفي أنني التقيتُ بها مرة لأفهم أنّ وجودها يجلب المتاعب."

أخذ (آدم) يلحّ على (أدريان) بخفة، حتى جعله يتكلم أخيرًا.

نظر (أدريان) نحو (ليانا) قليلاً، صوته هادئ وجاف:

ـ "يا آنسة، هل تشعرين بالبرد؟"

تفاجأت (ليانا) من سؤاله وقالت مرتبكةً:

ـ "لا... لا أشعر بالبرد، شكرًا."

التفت (أدريان نحو آدم) وقال ببرودٍ ساخر:

ـ "أرأيت؟ لا تشعر بالبرد."

وضع (آدم) يده على جبينه متنهّدًا، وقال بصوتٍ يائسٍ:

ـ "أنت حقًا بحاجة لتدريب طويل."

ثم خفّض صوته وأكمل بجدية:

ـ "لكن قبل هذا، الجاسوس وجد مخبأً سريًا داخل أحد أبراج السحرة."

تبدّل وجه (أدريان) إلى الجدية وقال:

ـ "توقعت ذلك... دعه يراقبه عن قرب، وليكن حذرًا، فهؤلاء ليسوا أناسًا يُستهان بهم."

ـ "حسنًا، ما خطوتك القادمة؟ هل نرسل (كيان) للموقع؟ " سأل آدم وهو يراقب تعابير وجهه.

قبل أن يجيب (أدريان)، انقطع حديثهما بصوت عطس خفيف جاء من مكان قريب.

التفت كلاهما نحو مصدر الصوت، فرأت ليانا نفسها وهي تعتدل بخجل بعد عطسة خفيفة:

ـ «يبدو أني أصبت بالبرد…»

احمرّ وجهها خجلًا، وأسرعت بخطواتٍ نحو باب الحديقة محاولةً تجنّب نظراتهما، بينما كان النسيم يلاحقها بخيوطه الباردة.

واصلت (ليانا) سيرها نحو القاعة عبر الممر الطويل، تحاول استعادة هدوئها.

وبعد لحظات قليلة، برزت فتاةٌ شاحبة الوجه، عيناها ممتلئتان رهبةً وقلقًا.

قالت بسرعةٍ متقطعةٍ وصوتٍ مرتجف:

ـ «آنسة… هل تعرفين طبيبًا؟ ثم توقفت قليلا وهي تحاول ان تهدئ نفسها واردفت

«أبي مريض… ولا أحد يساعدنا.»

بدا التعاطف واضحًا في ملامح ليانا، وما إن أخبرت الفتاة بأنها طبيبة حتى انعكس الأمل في عينيها.

انحنت ليانا قليلًا، وضعت يدها على رأسها بلطف وقالت بهدوء:

«لا تقلقي، سأساعده… أريني الطريق.»

تحركت الفتاة بخطواتٍ سريعة، ولحقت بها ليانا، تعبران الممر الحجري نحو أطراف الحديقة، حيث أخذ ضوء القصر يتلاشى بين ظلال الأشجار.

ــــــــــــــــــــــــــ

داخل القاعة عند الساعة 8:36.

القاعة الكبرى كانت تتلألأ بالشموع والألوان، والموسيقى تعلو بخفة على أرضية الرقص.

هيلين واقفة قرب النافذة، عيناها تبحثان عن ليانا بين المدعوين، تنتظرها بفارغ الصبر، لكنها لم ترَها بعد.

ولي العهد، عند اكتشاف غياب ليانا، اشتعل وجهه غضبًا. تقدم بخطوات حازمة نحو ساندي، فتاة آل سوران ذات الشعر الأسود الطويل، وأومأ لها بخفة:

ـ «تعالي، لنرقص معًا.»

ثم نظر سريعًا حول القاعة، وعيناه تتجهان نحو الفراغ الذي يجب أن تكون فيه ليانا، وقال بصوت حاد:

ـ «أنت تتعمدين هذا يا ليا!»

هيلين قبضت على طرف ثوبها بخفة، تدرك أن توتر ولي العهد قد يسبب مشاكل أكبر، بينما بقيت تنتظر ظهور صديقتها.

ــــــــــــــــــــــــــ

الحديقة – لحظة التوتر

تنفست (ليانا) بصعوبة بعد أن خاضت خطوات متتالية على الممر الطويل بين الأشجار الكثيفة، وبدأت علامات التعب تظهر على وجهها.

نظرت حول المكان بقلق، وقالت:

ـ «أين المريض؟ لقد ابتعدنا كثيرًا…»

ارتعشت الفتاة الصغيرة ولم تجب، ثم فجأة انطلقت راكضةً بين الأشجار كطيفٍ هارب، تاركةً وراءها خيوط خوفٍ معلّقة في الهواء.

توقفت (ليانا) لوهلة، وحاولت نداءها:

ـ «انتظري! لماذا تهربين؟»

لم تأتِ الإجابة، وتسلّل شعور بالريبة إلى قلبها؛ أدركت فجأةً أنها ربما وقعت في فخٍ مُدبَّر.

حاولت استدراك الموقف والرجوع، لكن الأرض تحت قدميها لم تمنحها الوقت.

من بين الأشجار، ظهر ظلّان؛ لرجلان خرجا من الظلام، أحدهما يحمل حبلًا ملفوفًا حول كتفه، والآخر يلوّح بسكينٍ يلمع ببرودةٍ مميتة.

رفع الأول الحبل قائلًا بصوتٍ خشن:

ـ «تعالي معنا… لن نؤذيكِ إن لم تقاومي.»

تراجعت خطوة للخلف، وبنبرة متحكّمة رغم الارتباك:

ـ «ومن أنتم؟ وماذا تريدون مني؟»

«كفي عن الثرثرة!»

واندفع الرجل الذي يحمل الحبل نحوها، محاولًا تقييدها.

ركّزت عينيها على تحركاته، تدرك كل ميل لجسده ويده.

خطوة للأمام، ضربة تهددها… انحنت بخفة، وجهت قبضة محكمة إلى عصب رقبته من الأسفل. سقط مغشيًا عليه على الفور.

لهثت للحظة، وارتجف صوتها قليلاً، لكن ابتسامة فخر ارتسمت على شفتيها:

ـ «ضربة واحدة على العصب تكفي لإسقاط أي خصم… احفظ هذا جيدًا.»

الرجل الآخر اندفع نحوها بغضب:

ـ «أيتها اللعينة!»

حاولت التملص، لكنه ضربها بقوة على معدتها، فتعثرت للحظة.

استجمعت قوتها سريعًا، ووجهت له ركلة قوية، فارتد إلى الخلف، بينما كانت تنسحب خطوة للخلف لتلتقط أنفاسها، وعيناها تتابعه.

لكن فجأةً، من بين الأشجار الداكنة، ظهر شخص ثالث، ضرب رأسها بخشبةٍ غليظةٍ بقوةٍ مفاجئة.

اهتزّ جسدها بالكامل، كأن كل خلية فيه تصرخ من الألم، والبرد يتسلل إلى أعماقها بلا رحمة، كإبرة جليدية تغرزها من الداخل.

انزلقت دموعها على وجنتيها، وسقطت على الأرض بصمتٍ ثقيل، كل شيء حولها ضبابي وغامض، وكأن العالم توقف عن الدوران.

أنفاسها المتقطّعة امتزجت بصوت الريح، وعينيها تكافحان للبقاء مفتوحتين.

همست، كلماتها متقطعة:

«لماذا…؟ يحدث هذا لي…»

مع آخر نفس، انسحب وعيها ببطء نحو الظلام، تاركًا كل شيء حولها صامتًا ومعلّقًا بين الخوف والمجهول...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عيناك وبابل

المؤلف اورلينا نوفل ✨
2025/09/22 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة