"الرؤيا"

"الرؤيا"

90 0

ليانا تجد نفسها محاصرة بين الحلم والواقع...

هل هي مستعدة لمواجهة ما يختبئ في الظلال؟

------------------

الفصل الخامس : الحلم

الليل بدأ يخيّم على أطراف بابل، والسماء مغطاة بغيوم متفرقة، فيما يخترق ضوء القمر الفاتح العتمة، فيسقط على أزقة المدينة كوشاحٍ فضّي شاحب.

على الطريق المؤدي إلى قصر "آل إيفاندر"، توقفت عربة داكنة اللون. نزل منها رجل طويل القامة، معطفه الأسود يتمايل مع الريح، وملامحه مزيج من الغموض والهيبة.

أدريان وقف أمام بوابة القصر، المكان الذي احتضنه طفلًا حين كان كل شيء حوله ينهار.

عيناه تجولان بين الأحجار العتيقة والنقوش المنحوتة على الأعمدة، كأنه يسمع صدى ضحكاتٍ غابرة بين الجدران.

فتح الحارس الباب، وبصوت متردد قال:

- السيّد سليم بانتظارك في الداخل، سيدي.

دخل أدريان بخطوات هادئة.

الردهة كما عهدها منذ صغره، لكن الهواء بدا أثقل، وكأن السنين تركت أثرها بين الجدران.

عند نهاية الممر، كان سليم ينتظره، ابتسامته المرحة تعلو وجهه:

- أخيرًا ظهر "صاحب القلب المتحجر" في الموعد!

أدريان رفع حاجبه بسخرية:

- دعك من هذا الكلام... أنا جائع.

ضحك سليم بخفة:

- وهل تفكر فقط في الأكل؟ يالك من شره.

ابتسم أدريان ابتسامة قصيرة:

- أحيانًا يكون الطعام أفضل من الكلام.

هزّ سليم رأسه ضاحكًا:

- حسنًا... دعنا نرى إن كنت ستأكل أكثر مني.

تقدما نحو القاعة، وهناك وقف سيد العائلة عند المدخل، ابتسامة دافئة على وجهه، وعيناه تحملان مزيجًا من الدهشة والحنين:

- لم أرك منذ زمن طويل، يا بني... كنت دائمًا في قلبي منذ صغرك.

أدريان أجاب باحترام وهدوء:

- شكرًا لك... أنا سعيد لأنك بصحة جيدة.

ابتسم والد سليم برفق، وأشار له بالمضي نحو المائدة. جلس الجميع حولها، وكانت الأطباق مرتبة بعناية.

بدأ الحديث بخفة، ومع مرور الوقت بدأت الذكريات تتدفق؛ الليالي الطويلة في القصر، التدريب على السيوف، وبعض المواقف الطريفة التي عاشوها معًا.

--------------------

وفي غرفة داخل قصر "آل سيرافين"، دخلت ماريا حاملة صينية الشاي، ووضعتها على الطاولة:

- تفضلي، قليل من الدفء بعد التعب، انستي.

نظرت ليانا إليها، وابتسمت بخفة:

- هل من أخبار جديدة!؟

أجابت ماريا بنبرة منخفضة:

- نعم، يا سيدتي... حسب الشائعات، سيصل وفد من أوركاسا بعد ثلاثة ايام.

الجميع يتحدث عن نفوذهم وقوتهم السحرية، لكن التفاصيل لا تزال غامضة.

رفعت ليانا حاجبها، محاولة استيعاب الأمر:

- وفد؟ ومن يكونون؟

ارتعشت عينا ماريا قليلاً من الحماس، وأجابت:

- نعم، سيدتي، وفد من إمبراطورية أوركاسا...

وقد سمعت أن السفير ونائبه ليسا عاديين، لا من حيث الوسامة، ولا من حيث القوة!

ابتسمت ليانا بابتسامة خفيفة، وقالت بمزاح رقيق:

- حقًا؟ وكيف ذلك؟

ضحكت ماريا بخفة:

- لا أعلم التفاصيل، سيدتي، لكن الجميع يترقب وصولهم، ويبدو أنّ سمعتهم تسبقهم.

هزّت ليانا رأسها مبتسمة، وأخذت رشفة من الشاي. خرجت ماريا بينما لاحت أشعة القمر على الغرفة، وأحست بدفء خفيف يهدئ تعب اليوم الطويل.

جلست ليانا على السرير، وأمسكت بالكتاب القديم الذي تركته لها جدتها.

كانت صفحاته صفراء ومهترئة، تحمل آثار الزمن. فتحت الصفحة بعناية، تتبع النقوش بأصابعها وعينيها، كأن كل خط فيها يحكي سرًّا دفينًا.

فجأة، لفتت انتباهها ورقة فارغة بين الصفحات.

رفعتها قرب الشمعة لتتفحصها، لكن لم يظهر عليها أي أثر للكلمات أو الرموز.

ابتسمت بخفة وقالت لنفسها:

- إذن، هذا تحدٍّ واضح... حسنًا...

رفعت الورقة ثانية، وقالت ممازحة:

- افتح يا سمسم!

لم يحدث شيء. جلست على الطاولة، وضغطت الورقة بخفة، ثم مدت يدها نحو ريشة قديمة بجانب الكتاب، وقالت مبتسمة:

- ربما تحتاج إلى ريشة سحرية!

ضربت الورقة بخفة بالريشة، وقالت:

- افتح يا سمسم... هيا يا سمسم!

ابتسمت لنفسها، ثم تنهدت:

- حسنًا، يبدو أن عليّ الاستسلام...

1

مع مرور الوقت، تسلّل النعاس إليها ببطء، وأثقل جفونها، فاستلقت والكتاب على صدرها، ثم غلبها النوم دون أن تشعر.

--------------------

في عالم الرؤيا

وجدت ليانا نفسها فجأة في زنزانة ضخمة. الجدران حجرية متشققة، والهواء بارد ورطب يلسع بشرتها. سلاسل ضخمة معلقة من السقف والجدران تصدر صريرًا مخيفًا مع كل حركة، وكأن المكان نفسه يئن تحت وطأة الزمن.

- ما الذي أفعله هنا؟ - تمتمت في نفسها وهي تتلفت حولها.

- ألم أكن في غرفتي قبل قليل؟

همسات غامضة تخرج من كل زاوية، تشبه الصراخ البعيد لكنها غير مفهومة. ارتعشت، وضعت يديها على أذنيها تحاول إسكاتها، لكن كل همسة كانت تتضاعف، تتردد داخل رأسها حتى كادت تفقد وعيها.

ثم شعرت بشيء يلتف حول ساقها.نظرت الى ساقها وبصوت متقطع

- من... هناك؟!

لم يظهر أحد، لكن يدًا باردة قبضت على ساقها بقوة، فصرخت وهي تحاول ان تهرب:

- فليساعِدني أحد!

حاولت الإفلات، لكن دون جدوى. اليد لا تزال تمسك بها. رعبها تضاعف، كل جزء من جسدها يرتجف، وصوت أنفاسها يختلط بالهمسات التي تحيط بها كأسرابٍ من الظلام.

وضعّت يديها على أذنيها وهي تنظر الى الظل وترتجف:

— ماذا يحصل هنا؟!

انهمرت الدموع على وجنتيها، بينما ارتعشت شفتاها وهي تهمس:

— يا الله… ساعدني!

وبعد لحظات، ظهر ضوء أزرق يغمر الزنزانة بالكامل.

شعرت بحرارة غريبة، وكأن الضوء يبعد الظلام عنها.

السلاسل اختفت، والهمسات واليد بدأت تتلاشى.

شعلات صغيرة ظهرت، تطوف في الهواء، تلقي ضوءًا خافتًا كدليل لطريق مخفي.

قلبها كان يدق بسرعة، جسدها يرتجف، لكنها بدأت تتحرك نحو الشعلات، كل خطوة تزيد شعورها بالخوف والفضول معًا.

وصلت إلى باب ضخم وغريب، لكنها شعرت بأنه الطريق الآمن، ففتحته بحذر.

وجدت نفسها في مكتبة ضخمة، عتيقة، الكتب تطفو في الهواء بثبات غير طبيعي. دهشت، كل شيء حولها يبدو حيًا، والأرفف تتحرك بخفة كما لو تنفس المكان معها.

بين رفوف الكتب، ارتفع فجأة ضوء أزرق غامض، يلمع بشكل يخطف الأنفاس. اندفعت ليانا نحوه، وقلبها يخفق من الدهشة والخوف معًا.

وصلت إلى كتاب قديم، غلافه مزين بنقوش غامضة، وحين حاولت الإمساك به، تحول اللون فجأة إلى الأحمر. المكتبة اهتزت، والكتب طارت حولها، والهواء يملؤه صوت الصفحات المتصادمة.

رعبها تزايد، لكنها حاولت الثبات، عيناها تلمعان بترقب، غير مدركة ما إذا كانت ستنجو من هذه الفوضى الغريبة أم لا.

أغمضت عينيها بشدة، دموعها تكاد تنهمر، والظلام أخذ يبتلع المكان من حولها.

وفجأة، كلمسةٍ من البرد تسري على كتفها، سمعت همسًا قريبًا جدًا، أقرب من أن يكون حقيقيًا:

- ليانا... لا تفتحي الكتاب.

1

شهقت وفتحت عينيها بسرعة، لتجد نفسها في غرفتها، أنفاسها متقطعة، ويدها لا تزال على الغلاف القديم.

الهمسات اختفت، لكن الغرفة بدت وكأنها تحمل صدى الحلم في زواياها.

ثم...

أضاء الكتاب بوميضٍ خافت، رفعت نظرها إليه بارتجاف، وهمست بصوتٍ مبحوح:

1

- هذا... لم يكن حلمًا...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عيناك وبابل

المؤلف اورلينا نوفل ✨
2025/09/22 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة