بوابة الأرواح

بوابة الأرواح

91 0

الفصل الرابع: بوابة الأرواح

الغرفة ضيقة، شعلة واحدة تتراقص على الجدار. جلس داريوس مكبَّل اليدين، أصابعه ترتجف.

وقف نديم حاملاً لفافة الأسماء:

— «داريوس. أجب عن كل سؤال بدقة وصدق.»

إيزيس جلس مقابله، ظهره مستقيم، كتفاه مشدودتان ووجهه حامِل ندبة قديمة على خده الأيمن.

شعره الفضي يلمع بخفة تحت الضوء. على الطاولة حجر مأخوذ من البوابة منقوش بدائرة؛ إلى جانبه أداة استجواب معدنية وحبل قصير.

2

أمال إيزيس جسده للخلف، صوته منخفض وثقيل:

— «أخبرني، متى وكيف فُتحت البوابة؟»

التفت داريوس بتوتر، هامسًا:

— «لا… لا أعلم… لم أكن هناك…»

ازداد حدة صوت إيزيس:

— «أذن أين كنت خلال دوريتك عند الحاجز؟»

ارتجف داريوس وابتلع ريقه، الكلمات تتلعثم:

1

— «كنت أتفقد النقاط… أراقب الطريق… وفجأة… غلبني النوم…»

ساد صمت طويل. إيزيس يميل إلى الأمام بنبرة حادة:

— «غلبك النوم؟ الحاجز مكسور… والبوابة مفتوحة. وتقول: غلبني النوم؟»

داريوس لم يستطع التبرير، التزم الصمت.

وضع إيزيس يده على خده، صوته بارد:

— «من كان معك في ذلك اليوم؟»

ارتجف داريوس متقطعًا:

— «كان رفيقي في العمل… هارون…»

حدّق إيزيس بعينين نافذتين:

— «وأين هو الآن؟»

انخفض رأس داريوس كمن يريد أن يختفي، وهمس بصوت خافت:

— «قال إنه… متعب… فذهب ليرتاح…»

ضرب إيزيس الطاولة بقبضته، وصرامة صوته تخترق الغرفة:

— «هل أنتم في العمل أم في الفندق؟ أنتم فعلاً تثيرون غضبي!»

2

— «سيدي، صدقني… لم يحدث هذا من قبل… لا أعلم ماذا جرى لنا… بالكاد استطعنا فتح أعيننا بعد رؤية الضباب…» تمتم داريوس.

إيزيس بنبرة باردة:

— «عذركم أقبح من فعلتكم…»

داريوس ظل يحدق بالأرض، العرق يتصبب من جبينه.

رمقه إيزيس بعينين حادتين:

— «حسنًا… أكمل. أريدك أن تخبرني بكل ما لاحظت فور استيقاظك.»

همس داريوس، عيناه تتسعان بالارتباك:

— «عندما استيقظت… لاحظت شيئًا غريبًا. الجو ثَقِل… الضباب الأسود غطى السماء… شعرت بخنق في صدري… ركضت نحو مصدره… ولقد وجدته… ينبعث من البوابة…! وعندما حاولت إبلاغ القيادة… كنتم هناك بالفعل…»

ملأ الصمت الغرفة. نديم يدون كل كلمة بعناية.

اقترب إيزيس خطوة، صوته جامد بلا رحمة:

— «ستظل تحت المراقبة رغم خروجك… والوقت كفيل بكشف الحقيقة.»

انتهى الاستجواب. خرج داريوس من الغرفة يلهث، العرق يتصبب من وجهه.

اقترب إيزيس من الحجر الموضوع على الطاولة، ملاحظًا النقش الدائري بخطوط دقيقة تشبه آثار الحرق القديمة وبقع دماء عليه.

تقدم نديم نحو إيزيس سائلاً:

— «سيدي، ما رأيك بكلامه؟ لا يبدو أنه يكذب.»

أجاب إيزيس وهو يلمس النقوش بحذر:

— «أعلم… لكن هناك شيء غير صحيح…»

قبل أن يكمل، صوب أحد الجنود صوته من الخلف:

— «سيدي، هناك من يريد مقابلتكم.»

أجاب إيزيس ببرود:

— «أخبره أن ينتظر.»

سلّم نديم اللفافة لإيزيس:

— «أن تُفتح البوابة بهذه السهولة… يعني بأنهم ليسوا بشرًا عاديين، ويعرفون الكثير.»

رد إيزيس وهو يضع اللفافة جانبًا:

— «بل إنهم ينوون شيئًا أكبر. ضع الكثير من الحراس على مداخل المدينة، واحضر المزيد من السحرة.»

سأل نديم بقلق:

— «هل يعني ذلك احتمال هجوم قريب؟»

ابتسم إيزيس ابتسامة خفيفة، ونهض حاملاً الحجر:

— «ليس احتمالًا… بل أمر مؤكد.»

خرجا إلى المكتب. في الممر قال إيزيس:

— «أريدك أن تجلب لي كل المعلومات عن المدعو هارون، وأرسل فرسانًا لتفتيش برج السحرة ومعرفة آخر التطورات حول بوابة الأرواح .»

اعترض نديم متهكمًا:

— «آه… ألا ينبغي أن نأخذ استراحة؟ لم نسترح منذ ثلاثة أيام، هذا ليس عدلاً…»

تأمله إيزيس بنظرة ماكرة:

— «تطلب راحة الآن؟ يا لك من جريء.»

ضحك نديم بخفة وردّ:

— «بصراحة، نعم سيدي، أحتاج قليلًا من الراحة.»

ابتسم إيزيس بخبث:

— «راحة؟ يمكنني أن أرسل رأسك في إجازة طويلة عن جسدك. ما رأيك؟»

اتسعت عينا نديم، فأجاب مستعجلاً:

— «لا، لا! أفضل البقاء في الخدمة، سيدي. العمل ممتع حقًا!»

2

استدار مسرعًا وهو يتمتم:

— «اللعنة… إنه مجنون بالفعل.»

1

اقترب إيزيس من باب غرفته، فتحه بحذر… ودهشته بدت واضحة على ملامحه.

-----------------------

في أعماق بابل، توقفت العربة عند بوابة القصر.

نزلت ليانا، تتأمل البركة المزينة بأزهار اللوتس السحرية، وكأنها ترحب بها بصمت.

قال الحارس مبتسمًا:

— «أهلًا بكِ، سيدتي. لقد مضى وقت طويل.»

ردت ليانا بابتسامة باهتة:

— «شكرًا لك.»

تقدمت نحو الداخل، فإذا بصوت خشن ومندهش:

— «ليا؟»

التفتت مسرعة، وإذا به يقف على الدرج. شعره البني القصير، عيناه الخضراوتان تشعان بالأمل.

ملابسه الرسمية الخضراء المزخرفة بالذهبي تلمع تحت الضوء.

— «أخي!» ركضت نحو الدرج وعاَنقته بقوة.

— «اشتقت إليكِ كثيرًا…» قال وهو يمسح دموعها.

ثم تقدم رجل بخطوات ثابتة، شعره أسود مختلط بخصلات بيضاء، عيناه خضراوتان، صوته هادئ:

— «أهلاً بعودتكِ يا عزيزتي ليا.»

عانقته ليانا بحرارة:

— «أبي!» والدموع تنساب على خديها.

— «اشتقت إليكِ يا صغيرتي.»

بعدها احتضنتها زوجة أبيها، السيدة إيليث:

— «أهلًا بكِ، عزيزتي.»

ابتسمت ليانا وردت بلطف:

— «سيدة إيليث، شكرًا لكِ.»

والدها، صوته العميق يحمل دفء الحنان، قال:

«حسنًا، فلندعها تأخذ قسطًا من الراحة.»

-----------------------

في مكتب إيزيس، فتح الباب ليظهر رجل يقف أمام النافذة، يديه خلف ظهره ومعطفه الأسود الطويل مهترئ،

ومع ذلك لم تنقص هيبته شيئًا.

تقدّم إيزيس نحو النافذة متسائلًا:

— «صاحب السعادة؟ هذا أنت؟»

التفت أليه بنبرة حادة:

— «ألم أقل أن تكف عن مناداتي بهذا الاسم؟»

ابتسم إيزيس محاولًا التراجع:

— «آه… نسيت. متى وصلت؟ ظننتُ أنك لن تأتي.»

اقترب أدريان من الأريكة وجلس بهدوء:

— «واجهتنا مشكلة صغيرة في البحر، لذا تأخرت.»

جلس إيزيس مقابله، يعبث بمقبض إبريق الشاي بيده، وقال مبتسمًا:

— «هل أُسكب لك الشاي كما اعتدنا؟»

أومأ أدريان برأسه:

— «نعم.»

وضع إيزيس الكوب أمامه بابتسامة خفيفة:

— «تفضل.»

رمقه بنظرة هادئة وأشار إلى الكوب:

— «أضف قليلًا من السكر.»

تعجب إيزيس قليلًا:

— «ها؟ هل تشربه حلواً لهذه الدرجة؟»

رد أدريان باقتضاب:

— «ولم لا؟»

تمتم إيزيس بنبرة متفاجئة:

— «لقد تغيّرت…»

احتسيا الشاي بصمت. بعد لحظات، كسر إيزيس الصمت:

— «ماذا تنوي أن تفعل الآن بعد عودتك؟»

شرب أدريان رشفة أخرى، نظرته حادة ومملوءة بالغضب:

— «سأستعيد كل ما سُلب مني… لذا احتاج للختم.»

تردد إيزيس لحظة، ثم قال بحذر:

— «هل تدرك ما تخطو إليه؟ الطريق الذي اخترته لا رجعة فيه.»

رمقه أدريان بلا أي شعور، كأن الكلمات تتدفق من آلة باردة:

— «سرت هذا الطريق منذ عشرين عامًا… ولن أتراجع الآن.»

تنهد إيزيس واتكىء على الأريكة:

— «آه… لماذا الحياة قاسية هكذا؟»

ابتسم أدريان ابتسامة مريرة:

— «قاسية؟ ربما أصبحت أسهل بالنسبة لي.»

أنهى شايه ونهض. سأله إيزيس:

— «هل ستغادر الآن؟»

أجاب أدريان بحزم:

— «نعم. ولا تنس أن تحضر الختم وكل المعدات التي احتفظت بها.»

طمأنه إيزيس بصوت هادئ:

— «لا تقلق، هي محفوظة. هل ستتوجه إلى قصر آل إيفاندر؟»

أومأ أدريان ببطء:

— «نعم… إذن أراك لاحقًا.»

خرج أدريان بخطوات ثابتة.

حين رآه إيزيس يبتعد، شعر بثقلٍ في صدره، همٌّ وحزنٌ لا يطيقه إنسان عادي.

عاد إيزيس إلى مكتبه، أمسك بعقد مكتوب بحروف مسمارية قديمة، قبض عليه بشدة وتمتم:

— «هذه المرة لن أدعك تواجه كل شيء وحدك… أعدك أنني سأسقطهم جميعًا.»

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عيناك وبابل

المؤلف اورلينا نوفل ✨
2025/09/22 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة