لِقاءاتٌ حَرِجَة

لِقاءاتٌ حَرِجَة

8 0

الثانية ظُهرًا..

جَبل منَ الأوراقِ رَسى على المكتب أمامها، يُهَيَؤ لنَظرَتِها البائسة تضخّمه بدل أن ينقُص مع كلّ ورقَة تسحبها لتُقارن خطها بالذي في الرّسالة..

تنسَلّ منها تنهيدَة ثقيلة حين بدأ القلق يخرُج عن سيطرتها الواهنة، لتَرميَ ما بيَدَيها غاضبة..

تُطرِق رأسها أرضًا وتشدّ على فكّها..

«ليست هذه أيضًا! ليست هي.. اللعنة! سأفقد

عقلي..»

تضربُ الطّاولة ثمّ تقبِض على جانبيّ رأسها بينَما تتجَمهَر الدّموع على حد جفنَيها..

شهقَة خافتة تنضَمّ لحفلة النّدبِ وتعطي الإذن لهطول دموعها..

فتَعتصِر عينيها بأنين مَقهور، زاحم الهواء في فضاء الغرفة..

لم يسبق وأن وُضِعَت في موقف كهذا..

لم تعرِف أن طعَم الورطة مُر وعَيشُها حارِق هكذا، كَونها الجلاد طوال الوقت جعل دور الضّحية أثقَل مما هو حقيقة..

ورغم ذلك، لا خيار أمامها، لذا تمسَح دموعها وتُسنِد ظهرها بعَزمّ، كجُنديٍ يُكمِل المَشيَ رغم جراحِه تستأنف..

لابدّ أن يتطابَقَ خطّ إحدى العاملات مع الذي في الرّسالة، لا مجال لأَن تفقِد ما تبقى من عقلِها إن لم يحصُل ذلك..

هذه هي، لا بل هذه، بالتّأكيد هي التي بعدَها، عيناها تمرّان بسرعةِ يديها في رمي الأوراق..

صَوت ضعيف من بقعَة هلعة في نفسها ما زال يُصبّرها.. ستكذب إن قالت أنها تُصّدقه..

ولكنها ستستمر في مُلاحَقَة خيال الفرصَة، وإن كانت تعلَم علم اليقين أن الأمر مجرّد تأخير لاستقبال الحقيقة، لا غَير..

هيَ في كارثة، حياتها وسُمعَتها على المِحَك ولا تستطيع البَوح لأحَد، أي زلزال ضرَبها فجأة؟

خارَت قواها وارتدّ جسدُها إلى المقعد مستسلمًا.. ما تبقى من صبرها وصل الأرض مع دموعها..

على مَن تكذِب؟ على نفسها..؟ لا شَيء سيتغَيّر والرّسالة على حالها..

ربما يجب أن تستسلمَ فقَط.. وإن فُضِحَ أمرها..؟ فستَهرُب معه! أجل! هذا أفضل حلّ..

~~

~~

ليسَ وكأنّ نزهَة قصيرة ستجتثّها من مستنقع الهَم

لكنها نجحَت في سحبها بضع إنشات خارجه..

يمتزجُ صوت ليزا بصرير الباب لدى دخولهما..

«لأنّ الأمور هكذا يا عزيزتي.. لا الحُزن ولا الفرح دائمان فالأحوال تتقلّب والوَقت كفيلٌ بكلّ شيء..»

تربّت على كتفها بابتسامة رقيقة، لم تنجح بدفعها لصّنع واحدة بدل هزّ رأسها..

هل حقًا سيقدر الوقت على غلق هذا الجرح..؟

ليسَت متأكدّة من اقتناعها بذلك..

تجذب الخادمة أبصارهما بوقوفها نهاية الممر..

"سيّدة سيلينا، والدكِ ينتظر في مجلس الضيوف"

تصنّمت مكانَها.. حاجِباها يلتقيان فوق نظرَة ضائعة

والجملَة تُعادُ في فضاء عقلها الشّارِد..

لماذا..؟ ومنذ متى ينتظر..؟ بل كَيف تجرَّأ..؟ تصاعَدَ الحنَقُ إلى صدرِها فأحكمَت قبضَتَيها..

لكنها ما لبِثَت أن تمالَكَت نفسها بزفرَة طويلة.. لا.. هذا ليسَ ما عهدَته من نفسها..

يجبُ أن تهدَأ، وخَوفها منه لابدّ أن يموت..! ستذهَب لتراه بسرعة وينتهي الأمر.. نعم، لا داعي للغضَب..

_وإن كانت تغلي به_

تهمّ بأخذِ أوّل خطوَة نحو المجلس حين تشعر بكفّة ليزا على كتفها فتلتَفِت، ليزا ما زالَت هُنا..

«سيلينا..! ألَم تسمعي الخادمة..؟ لابد أنه انتظركِ طويلًا..

اذهبي لمقابلَته عزيزتي..»

صفعَةُ إدراكٍ أعادتها للواقع، تُخرج نفَسَها خُفيَة وتتخّذ خطوَة أخرى، هذه المرّة لن تترك مجالًا لأَن تُوقفها مجددًا

«معكِ حق، سأذهَبُ الآن..»

تهزّ رأسَها على مضض، فالشّعور بغرابة الأجواء لازَمها حتى وجدَت مُبررًا منطقيًا _ضمن حدود معرِفَتها_

هي لم تلتقي والدَها منذ مدّة، لذا غلبَها الذّهول قليلًا

وماذا قد يكون غير ذلك..؟

الباب مفتوح كالعادة، واجهتها الأريكة الفارغة والنّافذة..

إذًا يجلِس على الجهة الأخرى.. قلبُها ينتفض..

مئات الاحتمالات تتقاتَل على تجسيد السّبب الحقيقيّ لمجيئه..

الرّهبَة مما قد يُلقيه على مسمعِها فيُثير غضَبَها حاضرة بقوة..

لكنها تحسِم أمرها وتضعُ حدًا لكلّ ما راوَدَها فتَدخُل مُستقيمَة الظهر..

صقيعية الملامح ودون أن تُعطيَه نظرة واحدة.. تجلس على الأريكة مقابله بأقدام متشابكة، تزامنًا مع تحيّتها الباردة..

بدَت أقرَب لإشعار مُهذّب بأنها لا تُطيقه..

«مرحبًا، أرجو أن تقول ما لديكَ بسرعة فأنا مشغولَة..»

اتسعت عيناه قليلًا، طعَنَته الصّدمة في جرح ضميره المُلتهِب، أينَ طرَف الخيط ليَربطَ عُقدة جديدة..!؟

يراهُ أقصَر من أن يُعقَد مجددًا.. لا..! هل حقًا سينقطِع نهائيا..!!

أبدًا..! لن يسمَح، بل سيقبِض بكلّ قوته على طرفه القصير تفرّ من سيطرَته الهشّة تنهيدَة عميقة..

ثمّ يسترسل، نظرَة الرّجاءٍ تَنعكِس عن مرآة ندمه بينما يُسنِد ظَهرَه بجَبروت، كأنما سينكسر إن أرخاه لِثانية..

توقُه لسماحها في قعر الوادي وعزّة نفسه تعتلي جبلًا.. أيسقُط من أجلها..؟ أم يصعَد فيُضحّي بوصول صوته..؟

«جِئتُ لأطمئن عليكِ، أنتِ عكس أيّ فتاة لم تزوري عائلتكِ

مُذ تزَوّجتي، ألا يحقّ لي ذلك..؟»

هرَب من الخِيارَين نهاية المَطاف، طوت ذراعَيها وحملَقَت فيه بعبوس حاد..

هل هو جادّ فيما يقوله..؟ بل هل يُدرك سخافَة حديثه..؟

أشعرَته ببشاعَة موقفه، فأزاح بصرَه وهلَة..

يبحَث عن صيغَة أُخرى لتحتمِلَ وزنَ ندَمَه، إلّا أنها قاطعَته بعنف..

«هل يُمكنكَ التّوقّف عن التّظاهر بأن شيئًا لم يحدُث..؟»

نبرَتها أعلى وأمضى مما تخيّلَت..

بل إن الجّملَة كلها خارج مُعجَم اللقاء، كأنها انفجار غيرُ مَحسوب..

تُرجع ظهرَها الذي اندفَع لا إراديًا وتُحصّن صدرَها بذراعَيها قبلَ أن تطلقُ رصاصها نحو وجهه الشّاحب..

« لن أُتعِبَ لساني بسَرد جُرمٍ أنتَ تعرفه أكثَر مني، لذا رجاءً..

لا أُريد اطمئنانَكَ ولا سؤالك..

اعتبرني مِتّ ولا تَذكرني مجددًا، زيارتك اليَوم أفسَدت مِزاجي لا أكثَر.. »

صادِم وشديد.. كحُكم إعدامٍ نافِذ، حتى أن لسانه تجمّد، كان ردّها كاللجام على كلماته..

فتح فمه لكن الكلمات مَشلولة، وعندَما تمكّن من تحريكها أخيرًا، كان قد نال كفايته من تحديقها المُحتقِن باللوم والغضَب..

« سيلينا.. هل أمر الجراحة أثّر فيكِ لتِلكَ الدّرجَة..؟ لقَد هيّئتُ كلّ الظّروف ليَنجوَ كِلانا، وهذه الجلسة دليلُ نجاحي

أخذَ الغضَب ينسحِب من وجهها ببطء..

كُنتُ في صحّة سيّئة للغايَة وأنتِ أمَلي الأخير، أنا لا أُبرّر فِعلَتي لكن، لمَ لا تتعايَشين مع الوَضعِ فقَط..؟

اتّسعَت نظَراتُها وانفرجَ فمُها بلا رَد..

لطالما كُنتِ ناضِجَة مُتفهّمَة، ثمّ إنّك تَزوّجتِ شخصًا تحبينه وانتهى كلّ شيء، إذًا لمَ ما زلتِ مُتمسّكَة بِما حدَث..؟ »

قَد مادَ بِها ضَربٌ منَ البُهت، فهيّجَ في نَفسِها تَساؤُلاتٍ

لافِحَة..

هل هيَ مَجنونَة..؟ أم هوَ كَذلِك..؟ هل حقًا لا يرى الخَطَأ..؟ أيُعقَل أنها تُبالِغ..؟ هل ترى والدتَها الآن..؟ أما مِن أحدٍ عاقلٍ بينَهُما..؟!

تِلكَ الحَرارَة في صَدرِها، هذا يَلسعُ بِشدّة، تَغلِبها شِق ابتسامة، كوليدةٍ قَبيحة لمَوقف أقبَح..

ساخِرَةٍ منَ الجُنون الذي يُحيطُها.. فماذا تَقول..؟ كأن الأحرف عاجزَة عن حمل ثِقَل الكَلام..

خارَت قواها..

وصل الحِوار هذا المُستوى وما عادَت تملك جلَدًا لمُجاراته..

صوتها خافت مبحوح.. كالنّفَس الأخير في صدرِ محتَضِر..

« أنتَ لم تكتَرِث لاحتمال مَوتي أساسًا..! فالجِراحَة مهما هيّأتَ لها، ليسَت مَضمونَة النّجاح..

ومع ذلك، لقد تعامَلتَ مع الأمر كما فعَلتَ في كلّ مرّة اشتكَيتُ من أفعال عمتي.. استصغَرتَه..

لأنه تعلّق بي، بشيء لا تكترث له.. أنتَ لم تنتبه وربما تجاهَلت، أنني ومهما كنتُ عاقِلة..

فلن أستطيع التغاضيَ عن فعلَتك..! لذا توقّف عن استغبائي والكذِب على نفسك..! »

أسنانه اصطَكّت.. حاجباه اشتبكا، ما الذي تتحدّث عنه..؟كيف حوَت كلّ ذلك طوال تلك السنوات..؟!

قبضتاه اشتدّتا فوق ركبَتَيه واندفَع جسده مع لسانه، إزعاج أخته..؟ هل تُسمّي التّربيَة إزعاجًا..؟

ثمّ.. هذا ليسَ ما كانَ يُفكّر به، هو.. لحظة..! هو ماذا..؟ وقْعُ الإدراكِ أقسى مما تخيّلَه، والآن تضربُه الذّكريات..

جميعُ الحقائق التي داسَ بعضَها وكذّب أكثرها شكّلَت سدًا أمام أيّ تبرير يُمكِنه وصوله، فهي مُحِقّة..

رفَع نظرَته الشاخصة عن الأرض فاصطدَمَت بعينَيها المُحمَرّتان..

صوتُها تخلّى عن آخر ثباتِه معَ جُملَتِها، في حين وقفَت دون تردّد وبصرُها على البابِ يطردَه قبل لسانها..

«غادِر، لن أحتَمِلَ سَماعَ شيءٍ آخَر.. أرجوك..»

ليس لدَيه ما تسمَعُه أساسًا..

يبدو أنه بحاجَة لجُهد أكبر هذه المرّة.. لذا استجمَع نفسَه

واستنَدَ بثقل استغربَه.. كأنما يحمِل صدمَتَه على كاهله..

مسحَ على وجهه ونظرَه مع جسده اتّجَه للمخرَج، قبل أن يرميَ أخيرًا..

« سأذهَب الآن، لكن تذكّري يا سيلينا، الدّم لا يُصبِح ماءً ولهذا فأنا جزء لن ولا يُريد أن ينتهي من حياتك..

أستحقّ غضبكِ، لكني ألتمِس منكِ فرصَة أخيرة أيضًا، إلى اللقاء.. »

قَيدُ عبَراتها تفتَت مُذ أدار ظهرَه.. كفّتاها هبّت لسَتر وجهها المُمتلئ بالدّماء..

والرّجفَة تلوّت معَ شهَقاتها المُتتابعَة، لمَ ذلكَ الأمل السّاذج نبضَ بالتّوقِ لهُنيهة..؟ ولمَ يؤلمها الأمر هكذا..؟

ألأَنه والدها فقط..؟ هل هو الدّم اللعين حقًا..؟ لكن..

ماذا عن السّخَط..؟ ماذا عن كلّ الألم الذي تسبب به..؟

كيف يَعتذرُ لبيتٍ محروق بأن يضعَ على ركامِه زهرة..؟ ويطمعُ بجرأَةٍ في السّماح..!

هو قَد اعتَذَر في النهاية.. والكلمة التي انتظَرَتها لأكثرَ من عشرين عامًا وُلدَت أخيرًا..

بعد نصف كبدٍ وأَخ ووصول الحَضيض.. لو درَت أنها مُكلِفَة هكذا ما كانَت لتَفكّرَ بها حتى..

هوَت على الأريكة مجددًا واستقرّ وجهها فوق ركبتَيها..

لم يُزاحم الهواءَ سوى شهقاتِها الخافتة حتى انبثقَ صوته..

«هلّا رفعتي رأسك..؟ أخبريني ما الذي حدَث..»

كتمَت صوتها تمامًا وضغطَت وجهها أكثَر..

ثمّ شعرَت بهبوطِ الأريكة جوارَها.. حيثُ حنى ظهرَه ليُسندَ ساعديه على رُكبَتَيه..

«أفترضُ أنكِ تخطّيتِ خوفَك منه، إذًا ما الذي حدَث الآن؟»

من أين تبدَأ..؟ وماذا تقول..؟

بغتَةً انزلق لسانها بما شغَل بالها.. صوتها المتهدّج تخلّلَته بقايا الحدّة بغيرِ قَصد..

«لا تبقى موجودًا في كلّ مرّة أبكي، الأمر مُحرِج..»

لم تصطلح النّطقَ.. "لستَ مُضطرًا لذلك ضمن اتّفاقنا"

لكنّه اعترَض بهدوء..

«سأفعل، لأن هذا ما تزوّجتكِ لأَجله، من أجل آلبرت.. أليسَ سببًا كافيًا بنظَرِك..؟»

إذًا فعلًا ليسَ لأيّ نوايا أُخرى..؟ ليسَ مؤامرَة خطيرة أو سببًا خارِقًا..؟ فقَط لأنه أرادَ الاعتناء بما أهمّ صَديقَه..

«فقَط إذًا..»

كأنّ نَواياهُ تُقلِقها..؟ إذًا يَحتاجُ تَوضيحًا أكبَر لتَصرّفاتِه..

رفَعَت رأسها وفركَت عينَيها في الاتجاه المُعاكِس لمكانه..

قبل أن ترمي خدّها على كفّتِها..

صَوتها المَبحوح خانَها..

« لقَد اعتذر مني بعد الإهمال طوال السّنين الفائتة، وهذا فقَط.. إنه يغيضني بشدّة.. ومع ذلك..»

رأى ضغطَها لخدّها.. أنصتَ لضعفِ صوتها المهتَز.. يبصِر خيبَتها من نفسها أكثر من الظّرف نفسه..

«جزء غبيّ داخلي أرادَ أن يقبَله..»

أيُعقَلُ أن نصائح المُختص النفسيّ ستلبّي حاجَته الآن، بعد كلّ إعراضه السّابق عنها..؟

«سيلينا.. أنا لستُ بخبير نفسيّ، لكن.. أرجو أن يساعدكِ ما سأقوله..»

التفتَت إليه متناسية وجهها، لكنّه لم ينسى إبقاء بصره أرضًا..

نظراتُها مقبلَة على قوله، يلفِتها الهُدوء والرّزانة المُنبَعِثتان منه، كأنما تذكّرانِها بأن أعقَد الأمور لن تُرخيَ سَيطرَته..

« أرى أن عليكِ أخذَ الأمر بترَوّ قليلًا، ليسَت كلّ المشاعر تُفهم في بدايَتها..

لذا دعي خاصّتكِ المُهتاجَة تهدَأ أوّلًا، ثمّ زِني الأمر بمنطقكِ المُحايِد..

أعني.. خذي وقتَكِ فحسب، وإن حدَث فلَم تقدري على إرادة قلبكِ بمسامحته، فلا تُعطيه ترَف المَعرِفَة بذلك.. »

بهذه البساطة..؟ الحلّ يرضي غضبها بطريقة ما.. ثمّ وقفَ مُقابلها..

ليست أول مرة يراها تبكي، لكن الآن..

هذا أسوأ.. بكثير..

فوجهها كساحة حرب بائدة.. مُنتفخ، مُحمر، وملطّخ بعينين ملتهبَتَين..

تاه في فضاء عينَيها.. مُقلتاها تلمَعان بشدّة تحت الدّموع.. حقًا..!؟ ما الذي يشغله في موقف كهذا..!!

صرَف تفكيره واستدارَ للخُروج..

«يجِبُ أن أُشرِف على قاعة الاحتفال، أتُرافقينَني..؟»

بالطبع ليسَ بهذا الوَجه، ثمّ إنها تَحتاج بعضَ الوَقت لتَرتيبِ نَفسِها..

لذا تَبِعَته..

«أشعرُ بالتّعب قليلًا، أريدُ العَودَة للغرفة..»

فأومأ مغادرًا..

حتى هو يستصعِب سَحبُها من هذه الحالة..

~~

~~

الرّابعة والنّصف عصرًا..

بين حملقة والدتها وعِقد الألماس المتدلّي من يدها، تأرجحت سوداََتاها المذعورَتان مرارًا..

«ما هذا يا أليس..؟ لمَ عِقدي المفقود في غرفتكِ وليس لدى إحدى العاملات..؟ لمَ ابنتي وليس إحدى الغريبات عني..؟!»

ينعكِسُ بَريقُه في دُموعِها المُجتَمعَة، شفتاها عاجِزتان وريقُها كحفنة تُراب في حلقها..

هل ستصدقها إن قالت أنها لم تسرق..؟ لا، فتلك النّظرات اللائمة تنسِف أبسط بادرة لذلك..

لِذا تختارُ الصّمت، والذي عَرّضَها لمَزيدٍ مِن التّأنيب..

«هل عُدنا للوقت الذي شقيتُ لتَخرُجي مِنهُ يا أَليس..؟»

كانَ استِيائَها يَتصاعَد بسُرعَة خَطيرَة، الخَوفُ مِن تِكرارِ الماضي والقَلقُ على الحاضِر..

فَإن تَغاضَت عَن الأَمر في طُفولَة ابنَتِها كيفَ ستَفعَل الآن..؟ هيَ فَتاة بالِغَة..!

كيف ستتزوّج على هذا المِنوال..!؟ بل ما مَظهَرُها أمامَ المُجتمَع..؟ صُعوبَة المَوقِف ستُصيبُها بالجُنون..!!

وتجلى ذلك في نبرَتها العالية، والتي جعلَت ابنتَها تتراجع حتى اصطدَمَت بالمكتَبِ خلفَها..

«سنتناقَش في هذا الأمر عندما أعود..»

تعرِض عنها متّجِهَة للباب فتلحَقها بدُموعٍ جاريَة لتتمسّك بذِراعِها..

«أمي أرجوكِ، أرجوكِ، صدقيني أنا لم أسرِق..»

تلتفِتُ بنظرَة مُنكسِرة حملَت كلّ خَيبتِها، ثمّ تَدفعُها للخَلف نابسَة بنَبرَة مُختَنِقَة..

«لا تكذبي، ستَبقَين في غرفتكِ طوال اليّوم حتى تُقرّري الاعتراف، وغدًا سنزور أخصائيّة جديدة..»

نظَراتٌ جاحِظَة تعلّقَت بظَهرِ والدَتِها حتّى ردّها الباب وارتفعَت أكتافُها لصَفعَتِه، قبلَ أن تسمَع صَوت إيصادِه

مِن الخارِج..

عصرَت وَجهَها الرّطبَ بكفّين مُرتَعشَتَين، لا تُصدّق أنّها عادَت للمَرارِ الذي خرجَت مُنهُ بَعدَ عَناء..!!

هذا كابوس.. حُفرَة ابتلعَتها على غفلة.. كيف تتصرّف..؟ سقطَت من الوهَن، ضمّت رُكبَتَيها لصَدرِها مُقابِل الباب وَفاضَت دُموعُها قَهرًا..

~~

~~

مُنتصَف بَهوِ القَصر الواسِع، بَينَ السّلمَين المُلتويَين

انتصب قوس حجري ضخم يحتضن باب القاعة الخشبي..

ما زالَ مُوارِبًا فعبرَته شُعبَة مِن نور الثّريّة، لتنسكبَ على حذائه الأسود وتتخلّل حَريرَ تنورَتها البَيضاء..

سَوادُ كَنزتُها المُخمليّة اندمَج بخاصَة بدلَته لتَشابِك أذرُعِهما..

ضِمنَ الهَيئَة الطّبيعيّة لدُخولِ المُضيفِ

وزَوجتِه..

يطرُف نظرتَها الباهِتة نحوَ الباب، ويَستَشعِر تيبُسَها

الشّديد..

«ما الخَطب..؟ ألستِ مُتيَبّسَة جدًا..؟»

التفتَت وانفلَت القلَق على مُحيّاها..

كانَت قَد فاوضَت خَوفَها المُستبدّ بعدَ إلحاحِ آدَم الغَريب.. غير أن الوقوف على مشارف الحرب لا يُشبِه التّخطيط لها أبدًا..

«مضَت سنوات على آخر حفلة لي، وبعد كلّ ما حدَث لا أشعر أنني بالاتّزان الكافي لمواجهة الناس، لا أشعر بأيّ خير.. مطلقًا..»

ما زالت كما عرَفها في المَشفى، ضائِقةَ المَلامِح على وشك الانهيار، وهذا مُخالف تمامًا لِما كانَ يقولُه شَقيقُها..

ذراعها مُتخشّبَة لدَيه وبصرِها يُغرَزُ في الأرض بمطرقة القلَق.. حسنًا..

ليس وكأنه نسيَ وَضعها الاجتماعيّ، لكن بغضّ النّظر عَن مِقدارِ سوءِه، أهوَ بالحدّ الذي يُبديها في مثل هذه المِحنة..؟

أدركَ بأنّه فوّت الكَثير بعدَما اكتفَى بالحَفَلات التي تَتعلّق بعَملِه وفي أحيانٍ قَليلَة ما يُضطرّ لَهُ اجتِماعيًا أو عائليًا..

ولهذا فقد عرفَ مُتأخّرًا جدًا أنها لا تذهب ولا تُدعى لأيّ حفلة.. مُطلقًا..

لَم يتخَيّل أن الجَميعَ حرفيًا لا يَدعونَها..

دونَ استثناء..

ولأجل كل ذلك، هو لَن يخرُج مِن هُنا دونَ تَنفيذِ ما أقامَها

لأَجلِه..

وإلّا لماذا حثّها بكلّ جُهدِه على القُدوم، بينما حضورها ليس بالضّروريّ..!؟

التفّ بضع إنشاتٍ ليُقابلها، كأنّ الكلماتِ ستتوه عن فَهمِها المُنتَثِر إن لم يفعل..

ملكيّتاه تشبّثَت بنظرَتها إليه..

وشرَد لهُنَيهة..

فتلك النّغزة الطّفيفة لسعَته لمرّة نسيَ رقمَها، كما في كلّ حُضور لكهرمانَتَيها..

« لا شيء لتقلقي منه، وُجودي سيَحُدّ من أي ثرثرة، وأعدكِ أن تختفي تمامًا لاحقًا، لذا تصرّفي بثبات وجاريني حين أطلُب منكِ.. »

اقترَن حاجباها وكانَت ستسأل، لكنّه اتّخذ خطوته نحو الباب فَسُحِبَت معَه..

إذًا ما الذي سيحدث..؟ بالتّأكيدِ لَن يَقولَ "لا تتحدّثوا عن زوجتي"

لابدّ من الانتظار..!

دفَعَه فغمرَتهُما الأَنوار، دَفقَةٌ مِن مَزيجِ العُطورِ الفاخِرَة زكمَت أُنوفَهما، تُزامِن سرَيان الهُدوء العَفِن..

أحكمَت تَعابيرَها رَغمَ شُعورِها بالنّظرات من حولها كعَشراتِ السّيوف تُسلّ في وجهها..

شدّت على ذراعهِ تلقائيًا فطَرَفَها لوهلة.. فهمَت نظرَته وتذكّرَت كلامه فأفرجَت عن زفرَة خافِتة..

قبل أن تُرغِمَ وجهها على ابتسامة بسيطة.. متى أصبحَت السّيطرَة صعبة هكذا..؟ وكأن اليَوم يحتاج إحباطًا أكثر..!

واجَهت هذا الضّغطَ بثبات مُذهِل عندما اضطرّت، فكيفَ

لا تتحمّله الآن لدَقيقة..!

كان عليها أن تَنشغِل عن حملقتهم المُزعِجة، حتى إن عنى ذلك صبَّ تركيزها على كلامه كأنما ستُمتَحَنُ به..

«يُشرّفني تلبيَتكم الدعوة ويُسعدني حضوركُم اليَوم، أرجوا أن تحظَوا بوَقت جيد هنا..»

تعالى التّصفيق ثمّ مَشيا تجاه طاولة مُخصّصة لأفراد عائلته.. الذين لم يأتوا لعدة ظروف..

لم تجد واحدًا منها يُبرّر تغيّبهم جميعًا عن الحفلة، خصوصًا بعدَ كلّ سعادتهم بها.. حسنًا، هذا غير مهم..

مجموعة رجال أقبلوا عليهما، وجّهوا له ابتسامات عريضة رغم برود تعبيره..

وقد شعرَت بصدقهم بعيدًا عن المجاملات التي تحدُث عادَة..

درسَت نظرَتُها الدّقيقَة تعاملهم ثمّ تصرّفَه.. تصافحٌ قويّ وابتسامات من طرفهم فقَط..

صحيحٌ أن معرفتها به محدودة إلّا أن مجاراته للحديث دون الاختصار الذي اعتادَته منه يُعدّ انجازًا..

اضطرّت لجرّ ابتسامة متيبّسة حين أغدَقوها بتحياتهم خلال نظرات سريعة، قبل أن يبتعدوا معَه..

كأنّها لم ترى احمرارَ وجوههم ونظراتهم المُتعطّشة

للتّحديق، وكم ارتاحَت لأن وجوده ما حرمهم من ذلك..

بقَدر راحتها لأن الهمسات قليلة جدًا، تعامَت كعادَتها وهبَطت على المَقعَد..

جودي ستصل متأخرة، لذا كان عليها تحمّل المزيد من الوحدة.. المزيدَ من وابل النّظرات الذي تُمطَر به كالعادة..

ألقَت نظرَة متوجّسة، كالتّائه في غابة موحشة، بل كأنها جُرّدت من الأسلحة وسَط الحرب..

هذا الوضع لا يرحمها أبدًا..!

تُحاول عزل سمعها عن الهمسات المُحيطَة وقد أخذَت تزداد مجددًا..

لكنها تكسر كل الحواجز كَريح عاتية، والأمر

يخنِقها..

"شخص بجموده لابدّ أنها فتنَته ليتزوّجها..!"

"من يُصدّق أن الأمر تقليديّ..؟"

"أليسَت كوالدتها في النهاية..؟"

اشتدّت قبضتاها فوق الطاولة، شعرَت بغطائها الأبيض يملأ فراغات أصابعها..

زفرَت بسخونة تكفي لإحراق القاعة بمَن فيها، آخر حفلَة حضَرَتها كانت في السادسة عشر من عمُرها..

هل كان الأمر بهذا السّوء حينَها، أم أنه مُختلف الآن..؟

من الصّعب التّقرير وهيَ لا تتذكّرُ سوى موقفٍ واحد..

أبى إلّا أن يغلِبَها في عُقر ذاكرتها..

حينَ دخلَت القاعة، تحمِلُ عبءَ والدَتها على أكتافها، لكن تمشي على طريق فرشَه حماسها الفَتيْ..

لاحظت نظرات الإعجاب في الأعين المترقّبة وكم تأجّجَ فخرها تنعّمًا بهذا التّميّز..

نسيَت زوجَة والدها وصراخ عمّتها قبل لحظات فقَط، تلك الدّقائق من اللمعان والازدهار تكفّلَت بكلّ سعادتها ليلَتها..

لقد سارَت كالرّيشة تحتَ أنوار الثّريّات نحو مقعدها، غير أنها غفلَت تمامًا عن الليل الذي بدَأ يتكاثف حولها..

فقَد تكاثرَت النّظرات الغريبة وتجمّعَت العيون التي تهرُب

من نظرتِها المَصدومَة، حتى الهَمسات تَعلو كأنّما تبتَغي صَرْعَها..

"ابنةُ الفاجِرَة.."

شقّت الكلمَةُ مَسمعَها وعطّلَت تفكيرَها، حتى أنها حملَقت في الفراغ بأَعيُنٍ جاحِظَة..

كانت الجملَة الوحيدة التي تعلقَت بأُذنها، وقد أحسنَت كسرَ شيء لم يُصلَح حتى يومِها هذا..!

تذكُر أنها وقفَت وغادرَت، كلّ ما حدَث بعدها ضبابيٌ

تمامًا..

«سيدة سيلينا، هل يمكننا الجلوس معكِ قليلا..؟»

هل كانَت ربع ساعة من التّحديق في الطاولة..؟

رفعَت رأسها فتجمّدنَ لوهلة.. مرَرنَ بذهول مَشلول على وجهها.. هذه المرأة..

أيُعقَلُ وُجودُ كل هذا الجّمال على الأرض..؟

وعَيناها.. إنهما قصّة بحالها..!

لم ينطِقنَ بحَرف بينما مَسحَت هيَ وجوهَ ثلاثتهن.. أخفَت عبوسها.. لم تعرفهنّ، هل يُخطّطنَ لشيء..؟

تحاملَت على مِزاجها ووقفَت تُصافح أكفّهنّ الممتدة أمام ابتساماتٍ واسعة..

«نعم..»

إحداهنّ بشعر بني، جلسَت مقابلها تمامًا، تبدو الأكثر إقبالًا مقارنة بالشقراء على يمينِها والحنطيّة على يسارها..

تمالكت نفسها والتقطَت يدَها دون تردّد، فزلّ وجهها بملمَحٍ مرتبك.. تداركَته متأخرة..

«أ.. أرجو أنّني لا أبدو فظّة، فقد أرَدت محادثتك منذ زمن ورأَيتها فرصَة مناسبة الآن..»

نظرَت للفتاتَين ولم يبدو على وجوههن شيء غريب، حذَرها بلا داعٍ كما يتّضِح..

« اعذريني رجاءً نسيت تعريف نفسي، أنا نايا سويِلت

_فردَت ذراعها نحوَ الشقراء_

وهذه آمبر

_ثمّ للأُخرى_

وأخيرًا ريسا.. »

ابتسمنَ بوِد شعرَت به وردَدنَ التٍحية قبل أن يأخذنها بأحاديث كثيرَة..

همهمَت لها بقَدرِ ما قالت نعم دون تركيز..! هنّ حتى لم يعرِفنَ أن لدَيها أخًا قد توفيّ..!

تنهّدَت سرًا، فماذا تقول..؟ لم ينقِذها منهنّ سوى صَوتٍ تألفُه..

«لقَد أتَيت..!»

التَفتنَ لنبرتّها الرّنانة..

كالمُعتاد ألقَت ابتسامتها العريضة ثمّ التقفت رفيقتها بعناق حار..

«كيف حالكِ يا فتاة..؟ لا تعلمين كم اشتقتُ إليك..!»

مسحَت مرارًا على ظهرها قبل أن تتركها وتلتفتَ لهُن..

تمدّ يدَها للمُصافحة..

تبادلَن أطراف الحديث لفترة وجيزة ثمّ استأذَنّ للمُغادرَة وَعادَت هيَ لصَديقتِها الصّامتَة منذُ جاءَت..

تجاوَرنَ على المقاعِد حولَ الطّاولة الدّائرية بينما تتحدّث بابتسامة ماكرة..

«انظري لنفسك كيف تأخذين الألباب يا زوجة الصّائغ، أوه عزيزتي كم أنت رائعة..!»

تخطّت الكلامَ كما لو أنها صمّاء..

«لن تُطيلي البقاء صحيح..؟»

رسمَت ابتسامة فخورة بينما تلفّ إحدى خصلاتها البرتقالية..

«نعم، فزوجي لا يحبّ أن أتأخّر..»

وكأنكِ أكثر من مخطوبة، ستَحتفظُ بالتعليق لنفسها..

«فهمت..»

ربتَت على كتفها البَعيد فَجأَة..

شدّت عليه وأضافَت بنبرَة رقيقة.. يشعّ منها لُطف ألِفَته مذ

كانت ابنَة السادِسة..

« اهدئي يا سيلينا، اهدَئي ولو قليلًا أرجوكِ، لا تعلمين كم

أنا سعيدة لخروجك هذا..

عودي كما عهدتكِ ومهما كنتِ قلقَة تذكّري دائما أنني معكِ.. »

كم سيخيب أملُها حينَ تعرف أنّها مُجبرة..؟ السكوت واجبٌ الآن..

ورغمَ كل الخيبات.. يومًا بعدَ آخر تترّسخ لدَيها الحقيقة.. جودي رونان هي حظّها الوحيد في هذه الحياة..!

أشارَت لآدَم فجأة، فنظَرَت..

«راقبي عَينَاه يا سيلينا، إنهما لا تهدَآن أبدًا.. هذا مُخيف قليلًا..»

يتصفّح المجوهرات.. يتأمّلها.. شغف عميق يغرق في عينيه بينَما تتقافزان بين الحُليّ..

من عِقد تلك لأقراط أُخرى، وحتى بعض الرّجال اللذين يرتدون ساعات أو بروشات مرصّعة..

لم يسلم شيء من نظرته الحثيثة، وللحظَة فكّرَت بأنه سيُجَن..

«لا شيء يدعوا للرّيبة، هو وجَد شغفَه فقَط..»

فالتفتت إليها باندفاع..

ابتسامة حالمة حطّت على وجهها المنمّش..

«بتّ تُدافِعين عنه الآن، هل سأُصبح خالةً قريبًا..؟»

رفعَت حاجبَيها كأنما تسأل استنكارًا..!

أهذا ما فهمتيه مني..؟

«لا تقولي هذه الأشياء مجددًا، إنها تزعجني..»

رسَت عليه نظراتها العابثة..

كان يقفُ مع مجموعة من النّساء، يطلُبنَ بعض التّصاميم على ما يبدو من إيمائهن.. شهرَته أكبَر ما تخيّلَت..

دون أن تشعُر مرّ وقتٌ جيّد، رجّحَته ساعة على أقل تقدير قبل أن تُغادرَ جودي..

بعض الرّجال يحدّقون، بعضهم يسترقون بين الفنِيات.. وجوهٌ محمرّة وهمسات بأعينَ لامعَة..

من الصّعب التّكيّف مع هذا الوضع، أثبَتُ ما فيها يتأرجَح وكلّ ما حولها مستفز..!

زرعَت نظرتها السّاخطة في الطاولة.. وكأن الغضب الذي يقتات على صبرها لا يكفي، تجد نفسَها مُجبرَة على التّغافل

لوْ لم يطلب بقائها لغادَرت بعدَ جودي.. اللعنة..!

ثمّ أينَ هو..؟

نظرَت حولَها، فتّشَت كلّ فُرجَة بين الأجساد المُتزاحمة ولم يملَأ أيًا منها، هل خرَج..؟

كانت ستقف لولا انتهاء رمشتها التالية فوق قميص

أبيض..

« تحيّاتي الحارّة يا سيلينا، أم يجب أن أكون رسميًا كونكِ متزوّجة الآن..؟

بكل الأحوال هلّا أعطيتني القليل من وقتك الثّمين..؟ »

ارتفع بصرها المتصلّب بعبوس نحو وجهه، ليسَ وكأن نبرَته الخَلوبة لا تكفي لتعرفَه..

ابتسامَة نبيلة تتناسب مع هيئَته بالبدلة السوداء الأنيقة ولسانه المغمّس بالعسَل..

لمحَت كفّه الممتَدّة وعادَت لوجهه، توجّسٌ مُبرّر تخلّل استغرابَها وعندما ردّت اكتفَت بضغطِ صدرِها..

«تفضّل، لكن أرجو أن نحافظ على الرسمية يا سيد رومان..»

صدَمَته بعُنف زلزل كبريائه المجروح..

ولم يُغِظه شيء أكثر من هذا الإدراك لصراحتها..!

تصلّب كيَدِه وما لبثَ أن تدارَك نفسه فسَحبَها.. تنحنح كأنما يُنبّه ابتسامته التي بدَأَت تتخَلخَل..

تمكّن من ترتيبها مجددًا رغمَ عنائه لكبح غضبِه الذي ازدادَ مع كلّ خطوة نحوها..

فكَيف بعد فعلَتِها هذه..؟

سيُنفّذ ما أرادَه..

« آه صحيح.. إذًا سيدة سيلينا كيف حالك..؟ أرجوكِ لا تفكّري في الماضي، لقد نسيت الأمر تمامًا..

وما جئت هنا إلا لألقيَ تحية صادقة كمعرفة، أرجو أن تمنحيها فرصَةَ صداقتك.. »

رائع..! أمسكَت تعبيرها من الضّجَر، ها هيَ الليلة تزدحمُ أكثر..

فما الذي كان ينقصها أكثر من رومان يوفِل بعد كل ما حدَث اليَوم..!

الرّجل الذي رفضَته خمسَ مرّات على مدار بضعة أشهر سابقة يقف كأنّما يستعرض ثباتَه لها..

هل حقًا قد نسيَ الأمر..؟ هذا ينافي الغيظَ الذي لم يتعنى إخفاءه في كل مرة رُفِض، لم تقتنع نهاية المَطاف..

«بالطّبع، أعتذرُ مجددًا لرَفضك، وأقدّر بشدّة بادرَتك لإعادَة رسم الحدود..»

أليسَ هذا ما تُريدُ سماعَه..؟ فقط اذهب..! لا فُرصَةَ للقاء يعرّز هذه الصداقة أساسًا، وهذه أفضل جزئية..!

«إذًا هل تقبلين دعوَتي لافتتاح مطعمي بعد

أسبوعَين..؟»

لن تنتهي..؟ زلّت ملامحها بتعبير سائم، ولم تشعر بالسوء حيالَه..

غياب الابتسامة زاد انزعاجها سطوعًا، وها قد نفذَ الصّبر للتّو..!

إن كان سيغضب بكلّ الأحوال فالتفعَل ذلك بأفضل

طريقة..

«سيّد رومان، شكرًا على لطفك، لكن لا أظنني سأستطيع.. أحتاج أن أذهَب الآن..»

معَ وقوفها المُندفِع تعثّرَت عيناها بملكيّتيه.. يقف بعيدًا يضم ذراعيه لصدره ويرسمُ تعابيرَه برودٌ مَعهود..

وكأنه.. يُراقبني.. أو ربما..

أيُريد التّأكّد من الشّائعات..؟

لا..! رجل مثل آدَم لن يفعَل شيئًا كهذا..

مُحال..

يُلْحَـــــقْ..

حياكم الله من جديد🍁..

📍اجتماعنا للفصل..

⭐

وإلى لقاء آخر إن شاء الله..

أي شيء سيئ يُذكر داخل الرواية من قتل شتيمة أو غيرها هي أفعال سيئة وضِعَت خدمة لأحداث الرواية ولا أشجّع علَيها أبدًا..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كهرمان

المؤلف nabiola_as05
2025/06/27 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة