لقاء غير متوقع

لقاء غير متوقع

89 0

       الفصل السادس:

بعد مرور يومين من الحلم الغامض، جلست ليانا في حديقة القصر، تتأمل الأزهار المبتلة بندى الصباح، والورقة الفارغة بين يديها.

حدّقت فيها بصمت، وهمست بخفوت:

— لم أتوصّل إلى أي شيء… كم هذا محبط.

اقتربت ماريا بخطوات هادئة، وانحنت قليلًا احترامًا:

— صباح الخير، آنستي.

ابتسمت ليانا برقة:

— صباح الخير، ماريا.

قالت الخادمة بأسف:

— بحثت اليوم أيضًا، لكن لم أعثر على أي مكتبة تشبه ما وصفته.

تنهدت ليانا بخيبة، ثم ابتسمت بخفة:

— لا بأس، ربما علينا سؤال من لديه معرفة أوسع.

ترددت ماريا قليلاً قبل أن تقول:

— ما رأيك أن نسأل اللورد سارغون؟ ربما يعرف شيئًا.

اتسعت ابتسامة ليانا:

— فكرة ممتازة… سأذهب ٲليه الآن.

نهضت وسارت عبر الممر الطويل المؤدي إلى غرفة أخيها سارغون، ووقفت أمام الباب، ودقته بهدوء. لكن لم يجبها أحد.

التفتت الى الممر لتسئل لكن لم يكن هناك احد.

عادت الى غرفة الضيوف وجدت الخادمة إيما، التي كانت تنظف الطاولة، وسألتها:

— هل سارغون ليس في غرفته؟

أجابت إيما بانحناءة:

— أجل، سيدتي… لم يعد منذ الأمس.

همست ليانا لنفسها وهي تدير ظهرها:

— منذ الأمس؟ هل هو مشغول إلى هذا الحد؟

ثم تمتمت بخفوت:

— حسنًا… سأراه عندما يعود.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في قاعة الاجتماعات، داخل القصر الامبراطوري، جلس الوزراء والمستشارون مستعرضين التفاصيل الأخيرة.

— «يصل الوفد غدًا،» المستشار الأكبر لورين ثيوس، وهو يراجع الملاحظات الأخيرة بعينين حذرتين، «أوركاسا إمبراطورية قوية، لم تُهزم في أي معركة منذ عقود… وكل خطوة يجب أن تكون محسوبة.»

أومأ الوزير ، متفكرًا:

— «يجب أن تكون حفلة الترحيب الكبرى أكثر دقة… القصر، الطعام، الموسيقى… كل شيء يبدو عاديًا للعين، لكن الحقيقة هي اختبار لقدرتنا على إدارة النفوذ والهيبة.»

صمت الجميع لحظة، يزنون الخطط والمواقف، يدركون أن زيارة أوركاسا ليست مجرد مناسبة دبلوماسية، بل مواجهة دقيقة تتطلب حذرًا ومهارة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مساء نفس اليوم، في قصر عائلة آل سيرافين، دقّ باب الغرفة بخفة.

— هل لي بالدخول؟ — سأل الصوت من خلف الباب.

— بالطبع، تفضل، أخي! — ردّت ليانا بنبرة متوترة.

دخل سارغون، وجهه يحمل آثارًا من القلق، وقال بنبرة هادئة وهو يجلس أمامها:

— سمعت أنكِ تبحثين عني… ما الأمر؟هل حصل لكِ شيء؟

1

ابتسمت ليانا، ونبرتها مطمئنة:

— اهدأ يا أخي، نعم لقد بحثت عنك، ولا تقلق أنا بخير. لكن يبدو أنك مشغول كثيرًا مؤخرًا… هل حدث شيء؟

أجاب وهو يمرر يده على جبينه بتعب:

— نعم… تلك "الغروتاك"، إنها لا تتوقف.

نظرت إليه باستغراب:

— غروتاك؟ ما هذا؟

استند على الكرسي وأكمل بصوت مثقل:

— الغروتاك… مخلوقات شبيهة بالغيلان، لكنها أكثر عنفًا وقوة.

— منذ فتح البوابة، خرجت بلا توقف… والسحرة عاجزون عن إيقافها.

ثم رفع نظره إليها وأضاف:

— لكن دعينا من هذا الحديث، ما الذي أردتِه؟

قالت بهدوء:

— حسنا... أردت أن أسألك ان كانت هناك مكتبة يمكن ان تتواجد فيها كتب متنوعة ونادرة في العاصمة؟

أجاب وهو يرفع حاجبيه، صوته يحمل الفضول:

— المكتبة القريبة من السوق… هل كانت هي؟

هزّت رأسها ببطء:

— لا، ماريا ذهبت إليها، لكنها ليست ما أبحث عنه.

فكر سارغون قليلًا ثم قال:

— حسنا... هناك مكتبة مهجورة، أُحرقت في حادث غامض، ولم يدخلها أحد منذ ذلك الحين.

يقال إنها كانت تضم كتبًا نادرة جدًا… لكن لا نعلم إن كانت سليمة بعد الحريق.

تألقت عيناها، وصوتها يحمل فضولًا:

مكتبة مهجورة؟ هل يمكن أن تكون قريبة من هنا؟

تساءل بصوت هادئ:

— لا… هي بعيدة في أطراف العاصمة، ومهجورة. هل تريدين أن تذهبي؟

أجابت ليانا بحماس لا يخبو:

— أجل، سأذهب إليها بنفسي.

وقف سارغون فجأة، ونبرته صارمة:

— لا... لن تذهبي! إنها بعيدة وغير آمنة.

ابتسمت بخفة محاولة تهدئته:

— لا تقلق، سأكون برفقة ماريا ومارك، سيكون كل شيء على مايرام.

أدار نظره عنها دون أن يجيب.

— أرجوك… أنا حقًا بحاجة للذهاب!

مسكت بذراعه، وعيونها مليئة بالحزن والإصرار.

نظر إليها طويلاً، غير مقتنع تمامًا، ثم قال بنبرة حازمة:

— خذي معك عددًا كافيًا من الحراس… ولا تنسي سحرة الحماية. لا أريد أن أسمع أنك تعرضتِ لأي خطر.

1

ابتسمت ليانا برقة، وعيناها تلتمعان بالإصرار:

— كما تشاء، أخي العزيز.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي صباح يوم الاثنين، صعدت ليانا إلى العربة متجهة نحو المكتبة المهجورة، وكل خطوة تقربها أكثر من أسرار لا يعرفها أحد بعد، والنسيم البارد يهمس في أزقة العاصمة.

وصلت ليانا بعد مسيرة متعبة عبر الأزقة المهجورة، تمرّ بين الأحياء الفقيرة وقد لفت انتباهها الشحوب في الوجوه، ونظرات الأطفال الجائعة، والبرد الذي يلفّ الأجساد بثيابٍ بالية.

تساءلت في نفسها:

كيف يمكن لمدينةٍ بهذا المجد أن تخفي خلف جدرانها هذا القدر من الألم؟

بعد برهة، توقفت العربة، فترجّلت ليانا منها ونظرت أمامها. ارتسمت أمامها بوابة ضخمة يعلوها الغبار وتتشابك عند أطرافها النباتات المتسلقة، كأنها مدخل إلى زمنٍ منسي.

تطلّعت حولها بعينين متسائلتين وقالت بصوت خافت:

يا إلهي… أهذه حقًا بوابة لمكتبة؟

قالت بهدوء لماريا:

— اسمعي ماريا، أمسكي بحقيبتي وابقِ أمام الباب، إن حدث شيء ناديني فوراً.

— لكن سيدتي، هل ستدخلين وحدك؟

— أجل، سأخرج بسرعة، لا داعي للقلق.

دخلت بخطوات مترددة، وفستانها الازرق الباهت يخطّ على الأرضية الرطبة، تاركًا أثرًا خفيفًا خلفها.

تلفّتت حولها بدهشة؛ فقد كانت المكتبة أشبه ببستانٍ سريٍّ نسيه الزمان.

الأعشاب نبتت بين الرفوف القديمة، وأغصان الأزهار تسلقت الجدران حتى امتزجت بالمصابيح الصدئة، أما الأرض فغطّتها طبقة من الطين والحصى، كأنها مستنقع مهجور أكثر منها قاعة كتب.

همست بإعجاب:

«واو... ما شاء الله! أهذه حقًا مكتبة؟»

رغم الغبار والعشب المتسلّق، أحسّت ليانا بأن هذا المكان ليس غريبًا عنها. كأن ذكرياتٍ مطموسة تحاول أن تطفو. تراجعت خطوة، وهزّت رأسها نافية:

لا، هذا غير ممكن... كيف يبدو مألوفًا وأنا لم أره من قبل؟

اقتربت بخفة ولمست أحد الرفوف بطرف أصابعها، وابتسامة شاحبة تلوح على ملامحها:

ما أجملها… وما أقسى أن تُحبس بهذا الصمت.

