استدارت ليلى ناحية طريق المخزن القديم،
وأضواء عربية سودة بدأت تمشي وراها ببطء من بعيد.
جريت ليلى وسط الشوارع الضيّقة والمظلمة، أنفاسها تقيلة وقلبها بيخبط جوه صدرها كأنه طبل حرب.
شافت المخزن القديم قدامها، بابه الحديد نصه مخلوع، كأنه بيفتح بقه مستنيها تدخل.
طلعت موبايلها تبص على الرسالة تاني:
"تعالي المخزن القديم دلوقتي، هاقولك مين قتل سلمى."
دفعت الباب بشويش، فتحة صغيرة دخلت منها.
جوه كان ضلمة تقيلة، والهوا مليان تراب وريحة عفن، والمصابيح اللي فوق كانت بتتهز وتصدر صوت مزعج مع الريح.
وفجأة سمعت صوت خطوات وراها.
استدارت بسرعة...
كان الراجل بالمعطف الأسود واقف على بعد كام متر، رافع إيديه بهدوء.
قال بصوت بارد:
"إنتِ شجاعة يا ليلى… جيتي لوحدك."
ردت بصوت بيرتعش:
"مين اللي قتل سلمى؟ وليه؟"
ضحك ضحكة قصيرة وقال:
"سلمى كانت عارفة أكتر من اللي المفروض تعرفه… بس ماكنتش عارفة أنا مين فعلاً."
ورفع إيده وشال القناع اللي مغطّي نص وشه.
شهقت ليلى بقوة، حسّت الهوا اختفى من حواليها:
"مستحيل… إنت…!"
كان وش أبو سلمى.
قال بصوت مبحوح:
"بنتي كانت بتحفر في حاجات ما تخصهاش. كانت فاكرة إن لو كشفت الفساد اللي في البلد، الدنيا هتتعدل… بس ماكنتش عارفة إن الكل متورّط."
سألته ليلى ودموعها بتلمع:
"قتلت بنتك بإيدك؟!"
صرخ فجأة:
"ماقتلتهاش! هم اللي قتلوها… خلّوني أشهد على موتها عشان أسكت!"
قرب منها وقال بصوت مكسور:
"كنت عايز أساعدها، بس هي كانت ناوية تفضحهم، وكنت عارف إنهم هيقتلوها… وماقدرتش أحميها."
سألته ليلى:
"طيب… ليه أنا هنا؟"
مد إيده وطلع نسخة من الدفتر الأسود.
قال:
"سلمى خبّت النسخة دي، وقالت لو حصلها حاجة أوصلها للي بتثق فيه… وإنتِ الوحيدة اللي وثقت فيها."
ليلى خدت الدفتر بإيد بترتعش، فتحته، وشافت:
أسماء سياسيين، ضبّاط، تجار كبار، كلهم مشاركين في شبكة فساد، وسرقات، وجرائم قتل لأي حد يعارضهم.
قال الراجل بهدوء:
"دلوقتي إنتِ عرفتي الحقيقة… القرار ليكي يا ليلى."
بصّت له باستغراب:
"يعني إيه؟"
قال:
"يا تحتفظي بالدفتر وتعيشي… يا تنشريه وتموتي زي سلمى."
قبل ما ترد، سمعوا صوت عربية بتقف بره المخزن.
بص لها بعين يائسة وقال:
"لقونا… اهربي يا ليلى."
شدت الدفتر وركضت ناحية الباب الخلفي، بينما دخل رجالة لابسين أسود من الباب الأمامي، وصرخ أبو سلمى:
"ليلى، ما تضيعيش دم بنتي!"
خرجت تجري في الشوارع والليل حواليها، ماسكة الدفتر على صدرها والدموع نازلة على خدها.
رفعت راسها للسماء وقالت بصوت مكسور:
"سامحيني يا سلمى… أنا هكمّل اللي بدأتيه."
وفي اللحظة دي، سمعِت طلقة رصاص من جوه المخزن.
وقفت مكانها، جسمها اتجمد، والدموع غرقت وشها.
مسحت دموعها بسرعة، وكملت جري ناحية البلد، وهي بتفتح الموبايل وتصور صفحات الدفتر وتنشرها واحدة ورا التانية.
قبل ما توصل، جالها إشعار برسالة جديدة:
"إنتِ بدأتي حرب يا ليلى."
ابتسمت رغم الألم وقالت بصوت ثابت:
"خليها تبدأ."
aya sobhy