يُرخي ظهرَه على الأريكَةِ الخَضراء، تاركًا ذراعَيه ترتَميانِ علَى جانبَيه..
نظَراتُه السّوداء تتقلّب بين الثريّة والأضواء، مُحاوِلًا التّصبّرَ على لحظاتِ انتظارِه التي تمادَت..
رَفَع جَسدَه ليَجلِسَ معَ تنهيدَة مُحبطَة، هل تَتعمّد التّأخّرَ علَيه..؟ مسَح على وَجهِه بِحيرَة ثمّ نظرَ لساعَتِه..
إلى متى سَيستَمرّ هذا الحال..؟
هل ستُسامحُه أصلًا..؟
بعدَ ثوانٍ فقَط سمِعَ ضَغطَةَ مِقبَض الباب، فاشتدّ جسدُه وانتصَبَ لا شُعوريًا..
دلفَت هيَ بهُدوء، رافِعَة تَعبيرَها الباردَ كالعادَة..
«مرحبًا..»
تقدّمَت نحوَه، حَيثُ كانَ يقفُ خَلفَ المنضَدَة الزجاحيّة..
«أهلا، أهلًا كيفَ حالُكِ..؟ هل أصبحتِ بخَير الآن..؟»
إذًا لاحظَ بُكائَها في المَرّة السّابِقة..؟ أيًّا يكُن..
«بخَير..»
ثُمّ تَخطّتهُ فاستَدارَ وما لبثَ أن ثبتَ مكانَه، اتّسعَت عيناه بدهشَة حينَ استوعب جُلوسَها على الأَريكَة التي كانَ عَلَيها..
رَمشَ عِدّة مرّاتٍ كأنه يتأكّد أنها ليسَت هلوَسة، ستجلِس بجانِبِه..؟!
يَبدو أنّها سامحَته..؟ أيُعقَل..؟! هرَعَ ليَجلسَ مُتعمّدًا الاقترابَ مِنها..
«إذًا، ما آخرُ المُستَجدّات..؟»
نزلَ السّؤالُ كالماءِ الحارِق على تَقاسيمِه المُنفَرِجة..
انتابُه ثِقلٌ حنى ظهرَه حتى اتّكَأَ بساعدَيه على رُكبَتيه ليَنبِسَ بنظرَة انكسرَت للأَرض..
«تُراهِق في الأربَعين، مُكالَماتُ مُنتَصفِ الليل ورسائل كثيرَة باسم صديقة لا أظّنها موجودةً أصلًا..»
همهمَت على مضَض قبل أن تُخرِج العُلبَة من جَيبها فرفَع رأسَه بينما استرسلَت هيَ..
«على أيّ حال، هذه مادّة تُسبب مشاكل هضمية، أخفيها في أيّ شيء تأكله أو تشربه لمرّة في اليوم حتى أُخبرَكَ بأن تتوقّف..»
هبطَت نظراته على العُلبَة التي تناوَلها ثمّ عادَت لعَينيها باستنكار، كأنه يتأكد من جدّيّتها في ذلك..
كان متيقّنًا من أنها ستردّ بشكل مُدوّ، لكن أن يصل الأمر للتّسميم..؟ _كما يَظُن_
لا يَمتلِكُ الشّجاعَة لذلِك، وهيَ بتلكَ النّظرَة الصّارمَة لا تَبدو على استِعدادٍ لسَماعِ رَفضِه..
ازدَردَ ريقَه بلَمحَة للعُلبَة قبل أن يشُدّ علَيها، عازِمًا على إبداء رأيِه الذي يعلَمُ يقينًا بأنه سيُرفَض، لكنّه حاوَلَ على الأقل..
«أيُمكنني رفض هذا فقط..؟ أعني.. أخافُ أن تموت أو يُصيبَها مكروه بأقلّ تقدير..»
طوَت ذراعَيها بتَنهيدَة ضجِرة لما توقّعَته وأرجَعَت ظهرَها واضعَة قدَمًا فَوقَ الأُخرى..
«لا تُهوّل الأَمر.. إنه مجرّد مُهيّج، سيُسبب لها ارتباكًا معوَيًا وأَضمنُ لكَ ألْا يُصيبَها مَكروه..»
تلاعبَت الجُملَة برَأيه، تحالفَت مع نظرتها الحادّة على تَردّدِه فنسَفَته، حتى وجدَ نفسَه أقل رفضًا، فأقل ثمّ مُنصاعًا..
«فهمت.. إذًا مرّةً في اليوم فقط..؟»
«نعم، لكن احرص على إخفاءِ العُلبَة جيّدًا..»
أومَأَ إيجابًا ووقفَ فجارَته..
«يجبُ أن أذهَب الآن، فالدّراسة تحتاج لِمن يُؤنِسها..»
هَمهَمَت دون تعبير لكنّه لم يمشي، ضمّت ذراعَيها مرّة أُخرى وردّت تَحديقَه بِرَمقَة تَساؤُل..
ثمّ انتبهَت..
«وكيف هيَ دراستك..؟»
ابتسَمَ يفرُك مُؤخرَة رأسِه..
«جيّدة.. أعني أنا أبذلُ جُهدي لكني بالطّبع لن أصل مُستواكِ..»
«أجَل جيد، يُمكنكَ الذّهاب..»
«سيلينا..»
فَباغتَها بِعِناقٍ قَويّ، ليَبُثّ تيبُّسَ ذِراعَيه في جَسدِها
المُتصلّبَ..
«إن كنتِ لا تُريدينَ مُسامَحَتي ، فأَرجوكِ لا تَستغلّيني..»
هدَأَت تعابيرُها فيما التمعَت عيناها بحزن..
هل كانَت قاسِية جدًا مَعَه..؟ لكِن..
ما زالَ سخَمُ الغضَبِ يَعزِل ذِراعَيها عَن ظَهرِه، وفي الآن ذاتِه
لم تَبتَعِد أو تُعلّق..
«إذًا أراكِ لاحقًا..»
منذ وعت وحتى هذه اللحظة لم تفهم سبَب تَعلّقِه بها..
فهو هكذا مُذ كان طفلًا، رغم أن لدَيه أُختهُما التي هيَ توأمه إلّا أنه كان معَها دائمًا..
يهرَع إليها عندما تأتي من المدرسة، يتبَعُها أينما ذهبَت ويُقاسِمها كُلّ ما يمتلِك..
رُبما هُو عَطوفٌ بطَبعِه أو مُشفِق، ورُبّما شَيءٌ لا تَعرِفُه، لكنّ الأمر لم يشغَل تَفكيرِها..
~~
~~
العاشرَة مساءً..
كانت مُنهَمِكة في طَليِ أظافِرها فوقَ السّرير البُني، عندما فاجأَها بإطلالتِه مِن شَق الباب..
«كيفَ هيَ غاليَتي..؟»
رَفعَت رأسَها لتَرتَسِم على شَفتَيها ابتِسامَة واسِعَة، قبلَ أن تَهرَع إليه وتَرتَمي في أَحضانِه..
«أبي..! متى وصَلت..؟»
قبّل رأسَها وَتأبّطَ كتفَها خارِجان منَ الغُرفَة..
«قبلَ بِضعِ ساعات، أرَدتُ أن أُفاجئَكُم..»
«آه نعم، تسرّني عَودتُك..»
قطَعا السّلالم للأسفَل وعَيناهُ تَتفَحّصانِ هدوئَها الغريب
يرى في مَلامحِها إحباطًا لَم يرُقه بينما تَعبَثُ بأَصابِعِها..
«ما بكِ..؟ هل حدَث شَيء في غِيابي..؟»
سَبَقَت تنهيدَةٌ ثَقيلَة كلامَها بصَوت مُتهدّج..
«لَن تُصدّق ما قالَه ليَ آدم بِسبَبِ زوجته..»
استنكرَت صمته فرفَعَت رَأسَها لتَجدَه عابسًا..
جَلَسا حَولَ طاولَة صَغيرَة في الحَديقَة..
«ما الذي فعلَه ذلِكَ الأحمَق..؟»
«لقد جمعَني بها لأعتذر بعد ما أخبرتكَ بحدوثه ولكنّها تعبَت فأخذَها للمَشفَى..»
كلما أضافَت حرفًا ازدادَت حُمرَة وَجهِه حَتّى كادَت تَفيضُ
مِن نَظرَتِه السّاخِطَة..
«وعاد يتّهمني بأنني أذَيتُها، ثمّ هدّدَني إن بَقيتُ أحومُ
حولَهُما..»
فكّه مُشتَدّ كقبضتِه على كوبِ القهوة وفِكرُه راح يجوب ذكريات قديمة، ليُثيرَها كالنار أسفل قلبه..
الفُرصَة التي رامَها تَلوحُ أمامَه الآن، فها قَد جاء الخطَأ الذي يُسوّغ لَه العَبثَ معَ ابن شارلِن على طَبقٍ مِن ذَهَب..
مَن يظنّ نفسَه ليُؤذيَ ابنتَه هكَذا..؟ لابدّ أن يُحَطّمَ كِبرياءَه وغُرورَه..
لَم يُوقِظهُ سِوى شَهقَتِها الخافِتة عِندَما غطّت وَجهَها لتَبكيَ بحُرقَة، وإثرَ ذلكَ أخذَ يمسَحُ خدّيها بتَعبيرٍ رَقيقْ..
«لا بأسَ عَزيزَتي، أنتِ تَستحقّينَ أفضَلَ مِنهُ، ومَع هذا فمِن أجلكِ فقَط، سَأجعَلُه يَندَم..»
ماذا..؟ مسحَت دموعَها ناظرَة له بحاجبَين مَقرونَين، أيًا كانَت المُشكلة فهذا خالُها الوحيد..
ولا تُريد أن تُؤذيَه، لكن بتلك الابتسامة المُريبَة، من الواضح أن والدَها لا يَنوي خيرًا..
~~
~~
عَصرَ اليَومِ التّالي بَينَما يَجلِسُ على الكُرسيّ الهَزّاز في غُرفتِها..
ما زال يتابِع بنظرَة مُتشكّكة اعتصار ملامحها بين الحين والآخر، حتى قال أخيرًا..
«ما بكِ اليوم..؟»
وما زالَت تعتصرُ بطنها عندما أجابته تنفي ما يدور في رأسِه..
«لا أعرف، أشعرُ كأنّ أمعائي تتقطّع، لكن من المستحيل أن أكون حاملًا..»
جزمَت بحزم، فزفرَ على مضض مُعلّقا بملمح ضيق..
«يجبُ أن يبقى مُستحيلًا كي لا يقضيَ علينا نيلسون، يُرعِبني تخيّل ما قد يفعله إن علم بأمر علاقتنا.. هل تذكُرين أكلَكِ لأيّ شيء غريب اليوم؟»
تُحدّق في الأرض بتفكير جدّيّ ثمّ تُجيبه..
«لا شيء جديد، شربتُ الشّاي مع آرون بعد الإفطار فقط»
«انسَيّ الأمر، المُهمّ ألّا تكوني حاملًا..»
خارجَ الغُرفَة، مُباشرَة خلف الباب، يقف المَذكور مُلصِقًا أُذنه للباب..
وقد انتفخَت أوداجُه واشتدّت قبضَته، أسنانه تتطاحَن مُحاولًا إمساكَ نفسه عن الدخول وقتلهما..
استغلّ ظنّها بخروجه مع باقي العائلة، ووقفَ علّه يسمعها تُحادِث عشيقها ليعرفَ اسمه..
لكنه لم يتوقّع ولو في أسوء كوابيسه أن تجلبَه بشحمه ولحمه.. ولغرفة نومها..؟ وتشكّ بأنّها حامل..؟
كيف..؟ هو لم يدخل من الباب الرئيسي ولا من باب غرفتها..؟ فإن افترَض أنها رمت له حبلًا من النّافذة، رغم عُلوّها..
هذا لا ينفي أنه دخل من البوابة الرئيسية حيث الحُرّاس الذين لابدّ ورَأَوه..
إذًا هُناك مُتواطِئ، يَسمح له بالدّخول كلّ مرّة.. لا تفسير آخر؟ لكن من..؟
هُناك ثلاثة حرّاس، إن تحدّث معهم فسيفضَحُ العائلة أمام اثنَين إن لم يكُن كلّهُم مشتركون في الأمر، وإن صمتَ سيستمرّ الهُراء..
ارتمى على سريره يدفن رأسه في الوسادة..
ما الحل إذًا..؟
هو حقًا لا يدري ما يفعَلُ تاليًا ولا كَيفَ وصَل لغُرفته مجددًا..
زفر بقوّة مُحاولا تهدئة نفسه ويُطمئِنُها بوجود أُخته..
يُدرِك أن عليه أن يكون في صفّها فقط؛ كي لا يطوله سوء من أيّ شيء قد يحدُث..
~~
~~
حياتُه هادِئَة للغاية بالنّسبة لشخص مُهدّد.. تُرى هل تراجَعَت عن خطَطِها واستسلَمَت؟
يزفرُ نفسًا طويلًا كأن الأفكار ستُخرج معه، ويشدّ كُتُبه لصدره، فها هو عائد من دروسه الخصوصية نهاية اليوم..
مُتعَب بالكاد يجرّ نفسه وكلّ ما يُفكّر به هو النّوم.. الذي لن يَذوقه اليوم بالذّات..
على مسافة من باب منزله يشتم رائحة قوية، كُلّما اقترَب يزداد تركيز السّجائر التي ميّزَها في الجّوّ حتى غطّى أنفه ليقتربَ أكثر..
فبدأ يرى تجمهَر الناس أمام بابهم، تسلل الرّعب لقلبه، رمى كتبه وانطلق باندفاع يُزيحهم، حتى وجد نفسَه أمام والدَه الكهل..
مُلقى على الأرض، مُثقلًا بالجّروح والكدمات.. اقترب منه بهلَع، ازداد عندما رفعَه فتأوّه بصوت مُدوّ..
«ما الذي حدث..؟ من فعَل بكَ هذا..؟»
بالكاد استطاع قلبَه عن بطنه ليرتميَ بين ذراعَيه بوجه مُسودّ شاحب وأنفاسٍ مُتسارعَة..
كان سيدخل المنزل ليتصّل بالإسعاف عندما سمع صوتَهم فعاد لوالده تتبعَهُ أُختُه وأُمّه..
«أجبني يا أبي..! من فعل هذا..؟»
يترقّب حركَة شفتَيه كأنها أهمّ نتيجة دراسية في حياته، لكنّ الوعيَ أصرّ على مُغادرَة والده تلك اللحظة..
ليتركه يحترقُ بصمت، أرادَ جُملَة تُثبِتُ عكس ما يُلمّح به عقلُه.. لكنّه حصل على مُدّة عذاب أطوَل لا أكثَر..
ظل يُراقِب ابتعاد والدَه بتشوّش، تتخاطفه الأفكار بينها..
والده شخص مُسالم..
لا يَذكُر وجود أعداء له، فمن قد يضرِبه بهذه الوحشيّة..؟
لا يَطول تفكيره قبل أن يصل للإجابة الوحيدة..
تهديدُها الذي وعدَت به نفّذَته، تلك الفترة السّاكنة من حياته ما كانَت إلّا كالتي قبل العاصفة..؟
إذًا لم يكن مجرّد تهديد فارغ لأنها غاضبة..؟ يُمسك رأسه كالمجنون بين يديه..
شكلُها ذلك اليوم في الإصلاحية، يتجلّى في صفحة عقلِه القاحلَة..
السُّلطَة.. المال.. والنّفوذ لتفعَل كلّ ذلك دون أن تخاف من الشّرطة.. لا أحد غيرها.. لكن..
ماذا يعني ذلك..؟ ماذا يفعَل..؟ من يسأَل..؟ ما الذي تورّط به..؟
وإن كانت هذه البداية فإلى أيّ مدى قد تصل تلك
المَرأة..؟
لا يكسِرُ تحجُّر قدمَيه تلك اللحظة سوى صوت أُخته بجملة غريبة..
«لِياس.. انظر وجدت هذه الورقة خلف أبي..»
راودَه هاجِس سيء، التقطها بعنف والتفّ بها ليقرَأها وحدَه..
"إنها البداية فقط"
يُجعّدُها بينما تتسارع أنفاسه.. عقله تعطّل وجسده تصلّب فلم تقدر أمه التي لا يسمَعُ كلامها سِوى كغمغمَة خافِتة على تحريكه إنشًا..
بعدَ عناء أوقَفَ رجفتَه، وضَع الورقَة في جيبِه ومسَح على وجهه مخرجًا نفَسًا طويلًا..
إن تمكّنّ منه الخوف فلن يُحسِن التّصرف.. لدَيه أختُه وأُمّه ويجب أن يلحقَ بوالدِه..
لذا استجمع شتاتَه والتفَتَ لوالدته وأختِه ليُعانقهُما نابسًا بصَوتّ مُتحشرِج يجاهد لثَباته..
«اذهبا للمَشفى المركزيّ.. أنا لديّ ما أفعلَه..»
وهرَع نحوَ مركز الشّرطة مُتجاهِلًا نيّة والدَتِه للحديث..
~~
~~
السّاعة السادسة..
في طريقي لمعمله في الطابق الثاني، حيثُ تواجَدَ منذ الصّباح، يبدو أنه يُعاني ضَغطًا..
نظرًا للشّغف الذي رأيته في عينيه تلك المرّة.. طرَقتُ الباب مرّتين بقوّة..
يُفترَض أن تُخرجه من فقاعة الحُب التي يُسامرُ فيها الجواهر ثمّ فتحته..
وكعادَته لم يُطالعني، كأنّ دخولي لم يحدُث أصلًا، بينما يجلسُ خلف الطاولة..
الكثير من المجوهرات فَوقها..
«مساءُ الخير، أيُمكنني أخذ القليل من وقتك..؟»
لم تُفارق عيناه ما بيدَيه، في حين أنني سحبتُ الكُرسيّ بالفعل ووضعتُه على مسافة جيّدة جوارَه..
«مساء الخير، ما الأمر..؟»
طوَيت ذراعايَ فوق الطاولة، أتمعّن ما يفعَل لثوانٍ عدَدتُّها قبل أن أسأل..
«قد تجد طلبي غريبًا لكن.. أيُمكنكَ أن تُعطِيَني قطعة مُزيّفة..؟ أعني قِرطًا أو شيئًا من هذا القبيل..»
حينها فقَط ترك ما يفعل والتفت إليّ، ركّز نظراته الملكيّة على عينايَ وسأل..
«لماذا تُريدينه؟»
أشحتُ بصري فورًا واختصَرتُ كي لا أُدخِلَه في التّفاصيل..
«أحتاجُه لأمر ما..»
توقّعت أن يسأل أكثر..
لكنه أشارَ نحو بعض الأدراج.. كانت في إحدى الطّاولات الكثيرة من التي تحمِل حاويات المجوهرات..
بين الياقوت والزمرّد وغيرهما الكثير مما لم أعرف
اسمه.. وغالبًا جميعها مُعدّة لأشخاص..
«ابحثي في تلك الأدراج ستجدين ما تحتاجينه..»
وعاد لعَمله..
اتّجهتُ حيثُ أشار، الدّرج الأول فارغ والثاني وجدت فيه عُلبَة أقراط من زمرّد وحُليًا أُخرى متقطّعة أو مغبَرّة..
يُفترَض أنه مُزيّف رغم اللمعَة التي جعلته يبدو
حقيقيًا..
رفَعتُه من بين الغُبار بحذَر، كأنما أُخرج أحدًا من قَبره وإذ بعنكبوت يقفزُ في وجهي..
انتفَضتُ للخلف بصَرخة لا إرادية فهرَع نحوي، ارتطمَت يدي بإحدى الطّاولات فسقَط عنها صندوق المُجوهرات..
أمسَكَه قبل أن يصل الأرض وداس الحشرةَ في وقت واحد بينما أنا وجُرحي الذي بدأ يئنّ بعد تلك الرّجة نُحدّق من زوايةِ الصّدمة..
وفقَط حينما ضَمِن سلامة صندوقه، التفتَ إليّ وأنا أُحاول الوقوف، فمدّ يده بهدوء، كأن شَيئًا لم يحدث..
«أنتِ بخير..؟ قفي هيا..»
لم أقوى على ذلك وحدي، فاضطُرِرتُ للتّمسّك بكفّه حتى وقّفتُ بعدم اتّزان..
يتغلغل في معدَتي شيء من الغثَيان، اعتصَرتُها بألمٍ تحت نظراته الجّامدة فأضاف..
«أعتذرُ عن ذلك، فهذه الأدراج لا تُنظّف يوميا، لأن ما فيها يُتلف مرة كلّ شهرَين..»
ما زلتُ أصكّ على أسناني كي لا أصرخ من الألم عندما قُلتُ بصوتٍ خافِت..
«لا بأس، أُريد العودة للغرفة بسرعة..»
شعرتُ بلسعة حارّة ثنتني بعنف..
حمَل عُلبَة الأقراط عن الأرض وتمسّك بذراعي ليدعمَني أكثر
«دعيني أُوصِلكِ..»
من الغباء الرّفض الآن، رغم أنني أكرَه كوني بحاجة
للإسناد..
أبدَيتُ موافقَتي بالسّير جوارَه، هو متمسّك بكفّي ويده الأُخرى منتصف ظهري..
لم تعد لمسَته تُثير قشعريرتي رغَم أن دفءَ كفّتَيه ما زال يفاجِئني.. كيف لهذه الحرارة أن تثبت رغم تلامسنا النادر..؟
نزلنا حتى بداية الطّابق الأول وأمام باب الغرفة تركني..
«تناولي المُسكّن وبدّلي الضّماد، إن ساءت حالتكِ ناديني»
~~
~~
كأنّ وجهه قطعَة من ليل حالك، يمشي خارج المَشفى تتبعُه أذيال الخيبة، تتردد جملة الضّابط في أذنه لتزيدَه ضيقًا..
"كلامُكَ غير منطقيّ ولا دليل على أنها هيَ، تفضّل بالخُروج"
حالة والده استقرّت لكنّه لم يَطمئن، فالخوف يُعشعشُ في أركان قلبه..
ماذا يفعل الآن..؟ يجب أن يجدَ حلًا قبل أن يخسرَ شيئًا آخر في المرّة القادِمة.. لكن.. من قد يُفيدُه..؟
أو ربما هو يعرف.. لكنّه يضعَه كآخر خيار..؟ ربما حان وقت الذّهاب لمن يعنيهم من قتَلَه.. يجب أن يزور آدم روهند..!
وعلى هذا الأساس عقدَ العزم واتّجه لشَمالِ البلاد، تحديدًا المُثلّث الذهبي..
المنطقة التي تستضيف ثلاثة من أشهر الأثرياء وعلى رأسهم عائلة روهَند..
في السّابعة والنّصف تمامًا كان أمام بوّابَتهم العملاقة..
«من أنت..؟»
سألَه الحارس غليظُ الوجه بصوت حاد أربكَه، لكنّه سَيطر على نفسه ونبس راجِيًا ثبات صَوته..
«أنا شخص يعرف السيّد شارلن، فقط أخبره أنّ اسمي لِياس، سيُدخِلُني صدّقني..»
يرمي لزميله نظرَة دخل على إثرها، بينما ظلّ هو أمام لِياس ولم يختصر نظرَة واحدة تُشعرَه بكم هو مكروه، ريثما عاد زميله بالإذن فدخَل بتوجّس..
تترامى نظراتُه في جنَبَات المَكان، فيتراكَم فيها الذّهول معَ تقدّمه حتى البابِ الرّئيسيّ..
حيثُ وقفَ شارلِن برمقة حادّة، فركَت نظره بالأرض الحجريّة..
«لمَ أنتَ هنا؟ ألم أُخبركَ بألّا أرى وجهكَ ثانيَة..؟»
عض شفتَه وزفرَ نفسًا طَويلًا يُخفّف الضّغطَ عن نفسه، كأنّ كلّ ما حدث له حتى هذه اللحظة لا يكفي!
«آسف لذلك، لكن أرجوك، أنا بحاجَة للتّحدُّث مع السيّد آدم..»
يزداد عبوس السّامع مُحافِظًا على صمته لوهلة.. يدرُس بحكمَة جُملته القادمة..
غافلًا عن تلف الأعصاب الذي سبّبه له.. قبل أن يُناديَ العاملة أخيرًا لتستدعي ابنه.. ثمّ يستدير لمجلِس الضّيافة..
«اتبعني»
بضع ثوانٍ مرّت قبل أن يفتح آدم الباب ويتجمّدَ عليه..
يحدّق في الضّيف الذي هرّب بصرَه للأرض، ثمّ يرمي والدَه بنظرة استفهام، قُوبِلَت بواحِدة أمرته بالجلوس جواره..
قبضتاه تشتدّان، وحاجباه يصرّان على الاشتباك.. جسدَه متصلّبٌ.. كأن يد الموقف تعتصر عنقَه..
جلس مُحتضِنًا ذراعَيه بقدم فوق الأُخرى، يشزُرُه بنظرات لا يشعر بها دون نطق حرف واحد..
وكأن لِياس استنفذَها ليُخرِجَ كلّ ما في جعبَته..
~~
~~
التصقَ بِبابِ الغُرفة فور أن ولَج، كأنه حاجِزُ الأمان عن وحوش تُلاحِقه..
أغمضَ عينَيه بزفرة طويلة، يحاول كبحَ جِماحِ هَواجِسِه وفتحَهما على صورَتها فوقَ سريره..
كُل الانفعال الذي سكَنَ جسَدَهُ تَلاشى عِندَما انشغَل عَقلُه بِما أمامَه..
فهذا المَشهَد ليسَ بالمَألوف، نظرًا للحِرص الذي رآه مِنها مُذ بدآ بالعَيش معًا..
اقتربَ أكثر حتى وقف جوارَها، يُفترَضُ أن يُوقِظها لكنّه بقيَ ثابتًا.. خنَقت اللحظة إدراكه حتى سَها..
حشَرَ يدَيه في جيوبه وسمحَ للمَشهدِ بأن يسرِقَ انتباهه للحظات تحديق فيها..
بملابِسها الأنيقة، عبقُها الذي بات جُزءًا روتينيًا من حياتِه وهالة الهدوء التي تُحيطُ بها.. يتمعّن وجهها الساكن..
ليسَ مُشتدًا أو مُتوجّسًا كما يكون طَوال الوقت، بل متورّدٌ وكأن النّوم هو الملجأُ الوَحيد الذي لا تُضطرّ فيه للقِتال..
ربما لِهذا تَنامُ كثيرًا..؟ هذا إن وضع تأثير المُسكّن جانِبًا..
يَمنحُه المَوقف فرصَة لم يسعى خلفَها لإدراك من هي المَدعوّة زوجته حقًا..
من هيَ سيلينا كورفال.. البّاهرة التي لطالما أخفاها والدُها عن الأنظار، خصوصَا بعد الطّلاق..
الجميلة لحدّ لا يعرف بما يُسمّيه.. رُبما حدّ الفِتنة..؟ أو شيء أعمَق، سيجعُل أيّ رجل يُريدُها ولو كانَت مُجرّدَ جُثّة..
لكنّه يعرفُ أن كلّ هذا الجمال، ما كان إلّا نِقمة عليها، كما كان يقول صديقه وأخوها..
يعرفُ كيف جعلَها تُحاول الهروب طوال الوقت، تهرُب من الرّجال وتنعزِلُ عن النساء اللاتي يكرَهنَها طبيعيا..
ثمّ تزيد سُمعة والدتها الطّين بِلّة، كان يعرِف كم عانَت ويعرِفُ كُلّ شَيء لا تُريد هيَ تَوضيحَه..
يهزّها بلطف لمرّة، ثم اثنتين، لكنها كالجُثّة.. فلَم تستجِب إلّا بعدَ المرّة الثالثة..
«سيلينا..»
فرجَت جفنَيها..
صورته مشوشة في عينَيها، حينَ أدركَت موقفها نهضَت تمسَح وجهها بينما تحدّث هو مُبتعِدًا للشّرفة..
«أبي يُريد الحَديثَ مَعكِ في أمرٍ ما، أرجو أن تَنزِلي الآن..»
ماذا..؟
ظلّت تُحَدّق في الفراغِ لفترة قبلَ أن تُغادِرَ عن السّرير نحوَ الحمّام..
غسَلَت جهَها وهذّبَت ثِيابَها ثمّ خرجَت، توقّفَت خطواتها حينَ رأته جالِسًا في الشّرفَة، يُطالِعُ الفَراغَ بهدوء..
ويبدو كأنما نسيَ وجودَها.. هل حدَث شيء أثناءَ نَومِها..؟ ألهذا علاقَة باستدعائِه لَها..؟
هل هو آرون مجددًا..؟ لم تملِك أي فكرَة.. أفرجَت عن تنهيدَة طويلة قبلَ أن تذهَب في طريقها..
دقّت الباب فأذِنَ لها فورًا، لتدخُلَ بهدوء مع تحيّتِها..
«مساءُ الخَير..»
أغلقَته ومشَت نحوَ الأريكَة أمامَ مَكتبِه..
«أهلا بكِ يا ابنتي، تفضّلي..»
كعادَته يُحافِظ على ابتسامة وَدودَة، لطالَما جعلَته في مُقارنَة دائِمَة معَ والدِها..
إلا أنها لم تَكن كافيَة لإخفاءِ الهمّ الذي اتّضَح في زفرَتِه قبلَ أن يَنطِق..
«أُريدُ مِنكِ مَعروفًا يا ابنَتي..»
ما الذي قد تَستطيعُ فعلَه لرجُل مثل شارلِن..؟
«أرجو أن أستطيعَ تأديتَه..»
تنهّد بتعَب..
«أيُمكنكِ زيارَةُ والدتِك..؟»
شعرَت بنغزَة في معدِتها..
لم يرى كفّتَيها المُعتَصَرَتان فوقَ حِجرِها لكنّ اصفِرارِ وَجهِهَا بدا سيئًا بالحدّ الكافي لجعلِه يُبرّر فورًا..
فأعلمَها عن تفاصيلِ زيارِة لِياس، وكيف ارتأَى هو أن يسألَها عَن ذلك..
«فهِمت..»
زيارَةُ والدَتها هكذا فجأة..؟
وكيفَ تضعُ كلّ ما بَينهُما جانبًا..؟ هذا إن قبلَت استقبالَها أساسًا.. لكنها لن تُخيّب لشارلِن أوّل طلَب..
وبالتفكير في الأمر فإنها لن تخسَر شَيئًا، ستُثبِتُ فشلَ علاقتِهما وتعود، في الواقع لطالَما فعلَت ذلك..!
كما يبدو أنه لا يعرف بطلَب لِياس ذلكَ من قبل، ووضع أمالًا على علاقتها بوالدتها..
لذا.. لا بأس بالذّهاب، وربما هيَ فرصَة لتراها، فرغم كل شيء وبعدَ كلّ ما حدَث..
لن تستطيع الكذب على نفسها، فهيَ ما زالَت لا تكرُهها..
«هيّا للمجلِس يا ابنتي..»
أيًّا يكُن..
تُومِئ بابتسامة وتتبَعه حتى مجلِس الطّعام، حيثُ تفاجَأَت بِوجودِ ليزا وعائلتِها الصّغيرَة..
إذًا لهذا قرّروا أُمسيَة عائلية بشكل مفاجئ، يُقاطِع تحيّتَها مِزاح ليزا..
«ما الذي أراه..؟ هل أخذَت سيلينا مكاني يا أبي..؟ هل تخلّيتَ عني بعد كلّ هذا الوقت..؟»
يبتَسِمُ لكلامِها بينما يتقدّم لمَكانِه مُنتصفَ الطّاولة المُستطيلة..
«بالطّبع لا يا عزيزتي، لكن باتَ لسيلينا أيضًا مكان في قَلبي»
هي جاوَرَت آدم الذي يبدو شارِدًا..
ثوانٍ قبل أن تَلْحَظَه.. نظَراتُه الفارغة ما زالَت تملَأُ طبقَه الكامل وكأنّهُ مجرّدُ مرآةٌ لما في عقلِه من شَتات..
ذراعاهُ مَطويّتان فوقَ الطّاولة وعينا لُويس تتفرّسانه بقلَق
تحت النظّارته الطبيّة..
ما الذي حصل بالضبط أثناءَ نَومِها..؟ فحصَت الوُجوه بنظرة سريعة، لا يبدو أن أحدَهم يعرف شيئًا عدا شارلِن ولويس..
وفي النهاية تَنشغِلُ بَطبَقها..
فإما تأكُل لُقيمات صَغيرَة أو تعبَثُ بمحتواه عشوائيًا بين الفنيات، لتَمنَع أيّ سؤال حولَ تغذيَتها في الفَترَة الأخيرة..
مُستمرّون بتبادُل أطرافَ الحديث.. حولَ رحلاتُهُم العائلية وذكرياتُ طُفولَتهم التي جلبَها كلامُ ليزا وغيرِها مما لا شأنَ لها فيه..
تلتقطُ بعضَ كلامهم كلما أفلتَها السّرَحان للَحظة وتكتفي بابتسامةٍ هادِئة كلما طالَها بعضُه..
«لمَ لا تأكل يا آدم، هل تشعر بالتّعب..؟ اذهب للطّبيب يا عزيزي..»
انتبهَ الجميع لكلام والدَته القلِقة، فتسارَعَت النّظرات إليه حتى تركَ ملعقَته ووقَف..
«لا، لكنني لا أشتهي الطّعام، استأذِنُ للخُروج..»
فوقفَ لُويس خلفَه، بادَل عمّهُ نظرَة سَريعَة وتبِعَه..
مرّت بعدَها ثَوانٍ من الصّمت الثّقيل قبلَ أن تنبسَ ليزا
فَجأَة..
«لا تقلقي يا أمي، عِندَما ينفرِدُ بِسيلينا سيَشعُر بالتّحسّن..»
التفتَت إليها بسرعة..
«ماذا! ل..لا، ليس الأمر..!»
هيَ تُسَيطرُ على أيّ شيء عدا أفواج الدّم التي تَتجمهرُ فوقَ وجنتَيها في هذه المَواقف..
فغطّت فمَها وأشاحَت وجهها المُشتعل بينما ضَحِكَ ثلاثَتُهم.. ثمّ أضافَت مارغريت..
«انظُري كيف احمرّ وجهها، تُذكّرني بكِ بِدايةَ زواجِك..»
«لا، لم أكُن خَجولَة بقدرِها، أنَظُري كيف تكادُ تنفجِر..!»
شارلِن يضحَك رغم محاولاته لتَغيير الحِوار بينَ الفِنيَة والأُخرَى، وليزا تستمرّ بإضافة الكلام فتضحك مارغريت..
تسطو على ذاكرتها الجلَسات القَليلةَ معَ صديقاتِ والدَتها..
نَظراتُهنّ لَها، أحاديثُهنّ عنها وأمامَها، ليسَ وكأنّها طِفلَة..
ينظرنَ لها كمشروع امرأة.. أُنثى ستُخلف أمها في جذب الانتباه، وكأنّها مُجرّد دُمية بجسَد ووجه جميل..
كما قالت لورا.. التي ما زال كلامها يجد مكانًا في ثنايا عقلها رغم إدراكِها التّام لسفاهته..
«سيلينا.. أين سرَحتي..؟ أعتذر إن أحرُجتكِ دون قصد..»
«لا تقلقي، أنا فقط أسرُح كثيرًا..»
يَبتسِمون على مضض، عائدين لأحاديثهم تزامنًا مع عَودة لُويس وحده، فيُعيدُ القلق لوجه عمّتِه..
«هل هو مريض يا لويس..؟»
يبتسم لها عائدًا لمَقعَده..
«لا أبدًا، لقد أرهَق نفسَه في المعمل اليوم، ولهذا صعِدَ ليرتاح، توقّفي عن القلق يا عمّتي فهو رجل بالغ وهذا يُؤذي صحّتك..»
هذا الشعور الغريب في كلّ مرّة تشهد مثل هذه المواقِف.. وكأنها تُدركُ في كلّ مرّة.. أنه حقًا يوجَد أمّهاتٌ جيّدات..
تُرى كيف سيكون اللقاء مع والدتها..؟ هيَ حقًا لا تريد الذّهاب..
«اسمحوا لي بالخروج..»
يُلْحَـــــقْ..
حياكم الله من جديد 🍁
📍اجتماعنا..
❤️
وإلى لقاء آخر إن شاء الله
اي شيئ سيئ يذكر بالرواية من قتل شتيمة حتى على مستوى إزعاج شخص بكلام او مضايقته وما إلى ذلك من أمور هي كثيرة وُضعت خدمة لأحداث الرواية فقط ولا أشجع عليها أبدا
nabiola_as05