حركت يديها بخفة وقالت:

— «حسنًا، حان وقت البحث!»

بدأت تتنقّل بين الرفوف، تتصفح الكتب بعينين لامعتين، لكن دون جدوى.

«أه… كيف سأجده وسط هذا الكمّ الهائل؟ هل عليّ أن أطلب مساعدة ماريا… أم مارك؟»

رفعت ليانا رأسها نحو الرف العلوي، فلفت انتباهها صندوق صغير مغطّى بنقوش غريبة تشبه الرمز الذي حلمت به.

صندوق؟ ماذا يفعل هنا؟ لنرَ ماذا فيه!

مدّت يدها نحوه، لكن ارتفاعه منعها من لمسه. قفزت مرةً ومرتين دون جدوى، فوضعت يديها على خصرها وقالت:

حقًا… حتى الصندوق اليوم يتحدّاني!

نظرت حولها تبحث عن شيء يساعدها على الصعود، فلم تجد سوى حجرٍ كبير على جانب القاعة.

«رائع… هذا سيكفي!»

دفعت الحجر بصعوبة، يديها تغوصان في الطين، حتى وصلت إلى موضع الصندوق، تنفست بعمق وقالت:

«ها نحن ذا… لنرَ ما تخبّئه لي، أيها الصندوق العنيد.»

صعدت على الصخرة ومدّت يدها نحوه، أصابعها تكاد تلامسه، لكن المسافة خانتها.

رفعت قدميها محاولة الإمساك به، وفجأة انزلقت قدمها، فشهقت بخفوت وهي تتشبّث بالهواء.

قبل أن تهوي، امتدت يد قوية وأمسكت بذراعها بثبات.

رفعت نظرها سريعًا، لتلتقي عيني ذلك الرجل نفسه، واقفًا أمامها دون أي تردد.

لم تستطع ليانا أن ترفع نظرها بعيدًا؛ عيونه كانت ساحرة، تضيف وقعًا غريبًا على الموقف، خصوصًا وأنه ما زال يمسكها بثبات دون أن يهتز.

2

اقترب من أذنها وهمس بصوت هادئ يقاطع شرودها:

«هل هناك شيء على وجهي؟»

تسرب الخجل إلى عينيها، وسحبت ذراعها بسرعة وقالت مرتبكة:

«آه... اسفة... لقد تفاجئت فقط! »

أدار وجهه عنها ببرود، ثم مدّ يده لرفع الصندوق.

انبثقت بعض الأشواك في أطراف أصابعه، لكنه لم يُظهر أي ألم.

رفع الصندوق بسهولة، وقال بصوت هادئ:

— هل هذا ما كنتِ تبحثين عنه؟

تقدمت ليانا بخفة، تنظر إليه بقلق:

«نعم... ولكن… هل أنت بخير؟»

اقترب منها بهدوء، عيناه مثبتتان عليها، وابتسامة قصيرة على وجهه تعكس غرورًا خفيًا.

— ولماذا أنتِ قلقة هكذا؟

نظرت إليه بعينين صادقتين، صوتها هادئ:

«لأنني طبيبة… وأقلق على من قد يتأذى، لا أكثر.»

رفع حاجبه، ابتسم ابتسامة قصيرة تحمل سخرية خفيفة:

«طبيبة…وتقلقين على الآخرين؟ من المدهش أن يحمل جسد بهذا الحجم كل هذا القلب الكبير.»

1

نظرت إليه بانزعاج، وتمتمت بصوت منخفض:

««اطمئن، إن متّ فلن أزعج نفسي بعلاجك… إلا إن توسّلت ٲلي بطريقة لائقة.»

1

ثم رمقتْه بنظرة حادة وابتعدت وهي تكتم غضبها.

وقف يراقبها وهي تصعد إلى العربة، ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، لم يدرِ إن كانت سخرية أم إعجابًا.

«حقًا… هذه الجرأة… لا تُرى كثيرًا. وكم يبدو هذا الطول الصغير ممتلئًا بالقوة والعناد.»

بعدها اختفى وسط الشارع بلا اثر يذكر.

--------------------------------

وصلت العربة الى المنزل.

دخلت ليانا الى المنزل بعد رحلتها المتعبة، رٲت الخدم متوترون ويتحركون بقلق وجوههم تعكس الخوف والارتباك.

قبل أن تلتقط أنفاسها، ارتطم صوت مدوٍ من الطابق الثاني. هرعت نحو الصوت، لتجد غرفة سارغون في فوضى عارمة وعيناها تتسعان بالدهشة والخوف: المرايا محطمة، الأدوات متناثرة، ويداه مخدوشتان.

لم ترَ أخاها من قبل في مثل هذا الوضع.

«سارغون… ما الذي حدث؟» همست، وهي تحاول فهم ما حل بالغرفة ولماذا هو في هذا الوضع.

سارغون نظر إليها بعينين مليئتين بالغضب، لكنه لم يوضح شيئًا. فقط أشار إليها أن تبتعد للحظة:

«ليانا… لا تقلقي، أنا بخير.»

اقتربت ليانا منه، عيناها مصممتان، ولم تخفِ قلقها:

«أخي… دعني أرى جرحك، أنت تنزف!» أمسكت بيده برفق، محاولة تهدئة الألم.

سارغون حاول الابتعاد، صوته هادئ لكنه صارم:

«ليانا… لا حاجة لذلك. قلت أنا بخير.»

لم ترضَ ليانا بالرفض، قبضت على يده بإصرار:

«لا، سأعتني بك، فقط أخبرني ماذا حدث!»

قبل أن يتمكن من الرد، دخلت ليليث، زوجة الأب، بصوتٍ متصنّعٍ بالاهتمام:

«يبدو أن أحدهم فقد أعصابه الليلة… هل أخبرها أنا بما جرى؟»

قبض سارغون على يده المصابة وقال بحزم:

«اخرجي من هنا... »

اقترب، وهو يحاول كبح غضبه:

— «قبل أن أفقد السيطرة أكثر.»

ارتجفت ليانا، فهذه أول مرة تراه يرفع صوته على أحد، خصوصًا على السيدة ليليث.

«سارغون!» قالت بحدة، وقد اتسعت عيناها. «لا تتحدث معها بهذه الطريقة، إنها—»

قاطعها، صوته ينكسر بين الغضب والألم:

«أرجوكِ، ليانا… اخرجي.»

تجمّدت ليانا في مكانها، لم تصدّق أن يطلب منها الخروج بهذه النبرة.

بصوتٍ متقطع، وهي تحاول تهدئة نفسها:

«سارغون… لم أرَك بهذا الغضب؟.»

تراجعت خطوة، عيناها تحملان خيبة أمل صامتة.

خرجت بهدوء، تحاول كبح دموعها، وصوت الباب المُغلق خلفها يشعرها بفجوة بينهما لا تُرى.

وقف صامتًا، عيناه تتابعان حركتها، وقلبه يصرخ داخليًا.

وهو يقبض يده بقوة:

«سامحيني يا ليا… لم أكن لك الأخ الذي تستحقينه.»

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في جناح القصر الامبراطوري المظلم، وقف شاب بشعره الاشقر الغامق أمام النافذة الكبيرة، عينيه الخضراء كالزمرد تتأملان ساحة القصر الهادئة.

قال المساعد إرجون، ضامًّا قبضته إلى صدره بتحية سريعة:

سمو الأمير، غضب سارغون يزداد… وقد يتحوّل إلى مشكلة لا يمكن تجاهلها.

ابتسم الامير بخبث، واخذ سيجارة وقال:

«دعه يغضب… غضبه سيخدمني أكثر مما يظن.»

تردد الحارس وبنبرة حادة:

«كما تشاء ولكن... وصلتنا الأنباء... يبدو بأنها عادت إلى العاصمة قبل اربعة ايام تقريبا.»

أجاب وهو يخرج دخان سيجارته ببطء، وابتسامة ماكرة ترتسم على وجهه:

كنت متيقنًا أن هذا اليوم سيأتي… وأنها لن تستطيع الهرب مني.

ــ ولعبة الاختباء… انتهت.

الغموض خيم على شوارع بابل، المدينة صامتة، لكن الجميع شعر بأن الشرارة الأولى للقتال على وشك الاشتعال.

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عيناك وبابل

المؤلف اورلينا نوفل ✨
2025/09/22 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة