الفصل السابع
كانت أشعة الصباح تتسلّل بخفة عبر ستائر الغرفة، حين فتحت ليانا عينيها بعد ليلةٍ شديدة الثقل، ملؤها القلق والأحلام المزعجة.
.
طرقات خفيفة على الباب قطعت شرودها، لتدخل ماريا بخطواتٍ مترددة قائلة:
ـ "آنستي، السيدة تطلبك لتناول الإفطار."
نهضت ليانا ببطء، رتّبت خصلات شعرها البني الطويل ثم غادرت الغرفة متجهة إلى قاعة الطعام.
كانت ليليث جالسة أمام المائدة، يحيط بها جوّ من الصرامة المعتاد.
تقدمت ليانا قليلاً وهي تقول بهدوء:
ـ "صباح الخير."
ردّت ليليث بهدوء:
ـ "صباح الخير، عزيزتي اجلسي."
جلست ليانا بصمت، قبل أن تسأل:
ـ "أين سارغون؟ لم أره منذ الأمس."
أجابت ليليث وهي ترفع فنجانها:
ـ "ليس هنا، ذهب في مهمة الى الحدود."
ساد صمت قصير قبل أن تضيف:
ـ " الليلة ستُقام حفلة رسمية بحضور الوفد القادم. عليكِ أن تكوني جاهزة."
ـ "هل عليَّ الحضور؟" سألت ليانا بتردّد.
ـ "بالطبع، يجب أن نظهر احترامنا للإمبراطور والوفد الضيف."
اجابت ليانا بتوتر:
ـ "حسنًا…"
بعد الإفطار، عادت ليانا إلى غرفتها، ألقت بجسدها على السرير وأغمضت عينيها للحظات، وهي تفكر بحفلة الليلة، لكن ذهنها لم يهدأ.
تذكّرت الصندوق الذي أحضرته من مكتبة المدينة القديمة. نهضت لتفتحه باستخدام المفاتيح الصغيرة التي كانت بحوزتها، لكن القفل لم يتحرك.
زفرت بتضايق ثم حاولت كسره بأداة معدنية، وفجأة انبعث من الصندوق وهجٌ أزرق باهر، ارتدّ على يدها فشعرت بحرارة حارقة.
ـ "آه!" سحبت يدها فورًا، لتلاحظ خطًا متوهّجًا كالرمز القديم يمتدّ على معصمها قبل أن يخبو تدريجيًا.
تمتمت بقلق:
ـ "سحر حماية؟ من وضعه هنا؟"
لم تجد وقتًا للتفكير أكثر، إذ دخلت ماريا تحمل فساتين عدة قائلة بحماس:
ـ "آنستي، يجب أن نختار ثوبك للحفلة!"
وقفت ليانا أمام المرآة، تحدق في انعكاسها، والألوان تتراقص أمام عينيها.
بعد لحظة، وقع اختيارها على فستان زهري مزخرف بخيوط ذهبية تمتد من الأكمام حتى الحافة، شعرت وكأنها لمست شيئًا مألوفًا لكنها لم تعرف ما هو.
جلست لتصفيف شعرها، بينما كانت ماريا تمشط خصلاتها بعناية.
حدقت ليانا في انعكاسها على المرآة وهمست بصوت متردد:
ـ "هل ما أراه الآن هو أنا… أم مجرد صورة قديمة ضاعت مني؟"
نظرت ماريا إليها بحذر ولطف:
ـ "كل شيء سيعود إلى نصابه، آنستي… ذكرياتك ستعود مع الوقت."
ابتسمت ليانا، وعينيها تلمعان بانتظار لا يعرف مداه:
"لقد مرت سبع سنوات… سبع سنوات من الضياع… ولم أستعد ما فقدته؟"
توقفت ماريا عن تمشيط شعرها للحظة، محاولة أن تجد الكلمات المناسبة، بينما شعرت ليانا بفراغ داخلي أكبر، وكأن جزءًا من حياتها لا يزال مفقودًا في الظلام.
نظرت إلى انعكاسها وتنفست بعمق، تخفي خلف هدوئها غصة لم تفارقها منذ الامس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع اقتراب الغروب، كانت العربة تنتظر أمام القصر.
صعدت ليانا برفقة ليليث، وعمّ الصمت معظم الطريق حتى قطعه صوت ليليث بنبرة جادة:
ـ "احرصي على التصرف بحذر هذه الليلة، لا نريد أي تصرف يجلب لنا العار."
التفتت ليانا نحوها قائلة ببرود:
ـ "وهل تظنينني طفلة لأفعل ذلك؟"
ـ "لقد فعلتِها وأنتِ طفلة، وربما تكررينها الآن."
ماذا.. !! ماذا تقصدين؟" تسائلت ليانا بتعصب.
لم ترد ليليث واكتفت بالنظر من نافذة العربة نحو أضواء القصر الملكيّ التي بدأت تلمع في البعيد.
ـــــــــــــــــــــــــ
عند الوصول، استقبلهنّ أحد الحراس قائلاً باحترام:
ـ "اهلا بكما لقد تأخرتما قليلًا."
اعتذرت ليليث بابتسامة رسمية، فيما بقيت ليانا صامتة تحدّق في بوابة القصر المهيبة، وقد زُيّنت بنقوش ذهبية تعكس روعة بابل في أوجها.
دخلتا القاعة الكبرى التي امتلأت بالألوان والموسيقى، النبلاء يتبادلون التحايا، والشموع تضفي دفئًا ناعمًا على المكان.
اقتربت ليليث من بعض سيدات الطبقة الرفيعة، وقد رفعت شعرها الأسود على شكل كعكةٍ أنيقة تزيّنها دبابيس فضية، تاركة ليانا لتتأمل الجموع حتى وقعت عيناها على هيلين، صديقة طفولتها.
ابتسمت الاثنتان وتقدمت هيلين لتعانقها قائلة:
ـ "ليانا! لم أركِ منذ زمن!"
ـ "وأنا كذلك، اشتقت إليكِ." ردت ليانا وهي تحتضن صديقتها.
وبينما تتبادلان الأحاديث والضحكات، خيّم صمتٌ مفاجئ على القاعة، كأن الهواء نفسه توقّف عن الحركة.
التفت الجميع نحو المدخل الكبير حيث انفتح الباب ببطءٍ مهيب، ودخل الإمبراطور يرافقه وليّ العهد.
كان حضورهما كفيلاً بإسكات الحشود؛ فخطواتهما الرصينة على أرض الرخام بدت كأصداءٍ من زمنٍ بعيد، تحمل معها رهبة الملوك.
رفعت ليانا بصرها دون قصد، فتجمّدت نظراتها للحظة عند ظلّ وليّ العهد.
وقف الجميع احترامًا، ثم جلس الإمبراطور في مقعده، فيما نزل ولي العهد بين الحضور ليتبادل التحايا مع كبار العوائل.
توقّفت خطواته عند ليانا، التي لم تلحظ اقترابه حتى سمعَت صوته الهادئ يقول:
ـ "لقد مر وقت طويل يا آنسة سيرافين."
التفتت نحوه بدهشة، ولم تتوقع أن يكون هذا اللقاء الأول بينهما بهذا الشكل. انحنت قليلاً قائلة:
ـ "سعدت بلقائك، سموّ ولي العهد."
ابتسم ابتسامة غامضة وأجاب:
ـ "أتمنى أن تكون أيامك في القصر أكثر هدوءًا هذه المرة."
كلماته جعلت قلبها يضطرب دون أن تفهم تمامًا ما يقصده، قبل أن يضيف بنبرة رسمية:
ـ "اسمحي لي، يجب أن أعود لمكانِي، يبدو أن الوفد وصل للتو."
من مقعده العالي، كان الإمبراطور يتابع المشهد بعينٍ ثابتة، نظرته لا تخلو من الفضول الممزوج بالحذر، كأنّ في ذلك اللقاء ما لم يُعجبه… أو ما أيقظ شيئًا كان يراقبه منذ زمن.
انفتحت الأبواب على مصراعيها، ودخل وفد إمبراطورية أوركاسا بخطوات منسّقة وهيبة واضحة.
كان زيّهم متشابهًا: ملابس بلون عاجيّ تتخللها زخارف ذهبية، وشعار الإمبراطورية مطرز في منتصف الصدر على شكل نسر فضيّ داخل دائرة من اللهب الأحمر.
الرجال والنساء يرتدون نفس النمط تقريبًا، مع اختلافٍ بسيط في التصميم — تنورة قصيرة للنساء فوق سروالٍ داكن، تضيف لمسة من الرشاقة دون أن تنزع عنهم الوقار.
لكن القائد الذي يتقدّمهم كان مختلفًا عن البقية؛ عباءة سوداء واسعة ذات بطانة حمراء ترفرف مع كل خطوة، توحي بالعظمة والسلطة، وتترك أثراً في الجوّ كما لو أن الأرض نفسها تنحني أمامه.
حين وقع نظر ليانا عليه، تجمّدت في مكانها، وأصابت الدهشة قلبها.
ـ "هذا مستحيل…" همست لنفسها.
كان هو ذاته الرجل المتعجرف الذي التقت به في المكتبة، والذي لم تنسَ تصرّفاته وكلماته الواثقة حينها.
انشغلت القاعة بالترحيب الرسمي، وتبادل الخطب والمجاملات، حتى اقترب أحد الحراس من ليانا وهمس باحترام:
ـ "آنسة سيرافين، سموّ ولي العهد ينتظرك في الحديقة الخلفية."
تجمدت قليلاً، ثم رفعت نظرها نحوه باستغراب:
ـ "في الحديقة؟ الآن؟"
ـ "نعم، قال إن الأمر عاجل."
ترددت لحظة، ثم نهضت من مقعدها وسارت خلف الحارس عبر الممر الطويل المضاءة جدرانه بالمشاعل الذهبية.
الفستان الزهري الذي ارتدته التقط وهج المشاعل، انعكس الضوء على طياته برقة، وكأن الممر بأسره يرافق خطواتها بصمت.
ومع كل خطوة، شعر قلبها بالتوتر يزداد:
ـ "لماذا استدعاني؟" قال قلبها بصوت أعلى من كلماتها، كل خطوة كانت تصنع صدى خوفها في أرجاء الممر.
اورلينا نوفل ✨