"علامة مجهولة"

"علامة مجهولة"

47 0

  الفصل الثامن

كانت الحديقة الخلفية مضاءة بأنوارٍ خافتة تتناثر بين الأشجار، ينساب منها ضوءٌ ذهبيّ ينعكس على سطح النافورة.

سارت ليانا بخطواتٍ مترددة حتى لمحته واقفًا هناك

شعره الأشقر يتلألأ تحت ضوء القمر، وعيونه الزمردية تتوهّج ببرودٍ غريب، كأنها تخترق أعماقها دون أن ينطق بكلمة.

ـ "سموّ ولي العهد؟" قالت بصوتٍ خافت.

استدار نحوها ببطء، ملامحه متّزنة، ونبرته هادئة مهذّبة:

ـ "أشكرك على قدومك، (آنسة سيرافين).

أعلم أن الأمر مفاجئ، لكني رغبت بالتحدث إليكِ بعيدًا عن الضجيج."

(ليانا) "بالطبع، سموك." قالت وهي تحاول إخفاء توتّرها، فوجوده على مقربةٍ منها جعل قلبها يخفق على نحوٍ غريب.

تقدّم خطوةً، ووقف مقابلها مباشرة، ونظره يتجوّل بهدوء على ملامحها المتردّدة قبل أن يسأل بنبرةٍ أخفّ:

ـ "هل كنتِ بخير في رحلتك؟"

أومأت بابتسامةٍ خفيفة وقالت:

"بخير، شكرًا لسؤالك."

ساد بينهما صمتٌ قصير لم يقطعه سوى صوت النسيم المتسلّل بين الأشجار.

أدار نظره للحظة نحو الحديقة، وكأنه يحاول كبح ما في نفسه، ثم أعاد بصره إليها قائلاً:

ـ "لماذا غبتِ فجأة، دون أن تتركي حتى رسالة؟"

رفعت عينيها نحوه ببطء، وفيهما تردّدٌ خفيف، ثم تمتمت بهمسٍ لا تكاد تسمعه:

ـ "وهل عليّ أن أترك رسالة..."

سمعها. ارتفع حاجباه قليلًا، وتقلصت شفتاه بنوعٍ من الضيق، شعر وكأنها تتعمّد الاستهزاء به.

ـ "ماذا قلتِ؟" سأل بصوتٍ منخفض لكنه حادّ، وعيناه تتصاعدان بالحدة.

شعرت بتوترٍ خفيف، ونظرت بعيدًا قبل أن تهمس بحذر:

ـ "لا شيء سموك... كنت فقط أتحدث مع نفسي."

رمقها بصمت، وكلما اقترب خطوةً تراجعت أخرى، مما جعله يتساءل بحدةٍ مكتومة.

اقترب أكثر، وكأن صبره قد نفد، ولمس يدها برفق:

ـ "(ليا)، ما الذي يحدث معكِ؟"

تفاجئت وسحبت يدها بسرعةٍ وارتدت إلى الوراء، قلبها يخفق بقوة من فعلٍ غير متوقّع.

شعر بغضبٍ يتصاعد داخله، قبض على معصمها بقوةٍ وجذبها نحوه.

وقفت متفاجئة، عيناها تتسعان.

صوته أصبح منخفضًا لكنه حاد:

ـ "ألهذه الدرجة بات وجودي يزعجك؟"

لم ترد، فقط حاولت سحب يدها دون جدوى.

حرك يده التي تمسك بمعصمها ليجبرها على النظر إليه مباشرة، بينما هي أمالت رأسها إلى الوراء محاولةً الحفاظ على مسافةٍ بينهما.

عيناه تلاحقان كل حركة لها، وصوته يزداد ضيقًا:

ـ "كفى محاولات، انظري إلي!"

رغم ارتباكها وتوترها، حاولت أن تثبّت نظرها نحوه وقالت بعزمٍ متردد:

ـ "سموك... لم أقصد إهانتك، لكنني تفاجأت من اقترابك... وهلا تركت يدي؟ إنها تؤلمني!"

ترددت أنفاسها، وصوتها حمل ارتجافةً خفيفة رغم محاولتها التماسك.

راقبها لثوانٍ، ثم تنبّه لشدة قبضته فخففها ببطء. نظرةٌ سريعة في عينيه كشفت خليطًا من الندم والكبرياء قبل أن يهمس بهدوءٍ متحفظ:

ـ "حسنًا... لم أقصد إيذاءك."

لكن قبل أن يتابع كلامه، اقترب أحد الفرسان بانحناءةٍ خفيفة قائلاً:

ـ "سموك، الرقصة على وشك أن تبدأ، والجميع بانتظارك."

تنفّس بعمق، ثم نظر إليها نظرةً سريعة وقال بنبرةٍ عادت إلى هدوئها المعتاد:

ـ "حسنًا... سنكمل حديثنا لاحقًا. هيا لنذهب."

رفعت رأسها نحوه وقالت بخفوتٍ متوتر:

ـ "اذهب قبلي، سموك. سأتوقف هنا قليلًا... ثم آتي."

تأملها لحظة دون تعليق، ثم استدار بخطواتٍ ثابتة وغادر، تاركًا خلفه صدى أنفاسٍ ثقيلة وارتجافًا خفيفًا في يدٍ ما زالت تؤلمها.

جلست على مقعدٍ خشبيّ بالقرب من النافورة، تحاول تهدئة نفسها، لكن الألم لم يخفّ.

رفعت يدها لتلمس معصمها وصرّت أسنانها من شدّة الوجع:

ـ "يا إلهي… ما هذا الألم؟ هل قبضته بهذه القوة؟ تبا له لقد اخافني. !"

ثم تمتمت وهي تغالب اضطرابها:

"لكن… إذا كان يعرفني حقًا، فلماذا كل هذا الغضب والكره في عينيه؟ ولماذا أشعر بعينيه نظرة الخذلان.؟

آه... ذاكرتي الضائعة تزداد ثِقلاً، كأنها تُعاقبني على نسيان شيءٍ كان يجب ألا يُنسى.

خفضت نظرها نحو يدها، تفرك معصمها الذي احمرّ من شدّته، وتمتمت بصوتٍ خافتٍ يكاد يُسمع:

ـ "عندما أعود... سأوبّخ ماريا، لم تخبرني أن ولي العهد يمكن أن يكون قريبًا مني لهذه الدرجة... أو حادّ المزاج هكذا."

وفي تلك اللحظة، لاحظت شيئًا غريبًا يحدث: وهجٌ أرجوانيّ خافت بدأ يظهر بين عروق معصمها، يلمع ويختفي بشكلٍ متقطع، وكأن شيئًا غامضًا ينبض داخلها.

ومع مرور لحظات، استقر الوهج على شكل ساعةٍ رملية صغيرة تتحرك ببطء، وكأنها تتنفس مع كل خفقةٍ من قلبها.

تجمّدت ليانا في مكانها، تحدّق في العلامة الغريبة التي لم تكن موجودة قبل لحظة.

امتزج في عينيها الخوف بالذهول، ومدّت يدها ببطء نحو الساعة الرملية الصغيرة، تكاد لا تصدّق ما تراه.

همست بصوتٍ مرتجف:

ـ "ما هذا…؟ هل أنا أحلم؟"

انسابت نسمةٌ باردة حرّكت خصلات شعرها، فرفعت بصرها نحو السماء، تحاول استيعاب ما يجري حولها.

أطلقت تنهيدةً طويلة خرجت منها همسًا متقطعًا مختنقًا بالرهبة:

"يا إلهي… أنا خائفة… كل شيء بداخلي خارج عن السيطرة… وكل ما حولي يثير الرعب…"

1

تسلّلت الدموع بصمتٍ على وجنتيها، تتلألأ تحت الضوء الذهبيّ المتناثر بين أغصان الأشجار.

هزّت النسيمات خصلات شعرها برفق، فأغمضت عينيها للحظة، والدموع لا تكاد تتوقف.

"إحساس غريب دبّ في جسدها، كأن أحدهم يقترب. فتحت عينيها ببطء، والتفتت… ولم تستطع رؤية إلا ظلّ مجهول يقترب بخطوات هادئة."

ــــــــــــــــــــــــــــــ

"لم تكن تعلم أن مَن يقف خلفها الآن… هو الشخص الذي سيوقظ بداخلها ما ظنّت أنه ضاع للأبد."

1

ياترى من هذا الشخص؟

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عيناك وبابل

المؤلف اورلينا نوفل ✨
2025/09/22 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة