ضَوء خافِت وشمسٌ بنصفُ حضور، تسببت بهما ستائر النافذة الضّخمة أمامهما..
أبصارُهما تتقافَز برعونَة في المكان.. من الثّرية الذّهبية معقّدَة التّصميم إلى الأرائك الخضراء الوثيرة..
وقد انسجَمَت مع اللون الرّمليّ للجدران ودرجاته في السْتائر وباقي الأثاث بشكل فاخر، وَجِل يخطِف الأذهان..
«مساء الخير، نعتذر للتأخير..»
نبسَ آدم مع دخولهما.. بالكاد ردّ واحد بينما انلجَم الآخر وتعلّقَت أعينهم عليها..
ازداد افتراق أجفانهما بنظرات مَذهولَة.. مُطوّلة، تفحّصَتها بالكامل..
بينما تتجّه للأريكَة المُقابلة لهما غير آبهة، فجلسَت بجسد مشدود، نظرتها صارمة نحوهما..
تبتَعِد مسافة بسيطة عن زوجها، وتحاول امتصاص بعض هدوءُه المُدوّي..
يجلسُ بأقدامٍ مُتشابِكَة ويَحتضِنُ ذِراعَيه، تنحنَح أحدُهُما فور أن تمالَك نفسَه واستهلّ..
«سيّدة سيلينا.. لقد تلقّينا بلاغًا من فتاة، تقول أنّك عالجتِ جروَها بشكل خاطِئ مما أدى لوفاته..»
التفتَ لها آدم بينما ردّت هي فورًا..
«هذا لم يحدُث حضرة الشّرطيّ..»
«إذًا حدّيثنا بما حصل رجاءً..»
كُنتُ أعرف، كذّبتُ حدسي الذي لم يخنّي لمرّة وصدّقت أن كل ملاحظاتي ضرب من شكّ مرضيّ..
لكن ها أنا أراه يسخر مني على هذا الموقِف.. أيّا يكُن، فقد شرَحت كلّ ما حدث..
حتى آخر نقطَة حيث سألني ذو الشعر البني ونظرته السوداء تخترقنا بحدّة..
«هل لديكِ ضغينَة مع أحد تشعرين بأنه قد يتّهمك..؟»
حسنًا باستثناء لورا التي اعتذرَت وعمّتي التي ستفعل أكثر بعدما تكتشفني.. لا أبدًا، لا أملك أي أعداء..
«لا..»
أجبتُ بثقة..
حانَت مني طرفَة لآدم، كان كالتّمثال لم يتحرّك لإنش.. نظراته باردة نحوهُما..
كأنه لا يُفكّر أصلا أو ربما يُفكّر بعُمق..؟ لا فكرَة لديّ، بوابة عينَيه مُوصدَة تمامًا..
ودائِمًا يَضعُني على نصل هذا الشعور المُستفز.. عندما تبدو كل الخيارات صحيحة وممكِنة..
ما الذي يدور في ذلك الرأس البلاتينيّ..؟ وقف الشّرطيّ فجأة وتَبِعَه صاحبُه الذي ما زال يُحدّق فيّ..
حاجباه يُوشِكان على الالتصاق.. لم يُنزِل عينَه عني للحظة ليس كأوّل مرة عندما التقَيته بعد أن قابَلتُ لِياس..
فقَد بدا أبلَهًا ومُزعِجًا، أو رُبما شوَّه مِزاجي الحقيقةَ وقتَها..؟ وقَفنا معهما وتحدّثُ الشُّرطيّ..
«في وضع آخر كُنا سنصطحِبكِ معنا يا سيدة سيلينا، لكن تقديرًا لوضعكَما الاجتماعيّ سننتظرُ مجيئَكم دون أيّ إحراج وذلك بعد ساعة من الآن..»
لسبب ما، لَم أشعر بالاطمئنان تجاههم، خصوصًا ذلك السّاكت.. يحدُجني كأنما قتلتُ له عزيزًا..!
سبقَني آدم بالرّد..
«سنفعَل بالتّأكيد..»
قبل أن تُرافقَهُما العاملة للمخرَج بينما أخذت أنفضَ ملابسي..
خرَج من مساحة وعيي فلم أتذكّر وجودَه إلا عندما سألَ..
«ماذا تفعلين..؟»
سترتُ حُمرَة وجهي باستدارة سريعة، أرُدّ بصوتٍ زيّفتُ ثباته..
«إنه.. فقَط.. أشعر أن نظراتهم تلتصق بي، حتى بعد رحيلهم
الأمر محرج، لكنني أفعله دون تفكير..»
اللعنة.. أشعر بحرارة وجهي تزداد، لابدّ أنه رآني غريبة أطوار.. كدتُ أمزّق قُماشَ الفُستان..
أرجوكَ أنهي هذا الحِوار، لا تسأل أكثر، أرجوك..
«حسنًا.. إن احتجتِ للاحتماء بي في أي موقف فلا تتردّدي»
شعرت أن صَوتَه البارد يُطفِئ حرارة وجهي، كلماته دارَت دون قرار في عقلي..
ربما يجب أن أفعل، أحتاج للتشبّث بكل ما يفيدني حتى النهاية..
مشى أمامي نحوَ السّلالِم فصَعِدنا معًا..
لا مانع أن أستفيد من وجوده معي، بالفعل إن الشّرطي الأول لم يُكرّر النّظر طوَالَ الجلسة..
وأيّ رجل يجرُؤ على لمحةٍ واحدة لامرأة بجانب
زوجِها..؟
مع هذا.. زميلَه قد تجرّأ..! لكنّ نظرَته كانت شيئا آخر تمامًا.. غضبًا وليس إعجابًا..
زفرتُ بقوّة، كأنني بذلك سأستعيد السّيطرة على فوضى أفكاري.. المهم الآن هو التّخلّص من هذه المُصيبة..
بِذكّر تصرّفات الفتاة، فهي كانت غريبة بوضوح، واتّهامها لي رغم أنني لم أُعطه سوى مُهدّئ لتتمكّن من حمله فقط..
يدعم فكرَة أن هناك من يتربّص بي، بل ويُحاول تشويه سمعتي، لا يَخطُر لي سوى شخص واحد..
ومع هذا فلا أملك الاقتناع الكافي بظني لتأكيده، هي قد جددت اعتذارَها الذي لم اقتنع به قبل ساعة فقط..
جلستُ على طرف سريره أصبّ نظري على باب غرفَتي أترقّبُ خروجه كي أُبدّلَ ملابسي أيضًا..
بضعُ دقائق فقَط قبل أن يظهرَ فأقفَ، يرتدي بذلَة سوداء بالكامل.. عملية أكثر من كونها رسمية..
أبرزَت عينَيه وشعرَه المصفف للخلف أكثَر، كما تناسقَت مع ساعته المرصّعَة الألماس..
كأنها تُثبتُ لي ما يُقال عن حرصه الشّديد على مظهرِه..
«أعتذر إن تأخّرَت..»
«لا بأس، انتظرني لربع ساعة على الأكثَر..»
تخطّيتُه لألِجَ الغُرفَة لكن ليس رائحته.. فقَد أيقظَت أثرَها الرّاسخ في أنفي وثبتت حتى بعد ما ابتَعَدت..
هذا عطر أخي الذي شاركَه معه دونًا عن أيّ شخص آخر
لا أفهم.. منذ متى يعرفان بعضهما..؟
أنا حتى لا أدري متى بدأَت بالضبط أو حتى كَيف..؟ ترامَتني الأفكار بينها كالكُرَة، رغم أنني انشغلت بتحضير نفسي سريعًا..
قطعَة شتوية بعنق طويل، تحتها تنورة بنية قطنية وتحتضنهما سُترَة طويلة تشتد حول الخصر قليلاً فتُخفي جديلَتي داخلَها..
ثمّ خرَجتُ واتّجَهنا للمَركَز، كُنت أرتدي كِمامَتي بالفِعل فتركّزَت النّظرات لمكانتِنا غير الملائمة مع المكان فقَط..
عند الباب استقبَلَنا ذات الضّابط..
«كُنت أنتظرُكما.. تفضلا معي رجاء»
تَبِعناه حتى باب غرفة عُنوِنَ على خشبة فوقه..
"مكتَب ضابِط التحقيق"
دلَفنا فاتّجَه صاحبه إلينا.. صافح آدَم بحرارة بينما اكتفى بتحية عابرة في وجهي..
قبل أن يعود خلف مكتبه ونجلس أمامه.. أشارَ لرجل جوارَه
«أحضر الفتاة صاحبة الشّكوة..»
خرج فورًا وعاد بعد ما يقرُب الدّقيقتَين، جوارَه الفتاة..
كانت وحدها.. أين أفراد عائلَتِها..؟ نظرَت لآدم ثمّ لي فعبَسْت، ونكسَت رأسَها..
ثم جلست مُقابلَنا.. قدماها تترددان على الأرض بتسارع..
لابدّ أنها الآن استوعبت حجم مَن تورّطَت معهَم..
قصَصتُ ما حدث بالكامل أولًا ثمّ جاء دورُها..
«لقد عالَجته كما قالت لكن.. بمجرّد أن عُدت للمنزل بالكاد مضَت ساعة قبل أن يموت..»
هراء!! من المُستحيل أن يموت..! لم أتمالك لساني عندما قلتُ بأكثر ما اقتدرته من ضبط النّفس..
«حضرة الضّابط، إنها تكذب وتعرفُ انني لستُ بطبيبة، بل كل ما فعلتُه كانت إسعافات بديهية في مجال عملي، كما أنني نصحتها بالذّهاب لبَيطَريّ..»
عادَت نظراته إليها.. حادَة، ضيّقة بتشكّكٍ واضح، جعلَتها تُخفِض بصرَها، وقبل أن يُفصِح بحَرف، تحدّث آدم الذي نسيتُ وجوده..
«اسمح لي حضرة الضّابِط، أيُمكنني الحديث على انفراد مع المُدعيّة؟»
أهذا مسموح حتى..؟ كيف طلب ذلك..؟
«هذا.. حسنًا تفضّلا إلى تلك الغرفة..»
كنتُ أستَوعِب المَوقف عندما مشى فورًا نحو باب خلفنا ففتحَه.. وقَف آدم وتسمّرَت هي مكانها..
لا تُريد ذلك.. قطرات العرق في منافسة انزلاق على أنحاء وجهها الشّاحب، لكنها.. وقفَت في النهاية وتبِعَته..
أرَدت مُحادَثَته لكنه لم يُعطِني فرصة عندما ابتعَد فورًا..
عمّ هدوء مُحرج تبادلتُ خلاله نظرات متصلّبة مع الضّابِط الذي ابتسم في النهاية..
«إذًا.. ماذا تشربين يا سيّدة روهَند..؟»
~~
~~
وقفَ أمامها، يصنع بقامته الطويلة هيبَة قاسية كما لو أنه ظلٌ قاتم..
يطوي ذراعَيه بحزم مخيف وعيناهُ المتشكّكتان تخفرُ موضِعًا في وجهها المُمتقِع..
« أنا متأكّد من صدق زوجَتي بقدر تأكّدي من أنكِ العكس.. لذا أنصحكِ بأن تعترفي بهُويّة مّن أرسلَك..
كي لا أعرف بنفسي وعندها ستَصعُب العواقب أكثَر، وعليكِ وحدَكِ.. »
ضاعفَت نبرته الباردة من شراسة هدوءه، فلم يَرحَم
سنّها..
«أ.. أن..»
ضربَتها رعشة مجنونة بسوط نظراته المُحتَدّة.. علِق ريقها
في طريقه وأخذَت الدّموع تتجمهر أمام المَشهَد..
لا تُسعِفها الكلمات، لكن ربما إن اعترفَت ستنجو بطريقة ما
شاورت نفسها لوهلة، قبل أن تتخّذ قرارها بتنهيدة حارّة..
«هناك سيدة جاءَت إليّ قبل يومين، طلبَت مني تمثيل كل ما حصَل مُقابل مال لعلاج أُختي المريضة..»
غلبَتها الدّموع وامتزجَت المرارة لحال أختها بالقهر على حالِها..
غطّت وجهها وأخذَت تشهَق بقوّة، دون أن تشعر بأيّ ردّ فعل منه، قبل أن تتحدّث أخيرًا بصَوت بحّه الانكِسار..
«الكلبُ ليس لي وأنا من فركت جسده باللبلاب، ث.. ثم أخذَه مني رجل وقتَلَه، هو تابِع لذات السّيدة..»
«هل تعرفينها..؟ ولابدّ أنكّ تذكرين شكلها..»
أراد تأكيد شكوكه فقَط..
« كانت تُغطّي وجهها وشعرَها.. الشّيء الوحيد الذي ظهر كان عيناها البنيّتان..
هذا فقط ما رأيتُه كما أنها تبدو ابنة عائلة غنية، صدقني لا أعرف أكثر..
أرجوك، أنا فقط أُريد العودة لعائلَتي.. هم لا يعرفون شيئًا أتوسّل إليك أخرجني من هنا.. »
«إذًا اتبعيني..»
~~
~~
التفَتّ كما الشّرطيّ فور أن شعَرتُ بالباب يُفتَح، فخرَج والفتاة خلفَه..
تمشي بخطوات ثقيلة متردّدة حتى الضّابط، حيث اعترفَت بكلّ شيء، وبالتأكيد سأتظاهر بأنني لم أعرف أنها لورا..
تمامًا كما طلَب مني آدم في طريقنا للخروج بعد الإفراج، فقد
ضغط بنفوذه على الضابط كي تَسقُط التهمة بالكامل عنها
واعترفَ له بأن الأمر مجرّد مشاكل عائلية لا تستحق، كما أنها لا تزال قاصرة، وأُفرِج عن الفتاة معنا..
ما زلتُ مذهولَة من أنه تدخّلَ بعمل الشرطة دون تفكير.. وسألته.. فردّ ببساطة ألا مزاجَ له للمشاكل التّافهة..
لقد تصرّف بحكمة وثقة، فضلًا عن قوة علاقته الذي سمح بتسوية الأمر دون داعٍ للمُحاكمة أو غيرِها..
تُرى ما نوع التّربية التي حظي بها ليكون بهذا الاتّزان النّفسيّ..؟ بل أيّ حكمَة امتلكَها والداه ليَبنيا رجلًا مثلَه..
خرجَت الجملة بخفوت رغم ظُهورِها المُباغِت لي..
«كم أغبطُك..!»
ومع انطلاق السيارة أشحتُ وجهي لِلّيل خارج النافذة المفتوحة، أُقنِع نفسي بأنّه لم يسمَع..
لكن الخيبة تعاونت مع سؤاله الذي لفتني لمكانه، بينما عيناه ما زالت على الطّريق أمامنا..
«على ماذا..؟»
هذا مُحرِج.. أشغَلتُ بصري في الأرض..
«لأنك شخص سليم نفسيًا، لأن والداك نجحا في صنع رجل»
استنكرتُ صمته لفترة قبل أن يتحدث..
«لكنّ حياتي ليسَت مثالية ولا أنا كذلك، لديّ الكثير من العُيوب التي لا تعرفينها..»
أُدرك ذلك فهذا طبيعيّ لكن.. عُدتُ أطالِع النّافذة، ما الذي حدث لي لأسأل، تبًا..
«انسى الأمر.. شكرا لأنّكَ تصرّفتَ كما لو أن آلبرت هنا.. في العادة..
لو حدثَ شيء كهذا سأستعينُ به فورًا لكن الآن أنتَ كُنتَ مثلَه تمامًا.. »
اعتَدتُ أن يميل أيّ حِوار أو موقف بيننا نحو آلبرت.. طرَفتُه لوهلَة.. وجهه فارغ إلّا من عبوس خفيف..
كما أنه فتح نافِذَتَه أكثَر، يبدو وكأنه يختنق.. كُنت سَأسأَل عَن حالِه لولا أن قاطَعَني بنَبرَة طَبيعيّة تبرّأ مِنها حالُه..
«هذا واجبي، بغضّ النّظر عن نوع علاقتنا، ما كنتُ لأترككِ وحدكِ..»
أومَأتُ إيجابًا وعمّ الصّمتُ مجددًا.. تأمّلتُ البيئة الغريبة حولنا، ولم أُعلّق على اتّخاذه طَريقًا مُختلِفًا..
حتى وقف أمام متجَر كعك.. تفقّدَ محفظَته وسألني بينما يده الأُخرى على مقبَض الباب..
«هل تُريدين النّزول أم أحضر طلبَك..؟»
تأخّرَ ردّي حتى استوعبت كلامُه، هكَذا فجأة..؟
لا رغبَة لي بشيء لكنه نزل بالفعل..
«أريد واحدة بنكهَةِ اللي.. أقصد التّفاح..»
غلبَتني العادة..
بنزوله استرَحتُ للخَلف فرَسَت نظرَتي العشوائية على ظهره المُبتعِد حتى وقفَ يحادث البائع..
عندما أتأمّل موقِفنا الآن، أُحِسّه حُلمًا لوَهلَة.. بل في أغرب الأحلام..
لم يَخطُر لي، أن يومًا أنتظرُ فيه آدم روهند ليجلبَ لي بعض الكعك بالتّفاح ممكنُ الوُجود..
الشّخص الذي التَقَيتُه مَرّة واحِدة في إحدى الحفلات التي قاطعتها منذ زمَن، حتى عِندَما تَرافَق والدَينا في ظُروف مُعيّنة، أُرافقُه لمَتجَر كعكٍ الآن..!
«تفضّلّي..»
خرَجتُ من فقاعة عقلي لِواقِعِ عَودَتِه..
كانَت قطعَة واحدةً لي.. إذًا هو لا يحبّ الأشياء
الحُلوة..؟
لاحَظتُ طَبَقَ الكعكَة بينَ يدَي، كانَت تحمل صورَة التّفاح وليسَ الليمون الذي أُفضّلُه عادَةً..
فبقَدر ما كنتُ أحبّه كان آلبرت يكرهه، أتذكّر كلامه وتحضُرني غصّة من نَبرَتِه المَنقوشة على ذاكرتي..
لطالما كرّر علَيّ..
"إن أردتِ أن أقاطعكِ فاستمرّي بأكلِ الليمون.."
تجاهلتك حينها، لكن يبدو أنّك كنتَ جادًا..
عيناي..!! تبًا.. رفَعتُ رأسي اتّقاءَ دموعي..
«هل تُمانِع إخباري كيف تعرّفتَ عليه..؟»
لم يُعطِني نصفَ نظرة مقابل التفاتي إليه..
«إن لم يُخبِركِ هو فلن أفعَل..»
لن تُخبرَني أيضًا..
سقطَت نظرتي أرضًا.. أجاهِدُ لصرَف انتباهي عن تذكّره فلستُ مستعدةً لنَوبَة بكاء جديدة أمامه..
إن فكّرت في الأمر منطقيًا، فاحتمال لقائهما في حفلة ما شبه مَعدوم، نظرًا لأن والد آلبرت من عائلة ريفية بسيطة..
وقد أصرّ على أن يعيش ابنه معَه، بعيدًا عن الأجواء المشحونة لدى الطّبقة الغنيّة.. كما سمّاها..
لذا غالب النّاس هنا ينسَونه كثيرًا.. يعرفونه كاسم وقليلون من رأَوه.. حتى عند وفاته لم يحضُر الكثيرون..
ربما لهذا كان سعيدًا.. كان متحرّرًا من القيود الاجتماعية.. بل من قيود أمي.. بشكل أدَق..
لأنه وبشكل عجيب.. والدَتي التي ترى المشَيَ على الجمر أهوَن من تمرير رأي أحد فوق خاصّتها..
أحبّت والدَه حتى نفذّت كل طلباته، ومن ضمنها عيشه في الرّيف، والذي انصبّ في مصلحته..
ما زلتُ أشكّ في حَقيقةِ حُبّها لوالدِه رغم أن زواجَها به رغمًا عن العائلة كلّها وقَبل والدي يُثبِت ذلك تمامًا..
سمعتُ عمتي تتحدث ذات مرّة.. كيف أن جدّي أجبرَها لاحقًا على الطلاق من أجل أبي..
إلّا أنها بطبيعة الحال لم تنسى ابنه، الذي وُلد قبلي بثلاث سنوات، وعاشَ سنينها الذّهبيّة..
عندما كانَت أقل سوءًا.. ربما التقَيا صُدفَة بِبساطَة..؟
لا أعرِف..
عُدتُ للواقِع على طلَبِه لطَبقي الفارِغ، هل أكلتها أو فعلَت أفكاري..؟ لم أعِ نفسي.. أعطيته إياه فخرَج ليرميَه..
ثوانٍ قليلة حتى ركبَ جواري مع جملة لا أظنني سأسمَع غيرَها حتى نهاية الطريق..
«لا داعي لتفكّري كثيرًا، فالأمر لا يستحقّ الحَديثَ..»
~~
~~
بمجرّد أن فُتِح الباب استقبلتنا والدته وقد أطفأَ القلَق إشراقها المُعتاد..
«أخبرني ما الذي حدث بالضّبط.. هل حقًا سيلينا أخطأت في شيء..؟»
ربّت على كتِفها..
«لا لا، كان سوءَ فَهم وقَد تمّ حَلّه بسُرعَة..»
تقدّم أكثَر وسحَب يديَ مَعَه..
«نحتاج للرّاحة الآن، تُصبحينَ علَى خَير..»
لا يَبدو أنها اقتنعَت، لكنّ الأكيدَ أنها مُعتادَة علَى رُدودِه النّاقصَة هذِه..
فقَد التفتَت دونَ أيّ إضافَة، والآن لمَ سحبَني معه..؟ كُنت سأَصعَد بالفِعل..
طالعتُ يدَينا ثمّ وجهه فتحدّث ونحن نمشي..
«إن بقيتِ معها فستتكلّمين، وأنا لا أُريد أن يعرف أحد أنها لورا..»
هكذا إذًا.. كنا أمام الباب حين همهمتُ بموافقة فأضاف..
«فاليَبقى هذا سرًا بيننا فقط..»
«نعم، بالتّأكيد..»
عدَم إخبار والديه.. أهيَ إشارة لنيّتِه..؟
~~
~~
«لم تُصبِح الواحدة ظهرًا بَعد، فلماذا عُدتِ..؟»
يرى بوادر حُزن قديم ترغي على القهوة في عينيها فيترُك القلم فوق كُتبه، ويتّجه ليرفَع كتفاها المُحبطان..
«أمي.. أنتِ بخير..؟ ما الذي حدَث..؟»
يُساعِدها على الجلوس بينما تتحدّث بنبرة مُختَنِقة..
«لقد طُرِدتُ مُجددًا.. هذه المرّة اتّهمَتني صاحبة المنزل بأنني سرَقت خاتمًا من غُرفَة ابنتها..»
تُغطّي وجهها وتسترسل الحديث مُجهِشَة
بالبكاء..
« حاولت كثيرًا أن أُقنِعها لكنها رفضَت الاستماع.. حتى أنني أخبَرتُها أن تُفتّش غرفتي..
ظننتها ستعرف صدقي، لكن بدلًا من ذلك.. أتعرف ما الذي قالته..؟ »
وجد رأسه يهتزّ نفيًا أمام عينيها المنكسِرتان في وجهه المُقتضِب..
«قالت أنني بالتّأكيد أُخبّئُه في مكان ما، وطردتني..»
سحبَت نفَسًا عميقًا فجأة ومسحَت وجهها بعزم انتقل لأقدامها فوقفَت..
«أعتذر لأنني أُرهِقُكَ بمشاكلي يا بنيّ، يكفيك ما تعانيه في الدّراسة، بدّل ملابسك وأنا سأُعدّ الغداء كي نأخذه لوالدك»
أراد أن يتبعَها، أن يحتضنها، أن يُخبِرَها أنه الابن الذي يُمكِنها الاعتماد عليه دون قلق لكن..
دراسته والكثير من الأشياء كالصّخور تُطبِق على قدمَيه فارتخى للخلف بتنهيدة ثقيلة.. لكنه ما لبثَ أن حزم أمرَه..
يجب أن يجِدَ وظيفة ولا ينسى دراسته.. في سنّ صغيرة أدرَك أن الحياة لا تنتظر أحدًا..
لن تقفَ من أجله، ولن ترحمَه لمجرّد أنه لا يقدر.. هذه هي الحقيقة بأبشع صورها، ولذلك هو سيستمرّ..
~~
~~
في السّيارة مُتّجِهِا لمنزل عمّته رفقَة لويس.. تتردد نظرات
الأخير على ابن عمّه بترقّب..
كالعادة يفشَل في فهم ما يفكّر به بسبب تعبيره المعدوم فتفرّ منه تنهيدة ضجِرة قبل أن يسأَل..
عيناه تنشغِل بما خارج النافذة.. يُوكِئ رأسه على قبضته.. وقد استند ساعده على حافة النّافذة..
«ما الذي ستفعَله بالضبط..؟»
«يحبُ أن نتحدّث مع عمّتك وزوجها لنُنهيَ هذه المهزلة أحضرتكَ لأنها تحبّك ولابدّ أن تتأثر بوجودك..»
عَبسَ مَلمَحُه وما لبث أن أظهر نصف ابتسامة
ساخِرًا..
«ماذا..؟! تتحدّث وكأنها عمّتي وَحدي أو أنها لا تُحبّك، لكن تعرِف بعض الأمور تظلّ شائكَة مهما حاولت..»
يُعَدّل النّظارَة ويطوي ذراعَيه سارحًا في الزّجاج أمامه..
«آدم، أنتَ تعرف أنها لا تستطيع السّيطرَة على لورا..»
تَجاهلَ كَلامَه فقَط، بينما راقبَه الآخر بنَظرات مُترقّبَة.. غلّفها الضيق..
صَمتُه الذي يَكادُ يَكون مرَضيًا يَستفزّه أكثَر مِن عدَم ردّه.. ظلّ يترقّب ردّ فِعله..
حتى أوقف السّيارة أمام القصر المَنشود، ثمّ خرجَت نبرَته طبيعية، وقد حطّت قدمه خارجًا بالفعل..
«أعرف ولم آتي لتَوبيخها، لكن يجب أن تبقى تلك الفتاة بأمان، وإن سكتُّ عن هذا فلا أعلَم أين ستصل لورا..»
تنهّد بثقَل لسَقف آمالِه الذي هوى عليه، ثمّ تبعَه نحو بوابةِ يُفترَض أن يَدخلَها ليَركِنَ السّيارَة..
همّ آدم بالتّقدّم أكثر وما لبث أن استدار لشدّ لُويس على كتِفَه..
«لا تضغَط نفسك كثيرًا.. هوّن عليك..»
طالَعه لوهلة دون أيّ تعبير، تأمّل نظرَته المُشفِقَة وتلك الابتسامة الباهتة..
الأمر لا يختلف عن تلك الليلة، كلاهما يعرف ما يقصِد..
لكن الصّمت أولى من الشّرح الآن..
استشعر لويس سواد الأجواء، فالتفتَ بلمحة للسّيارة خلفهما..
ألقى سُؤاله كخُطافٍ لانتباه ابن عمّه..
رغم حضور الإجابة..
«هل تعمّدتَ عدم إدخالها للمَرأَب..؟ لتُوصلَ رسالة أنك لا تفضّل البقاء طويلًا..؟»
لا رد، ظلّ السّؤال مُعلّقًا في الهواء، لم يجبه آدم ولم يُعلّق لويس أكثَر من ابتسامة باهتة مرّة أُخرى..
«أنت تجعل كلّ شيء يُعبّر عنك إلّا لسانك، أتعرف..؟ أرجو أن أعيش لليوم الذي أراك تُثرثرُ فيه يا آدم..»
لم تُظهر نظرته الميتة أيّ اهتمام بالكلام، بل استدار مع جملته..
«دعنا ندخُل، فقد التهمَتنا نظرات الحُرّاس..»
رفضا العرض بإدخال السّيارة واستمرّا حتى الباب الرّئيسيّ..
فتحته العمّةُ وتهلّلت أساريرُها للُويس الذي قابلَها أولًا..
«أهلاً.. أهلاً.. هيا ادخل يا عزيزي..»
وما لبثَ مَلمَحُها أن انكمشَ لظهور آدم من خلفِه.. لم تلقى نظرَتُها المُحرَجَة أي رد منه، كما لم يُلقي التّحية..
فإن نسيَت هي إهانتها السابقة لهُ، هو لم يفعل.. تنحّت عن الباب وقادَتهما حتى المَجلِس..
نظراتها متوجّسة ممن أرابَها وجوده، بقدر ما طمأَنها حضور الآخر..
تَجاوَرا علَى الأريكَة المُقابلَة لمكانِ جلوسها..
«كيف حالكِ عمتي..؟ أرجو أنك بخير..»
بابتسامة لطيفة هي من طبعه الودود، حاول لُويس جذب نظرها الخائف عن ابن عمه..
والذي لم يتعنى بنظرَة واحدة نحوها..
«بخير..»
أرخى آدم ظهرَه على الأريكة، ثمّ دخل الموضوع من أوسع أبوابه..
«أيُمكنكِ أن تستدعي لورا رجاءً؟»
قلبها سقط بشكل مُدوٍ..
«لماذا؟ هل حدث شيء يا بني؟»
تَظهر ابتسامتُها متيّبسة..
كمحاولة بائسة لتثبيت وتر أعصابها الضعيف، قبل أن تتمزّق آخر شُعَيراته..
هي خائفة حقًا مما قد يقوله.. ما الذي فَعلَتهُ
ابنَتُها..؟
«لقد لفّقَت تُهمة علاج خاطئ لسلينا وأدخلَتنا لمَركَزِ الشُّرطَة..»
قطعَت جملته الوتر، فمزّقَت الصّدمة ثوب هدوئها المُهترِء لتردّ باندفاع..
«ما الهراء الذي تقوله..؟ لمَ ستفعل ابنتي شيئًا كهذا..؟ بينما اعتذرت صباح اليوم..!»
تجاهل وكزَ ابن عمه لقدمه وصمّ أذنيه عن الهَمسَة..
«آدم..! ليس هكذا..»
عادَ بصَرُ لُويس لمَن تاهَت نَظراتُها بينَ وجهيهما، فابتَسَم في مُحاولَة تهدِئة..
«عمّتي اهدَئي رجاء، دَعيني أشرَح لكِ..»
بدَت على وشك الخمود لولا أن أشعلها الآخر من جَديد..
«ناديها لنرى..»
طوى ذراعَيه بنظرَة بارِدة كأنما حسَم الجولة، فاشتدّت قبضتها فوق ثوبها الشتوي، واسترسَلَت بحدة لم تملك زمامها..
«لقد جِئتَ إليها سابقًا وتقبّلتُ حديثكِ السّيء لأنها أخطَأت أما الآن تأتي وتتهمها بشيء كهذا، فلن أسمح لك!»
نظرات لويس الحائرة تراكَضَت فوقَ المَسار الفاصِل
بَينَهُما..
آدم كالجبل الجليديّ بنظرة صارِمة، بينما هي بركان يغلي..
«عمّتي! اهدئي رجاءً، آدم لم يقصِد..»
مُحاوَلَة أخيرة ثمّ التفتَ لابن عمّه الذي وضَع قدَمُه فَوقَ أُختها بإصرار على المَوقِف..
«إذًا لم لا نستدعي لورا ونُنهي الأمر..؟ ربما هو سوء فهم.. صحيح..؟»
طالعاهُ، فبدّل نَظراتُه بينهما.. مستجديًا الاتّفاق.. تمرّ لحظات عصيبة نال لُويس أكبر نصيب منها..
قبل أن تأمُر عمّتُه العاملةَ التي وزّعت أكوابَ الشّاي..
«استدعي لورا حالًا..!»
دَقيقَتانِ فقَط قبلَ أن تَدخُل المَدعُوّة..
«أمي..؟ هل نادَ__»
تُصَلّبها الصّدمَة على الباب، ويهتزّ جِفناها برياح الذّهول..
آلاف الأسباب تُسارِع لإِسعافِ شكّها..
هل اكتشفَها..؟ وماذا سيفعَل الآن..؟ لقد وثِقَت بوالدِها عندما تجرّأَت على اللعب معه..
لكن أين هو الآن وهي وَحيدَة أمامَ نَظراتِه القاصِمة..
جاورَت والدتَها مُزيَّفَةَ الهُدوء..
«أهلا بكما، هل حدثَ شَيء..؟»
حاولَت عدمَ النّظر لَه..
وتعرّضَت لفشل ذريع عندما وجدَت عيناها طريقًا باتّجاهَين نحو وجهه طوالَ الجَلسَة..
«أنتِ السّبب في التّهمة التي توجّهَت لسيلينا، أليس كذلك..؟»
التقطَ لحظة ارتباك نظرِها، قبل أن تَلتجِئ عَيناها للأرض.. شدّت قبضتَيها على بَعضِهِما بحَزم ورفعَت نظرة مُتحدّية نحوَه..
«وإن كنُت أنا، فَماذا ستفعَل..؟»
تعرِف أن السّؤالَ كانَ لتَوثيقِ ما جزَم به، لا أكثَر..
ولأنها مُخطِئة، وقد تبعَت حِقدَها الذي وجدَت من يُذكّيه.. ففي هذه اللحظة..
قرّرَت أن تُصبح وقحة وتظاهرَت بالتّماسُك..
بعيدًا عنهما.. اكترثَ لُويس لأمر عمّته فقَط..
أشرَف بشفقَة على نُضجِ مَزيجِ الذّهول والخَيبَة فوقَ قَلبِها المُشتعِل بينَما تُحدّق بابنَتِها..
يعرفُ أنها مجرّد أمّ مسكينة، أرادَت رُؤيَة طفلَتها سعيدة وناجحة لكن..
بميول الأمور لهذا، فلابُد أنّها تشعر بانكسار عظيم..!
«ها هيَ قد اعترفت يا عمّتي، فهل ما زلتُ أظلِم ابنتكِ..؟»
لم تُطِعها الكلماتُ رغم ثغرِها الذي فُتِح عدة مرات، وفجأة تحدّثت ابنتها مجددًا..
صوتُها مُنخفض، ارتفع التردّد فيه حين تركها ثباتها المُصطَنَع..
«أنا.. أنا لم أُرِد إيذائَها، فعلتُ ذلك فقط لأردّ صفعتَها، وكُنت سأعترف للضابط بعد سجنِها لفترة، لكن اعتراف الشّابّة أفسدَ الأمر..»
أُعلِن انتهاءُ الجَلسَة بِوقوفِ آدم..
« إلى هذه اللحظة، أنا أُمرّر كل أفعالكِ الصّبيانية احترامًا لوالدتكِ فقَط..
سأتغاضى عن الأمر هذه المرة لأن المشكِلَة حُلّت، لكن إياكِ أن تجرؤي على التّفكير حتى بفعل المَزيد..
فعِندَها ستخرُج الأمور عن نطاق سيطرتك، ولا أظُنّكِ ستتحمّلين العواقب.. »
وقفَت معَ والدَتُها بعدهما وضمّت ذراعَيها لصَدرِها، ظلّت تُرسلُ نظراتها الغاضبَة نحو ظهرَه بينما تتجاهلُ أعينَ لُويس المَحقونَة بالعِتاب واللوم..
لقد خمدَت العاصفة، نعم.. لكن النّار شَبّت على إثرها
فورًا..
« بدلَ أن تلومَني على إيذائها، لمَ لا تسأَلُها عن ماضيها..؟ اسألها عن السّوار الذي رأَته معي، ثُمّ قرّر إن كانَت تستحقّ دفاعكَ المُستَميتَ عنها.. »
يُلْحَـــــقْ..
حياكم الله من جديد..
📍اجتماعنا..
ال❤️
وإلى لقاء آخر إن شاء الله..
أي شيء سيئ يُذكر داخل الرواية من قتل شتيمة أو غيرها هي أفعال سيئة وضِعَت خدمة لأحداث الرواية ولا أشجّع علَيها أبدًا
nabiola_as05