مُجَرّدُ كَلِمَتَينْ؟

مُجَرّدُ كَلِمَتَينْ؟

20 0

رائِحَةُ عطرٍ نِسائيٍّ مَألوف طافَت حولَ أنفِها، أحاطَت وعيَها الغَضّ وهيّجَت من الضّغطِ النّابضِ حولَ قُبةِ رأسِها..

انفصَلَت أَجفانُها تحتَ أنوار المَشفَى الخافِتَة.. للمرّةِ ال.. كم العَددُ حتى الآن..؟

فركَت عينَيها لتُشتت الضّباب فاتّضحَت ليزا التي تقتربَ منها بوجه متهلّل..

«أخيرًا..! هل أنتِ بخَير..؟ هل تشعرين بأي ألم..؟»

تُمسِكُ كتفَيها لتُعينَها على النّهوض..

"أنا بخَير.."

ضاعَت الجُملَةُ وسْطَ نفَسٍ مَبحوح فأمسَكَت عُنقَها بملمح مُنكمِش..

اتّجهَت ليزا لتَصبّ كُوبًا من القارورَة الزّجاجية على المِنضَدَةِ وقدّمته لها..

تجرّعته على نفَسٍ واحِد ثمّ اعتدلَت في جلسَتِها، رجعَت أحداث الليلة السابقة كالموجَة العنيفة..

«لا تقلقي أنا بخير، لكن كم نِمت..؟»

تنسلّ منها زفرَة ضائقة فيما تتفحّص أرجاء الغرفَة الفارِغَة قبلَ أن يستقرّ نظرُها على السّاعة الدّائرية جوارَ الباب..

«اثنا عشرة ساعة، وكأنكِ لم تنامي منذ عام..! لن تُصدّقي كيف مرّت الثّواني علينا كأنّها سنوات..»

مسّدَت شعرَها المبعثَر للخلف ومسَحَت على وَجهِها الدّافِئ..

مطّت أطراف ثغرها لابتسامة تستُر خِزيَ القلق الذي

سبّبته..

«آسفة، لكنّها فترة عصيبة بالنسبة لي..»

استدارت ليزا نحو أريكة بيضاء بعيدَة..

« أتفهّم شعوركِ لكن الاعتذار في مَوضِع كهذا هو إساءة لنا

يا عزيزتي، فالواجباتُ لا تُشكَر..»

ثُمّ عادَت تحمِل فستانًا بنيًا صوفيا فوضعته على السرير وشدّت ذراعيها برفق لتقف..

«والآن هيّا قفي، أُريدُ التّحدّث معكِ في أمر قبل أن أُعلِمهُم باستيقاظِك.. »

ساعدَتها في ارتدائِه ثمّ لفّتها وأخذَت تُضفّر شعرَها غافلَة عن الدّفء الذي أحسّته مِنها..

عائلة.. هذه الكلمة برّاقة جدًا، خمسَة أحرف يُمكنها حمل مَعانٍ ثقيلة، كالرّعايَة والحب والمَعروف دون مقابل..

نعم هم عائلة.. اعتادوا على معاملَة بعضهم بهذا

الاهتمام..

سحبَتها للنّافِذة جوار السّرير فتجاورَتا عليها، تُحدّقان في سَماء الصّباح الباكِر..

«حقيقةً كُنت أريد الحديثَ معكِ في أمر يخصّ آدم..»

سُكونُها المُربِك دفعَها للالتفات نحوها..

عيناها ذابلتان والعروقُ بارزة كبَرقٍ أحمَر يُحيطُ مُقَلَها المُنطفئة، تائهَةٌ في الأفقَ كأنها آلة معطوبة..

«سيلينا..؟»

التفتَت فَورًا كأنما انتُشِلَت من مكان آخر..

«آسفة، هل قلتِ شيئًا..؟»

ندّت عن ليزا ابتسامة مُتشنّجة..

«أعلمُ أنّكِ مُتعبَة يا عزيزَتي، لكنني أحتاج تركيزكِ لبَعضِ الوَقت، لن أُطيل..»

هذا صعبٌ حقًا في الآونة الأخيرة، مهما حاولَت الهُبوط تجد أفكارها تُقلِع بعيدًا دون هوادَة..

مسحَت على وجهها بأكفّ مُحمَرّة من برودة النّسمات وبعد نفَس طويل تحدّثَت..

تُدير كامل جسدها إليها..

«فهمت، هيا تحدّثي أنا مُصغية..»

« لم نستغرِب عندما أخبرَنا والدي أنه أحتاج لهذا الزّواج بسبب مصالح اضطرارية مع عائلة كورفال..

ولكن الصّدمة حقًا كانت في ردّ آدم، الذي وافق دون أيّ اعتراض..

بينما قد سبق وتم تدبير زواج تقليديّ لكنّه رفضَه تمامًا، رغم أن والدَ الفَتاةِ صديقٌ مقرّبٌ لأبي.. »

شُعور كجرَسِ الإنذار رنّ في رأسِها.. ضمّت يدَيها لصدرها تنوي إزاحة أفكارها لأبعدِ نُقطَة عن الحقيقة..

« جميعنا نعرف ألّا مفرّ من الزواج التقليدي أحيانًا، وهذا

ما حصل معنا أنا وآدم..

لكن ربما هو يُريد التخلّص من ضغوط والدته للزواج، إن كانت تفعلُ أقصد.. »

رمَت أكثَر شيء بديهي في مثل هذه الحالات، ومن حُسنِ الحَظ أنها أصابَت الحَقيقَة..

«لأكونَ صريحة، ففي الفترة الأخيرة ضغطَته أمي حتى بات يَتناولُ الطّعام في غُرفته كي لا تُفاتحَه بالأمر..»

«نعم فهمت..»

حطّ على وجه ليزا بعض الضّيق حين استرسلَت..

«لا أُريد التّدخّل بينكُما أو إخباركِ بشيء لا يُريدكِ أن تعرفيه لكن.. لأنّكُما ستعيشان معًا فمن واجبي إعلامكِ بذلك..»

أرهفَت سمعَها جيدًا..

«إن سبب إلحاح أُمّي هو خوفُها من أنه يرفُض بسبب مشاكله النّفسيّة، لقد مرّ بظروف سيّئة جدًا قبلَ ستّ سنوات..

جعلَته يبدو بهذا التبلّد، لستُ مخوّلَة لأقولها لكن.. أرجو فقط أن تُراعيه قليلاً من هذه النّاحية.. »

«لا بأسَ بالنّسبة لي، لقد أخبرَني..»

حتى مع ملاحظتها السابقة لهذا الأمر إلا أنها لم تكترث.. لقَد حدّدت مسارها وكيف سترشدها هذه العلاقة خلاله..

فلا ترى داعيًا للالتفات للهوامِش..

تغاضَت عن استغراب مُحدّثَتِها وأشارَت للهاتف على المنضدة الصّغيرة خلفها، بينما تستدير نحو السرير..

«ألا يجبُ إخبارهم بأنني استَيقظت..؟ لقد قلقوا بما فيه الكفاية..»

تُومِئُ وتتبعها فتتناول الهاتف، في حين جلسَت هي على طرف السرير، تمسح على الجُّرح؛ مُداراةً لتَعبِ الوقوف..

~~

~~

يَطوي ذراعَيه فوقَ مِقوَد السّيّارة ويُرخي رأسه عليهما.. نظرَته الضّجِرة تتركّز على لِياس الذي كُلّف بمراقبته..

فقد أُفرجَ عنه قبل ثلاث ساعات فقَط، يتثائب للمرّة الثّالثة تتابُعًا فيُقرّر النّزول لشراء شيء من المقهى..

أين جلس المُراقَب، ينتظر أحدهم على ما يبدو.. كان مُنشغلًا بتصفّح قائمة المشروبات..

عندما سمِعَ صوتها فرفّ قلبه بينما اتّهمَهُ عقلُه بالجنون.. جزم بأنه يتخيّل..

لكنّ تلك النبرَة التي زُرعَت في رأسه منذ أول مرّة جعلَته يُدير رأسَه بِبُطء..

لينظرَ من طرفِ عينه، كأنّما قُبضَ عليه في جريمة، يجدها قد قابلَت لِياس..

بصعوبة تُمسك أعصابها، زفرَت نفسًا كتمَته الكِمامة وتحدّثت بدون سيطرة على انفعالها..

«ها أنا قد جِئتُ كما طلَبتَ مني، فما الذي تُريد الحديثَ بشأنه..؟»

ما زالَ في طَورِ الاقتناع بأنّها ليسَت والدَتها، حتى إن امتلَكَت ذلكَ الغضَب الذّائب بلون عينَيها المذهِل.. فليسَت هي..

يفرّ بصره للأرض بزفرَة طويلة، ثمّ يَعود بملمح مُحكَم يُداريَ به ارتباكَه..

« أرجوكِ سامحيني..! أنا لم أقصد قتلَه، لم أنوي قتل أحد أساسا، لقد ارتكبتُ خطأً بكًذبَتي..

أعرف ذلك.. لكنني حقًا لم أتوقّع أن تصل الأُمور لهذا المَوصِل.. »

يقعُ بصره على قبضَتِها المُشتدّة ثمّ عيناها المُغرَورِقتان فيزدرِد ريقَه ويسترسل..

يتَمسّكُ بنبرَة خصّصها لتُثير استعطافَها..

«لقد نلتُ عِقابي، فأنا لم أهنَأ بليلَة واحدة منذ ذلك اليوم

تعبتُ كثيرًا في الإصلاحية ثمّ انتهى أمري بانهيار عصبيّ بسبب أُمّكِ..»

تردّد صدى كلمَته في عقلِها الفارغ، لحظَة الاستيعاب طالَت لانعقاد لسانها..

بينما استغلّ هو الأمرَ لقراءة مشاعرها من عينَين لا يرى سِواهما، أنّبَهُ ضميره..

فقد بالغَ في أمر الإصلاحية، نعم.. لكنه لم يكذب بشأن والدَتها..

وهذه هي النّقطَة التي وقف عليها، حينَ أجابَ سؤالها الذي خرجَ من زِحام التّساؤلاتِ في صدرها..

«ماذا فعلَت أمي..؟»

« لقد جاءَت إليّ في الإصلاحية وتوعدّت بأن تُدمّر حياتي

أرجوكِ يا آنسة سيلينا تحدّثي معها..

فها أنتي قد علِمتي بكل شيء ومُتأكّد من أنك تتفهمينني.. أعرف أنني أبدو وقِحًا..

ولكنني واثق من عقلانيّتكِ التي ستُنصفني.. فقط.. فقط ضعي نفسكِ مكاني..! »

لمَ بات الجّميع يثق بعقلانيّتها فجأة..؟ ماذا يعرفون عنها ليجزموا بأنها كذلك..؟

خُطورُ آدم على بالها تلك اللحظة كان آخر ما توقّعته، فقد رمى عقلُها السّؤال كَكُرة وأخذَت الإجاباتُ تدحرِجه بينها..

تُرى.. هل كانَ يشعُر بالقَهرِ مِثلَها الآن وهي تطلبُ مُنهُ الحَديثَ عن يومِ المَأساة..؟

انقبضَ قلبها فسارعَت لإنهاء اللقاء قبل أن تتلاشى سيطرَتها المُتزَعزِعة..

« أنا أعيش صِراعًا بسبب ظُروفِ هذهِ الحادثة، ولكنني سأُقدّر الأمر..

شرطَ ألّا تظهر في وجهي ثانية، وبشأن والدتي فلا يُمكنني فعلُ شيء معها، في النهاية إن المَغدور هو ابنها.. »

وأيّ ودٍ تملكه الأمّ لابنتِها كي تقتنعَ منها..؟ تَترُكُ صدرَها تنهيدَة بائسة مع وُقوفها..

لتُغادِرَ تاركَةً من شُلَّ تفكيرُه لفشل كلّ ما خطّط، فما فائدة أن تُسامحه ولا تمنع والدتها..!؟

يُغرِقه إحباط فظيع، فيقف دافعًا الكرسيّ بعنف ليجلِبَ بعضَ الأنظار، من بينِها بصر الشّرطيّ الذي يتفجّر غضبًا لجلوسها معه..

فقد تسمّر على أقربَ طاولة لهما، حيثُ شرب قهوة لم يُدرك طعمها..

وها هو يرفع الكوب لفمه مرّة أُخرى، غير واعٍ بأنه فارغ منذ فترة..

يقفُ بمجرّد أن ضمنَ مُغادرة لِياس، فقد كان ليتعرّف عليه بلا شك، مع علمِه بأنه مُراقَب..

ثُمّ يلحقَها حتى باب السّيّارة، فيُناديها..

«يا آنسة..! أيُمكنني أخذُ بعضٍ من وقتِك..؟»

التفتت مُستَنكِرة، بالكاد افترقَت شفتاها عندَما وقفَ السّائق مورغان بينهما..

يجمعُ ذراعَيه أمام صدرِه بنظرة حادّة، لم تهزّ شعرَة للشُّرطي الذي اغتاظَ لكنّه أخرجَ هُويّته..

«لا تفهمني بشكل خاطئ، أنا شُرطيّ وأحتاج للحديث معها قليلًا..»

يرتخي حاجباه لذلك ويستدير نحو سيّدته التي نبسَت..

«لا بأس يا سيد مورغان، انتظرني في السّيارة..»

يُطيعها السّائق فيقترب الضابط على عجلَةٍ، فشل في إخفاء رُعْنه..

«رُبما لا تتذكرينني.. لكنني الشّرطيّ من المَشفى، لقد رأيتكِ صُدفة أثناء دوريّتي في المنطقة.. »

«لا، أتذكّرُك..»

تخلّت عن طبعها بهذا الجفاء..

فمزاجُها الذي يفرض غيظًا مُتأجّجًا، لم يتّسع لابتسامة مُجاملة حتى..

غفلَت عن الحرَج الذي سبّبَته، لينطق بارتباك مفضوح بعد نحنحة بسيطة..

«أردتُ إلقاءَ التّحية فقط، أعتذر للإزعاج، وداعًا..»

ورؤيَة وجهكِ ولو لمرّة..!

لم يجرُؤ على إتمام جُملَته، رغم عدم تأكّده من حالتها العاطفية.. كأن هذا المانع الوحيد بينهما..

سارعَ بالمُغادرة، يشتمُ البلاهة الذي تتلبّسُه أمامها بينما طوَت هي ذراعَيها..

تراقِب ابتعاده بنظرة حادّة لم تستطع ردعَها أكثر.. زفرَت ممُتعِضة وركبَت تاركَة الموقف كُلّهُ خلفَها..

~~

~~

كعادته يعود من المعمل في العاشرة تمامًا، حيثُ تكون هيَ إما في غُرفتها أو جالسَة في الشّرفَة كما الآن..

يفتح الباب تسبقه في الولوج تحيّتُه..

«مساء الخَير..»

ليقفَ جِوارها، يرمي بصرَه للسّماء ويدَه تفكّ ربطَة عُنُقه السّوداء..

«مساء الخَير، أتحتاج شيئًا..؟»

أدرتُ رأسي بانتظار سببٍ مقبول لوقوفه جِواري..

فعدا الحاجة، ما الذي سيدفعُه لدخول الشُّرفَة بدلًا من الذّهاب لتبديل ملابسه بعد تحيّة عابرة..؟ كما في كلّ مرّة..

«كيف كان لِقاؤُكِ بذلك الشّاب؟»

بل كيف نسيتُ ذلك..

لقد أعلَمتُه صباحًا بذهابي ورفض مُرافقتي بشكل قاطِع

لكنه يريد أن يعرف التّفاصيل الآن..؟

تجنّبَتُ التقاء أبصارنا فتَحديقُه الحثيث لابُدّ أن يُربكَني..

«لقد طلبَ أن أُسامحه..»

طول صمته كان غريبًا، فلم يقطَعه سوى نفس خافت، بدا ثقيلًا كأنّه نفحَة من نار الغضب..

«وفعَلتي..؟»

رأيتُ اشتداد قبضتَيه، لا أدري كيفَ وماذا أقول..

« بدا منهارًا.. لا يمكنني القَول بأنني أمتلِك أيّ حقدٍ تجاهَه نعم كنت غاضبَة جدًا عندما علمتُ أوّل مرّة..

لكن.. هذا فقَط حدَث.. رغمًا عنّا جميعًا، أعني كرهته

أم لم أفعل، فقَط قُضيَ الأمر ولا فائدة من أيّ شيء..

أيضًا قال أن والدتي تُهدّده وترجّاني لأتحدّث معها.. »

هدوءه الشّديد لفّني إليه مجددًا، لأجِدَ بصره يحفر الأرض بحدّة، وكأنه يقتل الشّابّ هُناك..!

رفعَه إليّ فجأة، برود مقلتَيه المعهود يعودُ مُخيفًا قليلًا..

«إذًا سامحتِه..؟»

نبرَتهُ الطّبيعيّة توشّحَت بالحدّة، ليسَ وكأنّني نَسيتُ حقّه..!هو يعزّ عليّ أكثرَ مِنك..

«أنا لا أطيق رؤيتَه فماذا عن ذلك..! لكن القدرَ قد وقع وإن كان يمزّقني.. ليس لي من الأمر شيء..»

صمتُه يملَأ الأجواء مجددًا، ووجهه يرتخي تدريجيًا.. يده تُبعثرُ خصلاته البلاتينية بينما الأُخرى عادَت لجَيبه..

الآن فقَط تأكّدت.. إن كان في هذا العالم من يَشعُر بحُرقتي كما هيَ فعلًا، فهو آدَم بلا شك..

بدا لي أنه سرَح في تفكير آخر تمامًا، هل يرسمُ انتقامًا مثل والدَتي..؟ لا أظن..

لم يُظهر أي تعبير حتى عندما طالعَني فجأة، قبل أن يسأل

«والدَتك.. هل علاقتكِ بها سيّئة لهذه الدّرجة..؟»

لمَ فجأة..؟ لم أعرف ما يجب قَوله حقًا.. هل أُفرّغ شيئًا مما في جعبَتي..؟ أم أرمي أي حديث مُختصَر..؟

ما كنتُ لأدركَ تمدّد صمتي بعدما شردتُ مجددًا، إلّا عندما قال تاليًا..

«لا بأس إن لم ترغبي بالحديث..»

سيزداد المَوقفُ إحراجًا إن لم أفعَل..

سارعتُ بالوقوف تمهيدًا للهروبِ بعدَ كلامي..

«لا أبدًا، لكن نعم، فنحن لم نتحدّث منذ عِدّة سنوات.. ظننتُ أن آلبرت قد شرح لكَ الوَضعَ بالفعل..»

شعرت بانحباس الهواء في صدري فاحتجتُ سحبَ نفس عميق..

أطرَقَ بصرَه وضمّ ذراعيه لصدره..

«لم أعرف منهُ سِوى أنها تركتكِ لدى والدك عندما كنت في الرابعة.. وقرّرت الالتفاتَ لحياتها..»

أهيَ بهذه البساطة..؟

لقد لخّص قصّة حياتي في جُملَة..!

وكأنّها لم تكن أكثر من عشرينَ سنَة لم يبقى فيها وضع صعب لم أتكيّف معه، وكأن الأمر بسيطٌ بقدر نُطقه..

يضحِكُني ويُدمي قلبي في الوقت ذاته، ثُمّ يحقنني بحنين عاصفٍ لأخي..

لا أعرف كيف أخفي هذا الانكسار من وجهي، هشاشَتي ترعبني وضعفي المتزايد أمامَه يكسرُني..

جسدي يثقُل مجددًا..

أحتاج أن أتمدّد حالًا..

استأذَنتُ وكُنتُ سأغادر لولا يدُه التي حطّت على كتفي فجأة فرشقَتني برائحة آلبرت وتسوّدَ على صدري إحباطٌ ثقيل..

ربّتَ عليه جاذبًا بصَري المذهول..

« لا تحزَني، فالأمر قد انتهى، انظري أين وصلتي وكم قطعتِ فها أنتِ في حاضر يمكنكِ التّحكم به.. حقّقي هدفك ثُمّ عيشي كما تُحبّين.. »

انفجَرَت شلّالات من الحرارة على طول وجهي.. ما هذا..؟رفعتُ يدي، لمستُها، طالعتُها ببصري المُشوّش..

إنها دموع..! لكن لماذا..؟ مسحتها.. لم تتوقّف.. ضغضت عيناي.. لم تتوقف.. اعتصَرتُ عينايَ ولا تنتهي..!!

تستمرّ بالهطول وتتزايَد، أسمعُ ارتطامها برخام الأرض..! لماذا..؟

لماذا قلتَ هذا في هذا الوقت..؟ لماذا في اللحظات التي أُقاوِم فيهِا لأظَلّ واقفَة رغمًا عن كلّ شيء..

عطرُه المُتمدّد في الأجواء زادَ الأمر سوءًا..

إنه يجتاح محيطي.. يجلبُ الذكريات، ويُغذّي اندفاع دموعي هو قطعًا لن يفشَل في كسر أي تماسك أُبديه..

إنها مجرّد كلمتين..! لمَ كلّ هذا..؟ أينَ مكثَت كل هذه العبَراتِ قبلَ الآن..؟

كيف تنتهي بيَ كل الأحوال بالبُكاءِ أمامه..!؟ اللعنة..!

رميُ رأسي أرضًا كان كل ما استطعته لأَجل وجهي..

ظلّ مُتجمّدًا، لم يتحرّك أو يُعلّق بشيء، كما لم أستطع أنا.. ثمّ أخرج منديلَه الخاص..

رفعَه إليّ، لكن تجفيفَ دُموعي كانَ آخرَ هُمومي الآن، فأخذَ زمام المُبادرَة دون تردد..

ظلّ يمسحُها مِرارًا حتى لملمتُ نفسي بهلَع، بدأ عقلي يفقِد قُواه المنطقيّة، ولوَهلة تخيّلتُه آلبرت..!

أنّى ليَ السّقوط لهذه المرحلة..!! أخذتُ المِنديلَ بسُرعَة فتفاجَأتُ بهِ يُعيد جُزأَيّ غُرّتي المتمرّدَين خلف أُذُنَيّ..

«توقّفي عن البّكاء، اذهبي لترتاحي قليلاً وستكونين بخير غدًا..»

كُنتُ أمسحُ وجهي وأناشِد بعض الهواء من حَولي.. زفَرتُه بقوّة عسى أن أمتلِك نفسي مُجددًا..

«آسفة، لكني لا أستطيع التّحمّل، الكثير من الأمور اندفعَت ولا يمكنني السيطرة على عواطفي..»

«لا عَليكِ.. اذهبي للنّوم..»

تخطَّيته بسرعة..

بات الهُدوء حَوله صاخِبًا بينما يُراقِب ابتعادها حتى اختفَت عن نظرِه، فانفرَدَ به أثرُها..

تسلّلت رائحتُها لذاكِرَته، خفيفَةٌ وباردَة كنَسمَة صباحيَة مُنعِشَة، لكنها اختفَت معَها كأنّها لم تكُن..

إحساس شعرِها المموج حكّ كفّه، رفعَ يدَيه دونَ وعي لترتطِمَ الرّائحة مُجدّدًا بأنفِه..

وحينَ فرَكَ أصابعَه تكاثفَت أكثَر، علِقَت على يدَيه فقَط..؟

ما هذه الرائِحَةُ بالضّبط..؟

استدار ليدخل فانتبه لملابسه، لم يُبدّلها بعد، لكنّ فكرَة إخراجها من الغرفة ليفعَل مرفوضَة تمامًا في هذا الوَضع..

وبهذا انقضى ليلُه الأرِقُ بقَميصِه الأبيض، مُكتَفيًا بخلعِ سُترَة البِدلَة..

~~

~~

استندَت بتَثاقُل على السّرير، طالعَت ما حولها عابِثَة بشعرها المُبعثَر ثمّ الساعة مقابلها..

تُخبرُها الحاديةَ عشرَ بأنّها فوتّت الإِفطار، لكنّها لا تتذكّر مَجيء أحدهم لإيقاظِها أصلًا..

ربّما أخبرَهم بألّا يفعَلوا..؟ حَقيقةً مِن الجّيّد أنه فعَل.. نظرًا لطاقَتِها المَعدومَة للمُجامَلات..

تلِجُ الحمّامَ فتُغيّرُ الضّماد كالعادَة ثمّ ملابِسَها قبلَ أن تقِفَ أمامَ المِرآة، تفرّ منها زفرة مُتحسّرة لانتفاخ وجهها من البُكاء..

فتُدلّكُه بحرَكاتٍ عَشوائيّة، ثمّ تُظفّر شعرَها فوق كتِفها الأيمن، مُراعاةً لذراعها اليُمنى بسبب الجُرح..

لا تملكُ وقتًا كافِيًا للانهيار، فقَد حانَ وقتُ القَفز للمَرحلَة التّالية معَ عمّتها، لذا تنزِلُ للمَطبَخ في الطّابقِ الأرضيّ..

حيثُ التقَت الطّباخَ الذي هرَع إليها بِمجَرّد أن دخلَت..

«سيّدة سيلينا..! تفضّلي، كيف يُمكنني مساعدَتك..؟»

تتجاهَل ارتباكه الواضح أمامها بينما يتقافز بصرَه المتوتّر من الأرض لوجهها مِرارًا..

«هل يمكنكَ إفراغُ المطبَخ من العاملين لبَعض الوَقت..؟» «بالطّبع سيّدتي.. تودّين إعداد شيء..؟ يمكنني مُساعدَتُك»

«لا، شكرا لك، فما سأفعلَه لا يتعلّق بالطعام..»

يبتلع فضولًا حمَلته نظرتُه الأَخيرَة ويُومِئ إيجابًا..

ثمّ يُسارِع لحثّ العاملين على المُغادرَة، قبلَ أن يَرميَ وَداعَه ويَخرِج مُغلِقًا الباب..

فتنفرِد هيَ بالمكانِ كما أرادَت، تنشرُ وشاحَ كتفَيها على ظهرِ المَقعَد حول الطّاولة الوَحيدَة وتُفتّش الأَدراجَ عَن سكّين مناسبة..

تُخرِجُها قبلَ حبَة بطاطس خَضراءَ جافّة كانَت في جَيب فستانها الصّوفيّ وتبدَأ بتقشيرها فوق الحافة الرّخامية..

ترمي الحبّة الفاسدة في القمامة ثمّ تُقطّع الشّرائِح لحجم أصغر بالسكّين..

وتضعُ آخر اللمسات على الفُتاة بالمدقّة حتى استصعَبَت رؤيَتها كما كانت تبتغي..!

ترفَعُ غُرّتها وتزفرُ نفس راحَة بمجرّد أن ملأَ الفُتاة البني عبوَة صغيرة حتى منتصفِها..

تستدير فترفُعها نحو الضوء لتتأمّلها، المَرأَة التي جعلت حياةَ طفلَة بريئة جحيمًا على وشكِ أن تأخُذَ عقابها..!

يلسعُها صّداع حاد، فيُجلِسها على أقرَب كُرسيّ خلفها لتتفادى السّقوط..

تنزلقُ العُلبَة على الطاولة حيث هبطَت يدُها، ويهوي رأسها المُحاصَر بشريط الذّكريات للأرض..

حاحباها يتقطّبان بنظرة حادّة.. أخيرًا سَتردّ اعتبار تلك الأيام السّوداء..؟

حينَ كانت مجرّد طفلة، تجدُ نفسَها مَحطّ افتراءاتِها طَوالَ الوَقت، استغلالًا لغِياب والدِها..

لم تدّخر جُهدًا لتُعايُرها بأفعال والدَتها المُشينَة أو ذِكرها أمام الغُرباء، وكأن لها ذنبًا فيها..

فضلًا عن تعمّدِها التّفريقَ بالمُعاملةِ بينَها وبينَ أخوَيها.. نعم لم يصل الأمرُ للضّرب _غالبَ المرّات_

لكنّ الكلماتِ كانَت عن ألفِ سَيف..

تتذكّر شَكواها المُتكرّرة لوالدها الذي غاب عن نظرها أكثر من قلبها..

ولم تنسى يومًا ردّه الثّابت بذلك الصّوت والوجه الجافّين..

"عمّتكِ تُربّيكِ فقط، لا تكوني حساسة يا سيلينا"

تَعمّق عقلها بالذّكريات حتى جاء بتلك الليلة الأسوَد مِن شعرها..

حين تحوّلَت آلامُها لغضبّ مكبوت وشاخَت روحُها الفَتيّة ألف سنة..

بعد نعتِها بلفظِ سوقِيّ في أحد التّجمعات العائلية لتضَعَها في مرمَى النّظرات المُهلِكَة..

أبصارٌ مُشفِقَة وأُخرى حزينَة ممن حافَظ على ضَميرٍ حي..

جعلَتها تخرُج من المكان بدُموع تحجُب غزارُتها الطّريق وقلبٍ يضرب ضلوعها قهرًا..

تفرّ منها شهقُة خافتَة قبل أن تشحذ همّتَها، تمسحُ بوادرَ دموعها عندما تقف بيدِها العُلبة..

تُخفيها في جَيبِها وتعودُ لغُرفتِها التي يُفترَضُ أن تكون خاليَة منه في مِثل هذا الوقت..

لكنها ذُهلَت برؤيتِه مُتمدّدًا على السّرير فورَ أن دخلَت..

«مرحبًا..»

القَيتُ تحيّة مقتضِبَة، ليته يكون نائمًا.. سارَعتُ خُطواتي للهاتف الأرضيّ أشتم في سرّي وجودَه على المَكتَب المُقابلِ له مُباشرة..

لكنّه لم يرُد، تنّفّستُ الصّعَداء لأنه نائمٍ حسبما رأيتُ من طرِف عيني..

حاولتُ تَخفيف ضجّتي بينما أضَع الرّقمَ المَطلوب حتى ردّ آرون..

«من يتّصل..؟»

«إنها أنا يا آرون..»

اصطدمتُ باللهفة في صوته..

«عزيزتي! كم مضى من الوقت لم أسمع صوتك..؟ أكثرُ

من أربعة أيام..؟ لا تدرين حقًا كم افتقدتكِ يا سيلينا..»

«استمع لما سأقوله الآن..»

تجاهلت الإحباط المتجلّي بزَفرَته الحارّة..

استرقتُ نظرةً أُخرى إليه، فوجدته يتمدد على جانِبه.. مُحدّقًا فيّ بلا تعبير..

متى استيقظ..؟ بل هل كان نائمًا أصلًا..؟ ازدردتُ ريقي، فها هو يُحدّق في وجهي.. لمَ يبدو وكأنه يراقبني..؟

لملمتُ تشتتي وتنحنحتُ على مضض مسترسلة

بالحديث.. لم أجد سوى سلك الهاتف لتفريغ توتّري بلفّه..

«أريدكَ أن تأتيَ إليّ حالًا..»

«حسنًا..»

وضَعتُ الهاتف والتفتّ لأجدَه جالسًا على طرَف السّرير..

«إذًا كيف ستَبدئين انتقامكِ..؟»

بالطّبعِ تجاهُلُ سُؤاله ليسَ ضِمنَ خياراتي، خُصوصًا بتلكَ النّبرَة الباردَة كوَجهِه..

سحبتُ الكُرسيّ عن المكتَب البَعيد وجلستُ مُقابله على مسافَة جيّدة، فأخرَجتُ العُلبَة..

«هذا مَسحوقٌ من قُشور البطاطا الخَضراء، وهو مادّة سامّة..»

علّق بينما يُعدّل جِلسَته، ليُسنِدَ ذراعَيه على رُكبتَيه وُيسندَ ذقنَه على جسر من أصابعه..

«لا أظنّكِ ستَقتلينها، إذًا ما الهدَف من السّم..؟»

لم يَبدو عليه أي استنكار لما سأفعلُه..

«أنتَ مُحق.. فهوَ ليسَ مُميتًا، هو يُسبب آلامًا للمعدَة ومشاكل هضمية قوية طوالَ فترَة تناولِه، لا أكثَر..»

«أتكرَهينَها لدرجَة أن تُعذّبيها هكذا..؟»

أيُخيّل إليّ أم أنه يردّ سؤاليَ عن لورا الآن..؟

لم أكترث، فما كان ليَختلِف عن الجميع، يظُن أنني عِشتُ حياة عظيمة في كنف والدٍ لم يبخَل عليّ بأيّ شيء..

غافلينَ عن عاطفتِه اللعينة، إن كان سيرافقني في هذه الرحلة فلابدّ من قتلِ أي شكّ قد ينتابه حول المدى الذي قد أصِلُه..

أنزَلتُ بصري لوَهلَة، ومع نفسٍ عميق رفَعتُ غرتي التي سقطَت كالعادة..

«لقد أذَتني كثيرًا يا آدم ولأوّل مرّة أشعرُ بأنني أستطيع ردّ ذلكَ لَها..»

كم أكرُه تذكّر ما يتعلّق بها..! أرخيتُ يدي عن الفُستانِ حين آلمتني..

« لقَد صمَدتُ طويلًا، بل طويلًا جدًا، وبعد الجراحة شعرتُ بغضَب عارم، أصبح كلّ ما حولي مؤلمًا وقاسِيًا..

خصوصًا بعدَ فِعلَة عمّتي في المَشفى، فحينها أدرَكتُ أنّ التّجاهل ما عادَ يُرضيني، أريد أن أشفيَ هذا الغَليل في صَدري.. وسأفعَل.. »

ارتجَف صَوتي لكنني استمررتُ، فقد توالَت الكلمات ولم تنضَب..

لم أعرف أنني صرت أحتاج للحديث ولَم أتوقّع أن يكون معَه.. هذا الغريب..

« شعورُ الخُذلان الذي تضاعَف أكثَر من أي وقت، الخوف والقلق، الهلَعُ من النّوم..

ثمّ الاستيقاظ في المشفى على ذاتِ الكابوس.. كل خيطٍ ربطَني بهم كان مُؤلِمًا لذا قرّرتُ قطعَها كلّها.. »

رفَعتُ رأسي لأسحبَ الهواء، فقد بدأ يختفي في بوادر نوبَة هلعٍ أعرفُها جيّدًا..

ثمّ وجَدتُه أمامي، حيثُ حطّت يداهُ على كتفَيّ..

«سيلينا.. اهدَئي فلا شَيء يدعو للخَوف الآن..»

نظرتُ إليه.. تأمّلتُ هدوءه.. صلابةَ تعابيره.. كما لو أنه مِرآة

لحَجم ضَعفي.. نعم، أنا بخير.. يجب أن أهدَأ..

شعرتُ بأنفاسي تنتظم مجددًا، فتراجَع لمكانه تزامنًا مع طرقِ الباب، والذي وقف كِلانا بَعدَه..

لا أعرفُ أين سيَذهَب لكنني متأكدة من أن العاملة ستُعلِمني بقدوم آرون..

لذا هذّبتُ خصُلاتي على مضَض وفتحتُ البابَ بينما دخَل هو غُرفَتي..

«السّيّد آرون ينتظركِ في الأسفل يا سيّدة سيلينا..»

«حسنًا، يُمكنكِ الذّهاب..»

عُدتُ لأخذِ العُلبَة عن المنضدة فإذ به يَخرُج مُصفّفَ الشّعر وقد كان جالسًا بملابسِ خروجه بالفعل..

لماذا عادَ إن كان سيخرُج مُجددًا..؟ لأول مرّة يفعل هذا.. هممتُ بالخُروج فأرجع خطوتي بسؤالِه..

بينَما يرتدي الساعَة..

«كيف حال الجّرح..؟»

تابعتُ تهذيبَه ياقَة مِعطفِه الأسوَد الثّقيل..

«جيّد..»

«تناوَلتي الأدوية؟»

ما هذا الآن؟ أشعر بأنه أب يُؤمّن ابنته قبل الذّهاب للعمل..

«أجل، تناولتُ المُسكّن، فلا أستطيع الوقوف بدونِه أساسًا..»

«جيّد، أراكِ لاحقًا..»

وخرَج قبلي فتبعتُه..

تُرافِقني آلالف التّساؤلات التي تزداد كلّ ما طال وجوده في حياتي..

ما زلتُ لا أجدُ قالبًا لتصرّفاته.. أهي عناية..؟ مسؤولية..؟ أم شفقَة، ما الذي سيستفيده من مساعدَتي..؟

في كل مرّة أنهار يكون هو أول الدّاعمين، يحثّني لأنتقم كأنني أفعل ذلك من أجله..

مسَح دُموعي عندما بكيت، ويسألني عن حال الجّرح طَوال الوقت..

وكأن الأمر واجِبَه! وكأنه مُلزَم بذلك شاء أم أبى..! شيءٌ مُربِك.. شخص مثله.. بارد وبمشاعرَ مضطربة..

كيف لي أن أفهم ما يدور في رأسِه..؟ أو ربما.. لا داعي لذلك أساسًا..؟

نعم، سأتعامَل معه كما يجبُ حتى النهاية، وبعدَها سأتحرّر ويذهَب هو في سبيلِه..

يُلْحَـــــقْ..

أتمنى إنه الفصل نال إعجابكم.. 🍁

أيّ ساعة تستضيفُ جلستَكَ اليوم..؟

📍

وإلى لقاء آخر إن شاء الله..

أي شيئ سيئ يُذكر داخل الرواية من قتل شتيمة أو غيرها هي أفعال سيئة وضِعَت خدمة لأحداث الرواية ولا أشجّع علَيها أبدًا

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كهرمان

المؤلف nabiola_as05
2025/06/27 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة