شَفا الحَقيقَة

شَفا الحَقيقَة

11 0

الثالثة والرّبع ظُهرًا..

مِنَ النّافذَة المَفتوحَة في السّيارة طارَت عيناه لتأمّل السّماء

عن قُرب.. يَكتظّ فيها الغمام رماديًا..

يُلمّح عن طقس بقية اليوم ويُهَيمِن على الشمس حتى بدا نورها كظل واهن..

تنهيدَة خافتة أفصحَت عن تردّده للسّؤال، وقد حطّت خضراوتَاه على وجه ابن عمّه المتجلّد..

«إذًا هل ستسأَل سيلينا عن قصة السّوار، أم ستتجاهل الأمر كعادَتك..؟»

لا يستطيع ألّا يقلَق كحال الصخرة الجالس جُوارَه الآن.. يرى في كلامها معنى واحدًا..

سيلينا تُخفي شيئًا كبيرًا.. بل خطيرًا بالقَدر الذي سيجعَل آدم يترُكها رغم الاتفاق الذي بينهما..

هل يُعقل أن هذا الجالس لا يُدرِك الأمر..؟ أم أنه يعرف ويتجاهل..؟

أيًا كانَت الإجابة فهو لن يعرِفها طالما يُصرّ ابن عمّه على هذه اللامبالاة..

بصرُه لم ينفكّ عن الطّريق أمامه، حتى عندما

أجابَ بعدَ فَترَة..

«أخبَرتك أنني لم أفهم منها شيئا بعدما تحدّثنا، كما أن هذا شيء يخصّها، وإن لم تُخبرني به سابقًا فلن تفعل الآن..»

قلّب عينَيه في سؤم، لكنّه لا يملك من الأمر شيئًا..

اكتفى بتنهيدة ثقيلة، مُعيدًا بصرَه للنّافذة..

~~

~~

ألقَت العاملة التحية وتنحّت.. اتّجه لغُرفتِه مُباشرة وطرَق الباب بخفّة لن يسمعها غيرُها..

ماذا سيحصل إن نقلَت إحدى العاملات أنه يطرق الباب على غرفة نومه..؟ كارثة على أقل تقدير..

«يُمكنُكَ الدّخول..»

ما إن أغلق الباب حتى وجدَها قد وصلَته..

طَوَت ذراعيها بنطرة مترقّبة، قلَقُ وجهها فائض عن حاجَة المَوقِف..

«إذًا كيفَ سارَ الوَضع..؟»

تلقّى مَوجَة عِطرِها كَعادَة يَوميّة..

وهذا صحيح إن حسب كلّ مرّة مسّت فيها أنفه.. مُشبَعةٌ جدًا برائحة الكاميليا..

اهتزّ تركيزه لهُنَيهة.. تسائل جديًا، أيّ كمية تضعُها ليكون بهذه القوة..؟

لمَحت زروقاوتاه أوراقًا فَوقَ المَكتبِ، حَيثُ كانَت

تَجلِس..

اشتبَكَت يدُه معَ رَبطَة العُنق، قَبلَ أن يتخطّاها نحو السّرير فيجلَس على طرفه..

«قالت أنها مُجرّد ردّ لصَفعتِك، وَكانَت ستُخرجكِ بِسُرعَة منَ السّجن الذي يُفترَض أن تَدخليِه بِسبَبها..»

رفعَ رأسَه عِندَما باتَت أمامَهُ مُباشرَة..

« هي أجبَن من أن تفعل شيئًا خَطيرًا، وتَبريرُها إثباتٌ لذَلكَ لِذا أنا لا آخُذها بجِدّيّة، وحتى إن أرَدتُ وَضعَ حدٍ لَها..

فَكونها قَريبَتي يشُلّني قَليلًا؛ لأنّ مَشاكلَ العائِلَة تُحلّ داخِلها هذهِ إحدى القَواعِد البَديهيّة في روهَند..

أنصَحكِ بالتّجاهل فقَط، ولكنني سأحتَرمُ أيّ إجراءٍ آخرَ تَودّين اتّخاذَه.. »

من الواضِح أنّ والدَه رجُل يُقدّس العائِلَة، وأنا لا طاقَة لي بمَشاكِل صِبيانيّة..

«انسى الأمر، هيَ تفعَلُ كلّ هذا لتَفريغِ غَضبِها مني، ولابدّ أن تهدَأ وتتقبّل في النّهايَة..»

خلعَ ساعةَ يدِه فوضعها غلى المنضدة الخشبية جوارَه ثمّ فكّ أزرارَ أَكمامِه..

«تصرّفكِ حَكيم إلّا أنكِ لَستِ صاحِبةَ المَشاكِل هُنا، لذا لا تتردّدي في فعل ما تُريدينَه، وأنا معكِ..»

لمَ يَفعَلُ هذا..؟ أيّ سبب هذا الذي يجعلُه يقف حتى أمامَ عائلتِه..؟

كانَت مُتيقّنَة أنّ أخاها لَن يُرافقَ شَخصًا سَيّئًا، معَ هذا فهوَ يضَعُها تحتَ رَحمَة تَساؤُل مُزعِج..

هل يَعتزّ به لدَرجَة أن يدعَمُها هَكَذا..؟ أليس لدَيه أيّ نوايًا

خَفيّة..؟

«شكرًا لتَفهّمِك، ولا بأسَ لي بأَن يَنتهِي الأمرُ كَما قُلتَ..

لا مجالَ لأَن تفعَلُ شيئًا أكثرَ بكلّ الأحوال..»

وقفَ يَحمِلُ الرّبطَة وساعَتَه..

«بالمناسبة هي قالت شيئًا لم أفهمه فيما يخصّ السّوار..»

لا.. ليس هذا.. تبخّرت كلماتها..

هل ترفُض الحديث..؟ ثُمّ لمَ..؟ حاجِباها يُصرّان على التّرابُط والقلَق في مَلمَحِها يَأبى الاندِثار..

فشِلَت في إخفاء الارتباك بينما رافقَت عَيناهُ قبضتَها حتى اعتصرَت ذراعها الأُخرى..

لم تنتبه لنبرتِها المُهتَزّة..

«لمَ الآن..؟ ما الذي حدث..؟»

قبضَ على كتفَيها بضَغطٍ طَفيف، مُوصِلًا نظرَتَهُ بنَظرَتِها..

« اهدئي، ربما الحَديثُ صعبٌ عليكِ، لكن يجبُ أن تُعطيني فكرَة عنِ الأمر..

كي أعرف كيفية التّعامل معه إذا ما استغلّته مستقبَلًا، لكن الآن أحتاج الذّهاب إلى الشّركة..

وعندما أعود في المساء سَنتحدّث بخُصوصِه.. »

هزّت رأسها إيجابًا فاتّجه للغُرفَة، شكّت بأنه أجّل اللقاء ليُعطيَها مساحةً لتمالكِ نفسها..

عادَت لأوراقها.. لن يضرّكِ الحديث، اهدئي، يجب أن يعرف كي يُساعدكِ..

كررت جملَها المعتادة ثمّ أمسَكَت القلَم مجددًا، شدّت عليه كأنه اليد التي ستنتشلها من وادي الأفكار، وأخذَت تكتُب الرّسالة التالية..

ساعة.. اثنتان.. جرى الوقت كنهر مندفِع دون أن تشعر، فلم يُبعِد بصرَها عن الأوراق سوى طرقاتُ الباب..

رفعت رأسها وأشفقَت على عُنقها ببضع تمسيدات

بسيطة..

«ادخلي..»

وقفَت العاملة على الباب نابسَة بخشوع..

«السّيد شارلن يُريد رؤيتكِ في مكتَبه..»

عقدَت حاجبَيها..

راقبَت ابتعادَ العاملة للَحظات قبل أن تقف فتعود للمرآة في

غرفتها..

هذّبَت غرّتها أمام كعكتها السّفلية، ثمّ صقَلَت تَجاعيدَ فُستانِها المَنزِليّ ونزلَت إلَيه..

طرقَت الباب فأذِن لها، بمجرّد رُؤيَتها وقفَ خلفَ مكتبه مُتَهللاً..

«أهلا.. أهلا يا ابنتي، تسرّني رؤيتكِ، هيا اجلسي..»

اتّخَذَت مقعَدها أمامَه في حين هبطَ هو لمَقعَدِه..

فرد كفّه فوق الأُخرى على المكتَب وسلّمَ ملامحه لجديّة تامّة..

«لقد تعمّدتُ دعوتكِ عندما غاب آدم، لا أُريده أن يعرف بحوارنا اليوم..»

أيّ حديث هو الذي سيفتتحَه..؟ لأول مرة لا تملك أي فكرَة عمّا هي مُقدِمَة على سماعه..

سكَنَ صَدرَها شَيء مِن التّرقّب، أومَأت له برأسِها

فاستَرسَل..

« أنا على علمٍ بظروف هذا الزّواج كاملًا، أعرفُ أنه تزوّجكِ لتبتعِدي من زوجة أَبيكِ..

ومُتعاطِف لاضطراركِ لذلك، مع أنه غالبًا سيُقيّدك

للأبد.. »

ارتجّت أجفانها لوهلةٍ لم تخفى عليه، نعم، تزوجَته لتهرب لكن هذا ناقص جدًا..

بوصول الحِوار لتلك النقطة، ابتلعَت ريقَها، إدراكٌ قد فات أوانه وصلَها تلك اللحظَة، خِيارُها الأفضَل هو الاستماعُ فقَط..

بهذا ستحيطُ بمقدار ما يعرف وتردّ بأفضَل صيغة..

«لا بأس يا عمي.. أعرف إلى حد ما..»

وهذه سمّتها كِذبَة حِفظ ماء الوَجه، فمنَ الواضِح أن زَوجَها لم يجِد حاجَة لذلك.. وها هي تدفع ثمنَ سكوتِه..

قهقه فجأة فرفعَت بصرها مَذهولًا لوَجهِه.. امتنعَ مُحيّاها عن أي تعبير..

ارتفعت يدها دون أمرها، فأرجعَت الغُرّة خلف أذنها، لم تعد تفهم شيئًا، واحتاجَت شرحًا عاجِلًا لتلك الضّحكة العالية..

« لا بأس إن لم يُخبركِ آدم بذلك.. لابد أنكِ اعتدت طبعه الصّامِت، بكل الأحوال.. إن زُبدَة هذا اللقاء..

هي رغبتي بإقناعه بالعلاج، ربما سيستمعُ لكِ، لكنني لا أقصد إجبارَكِ أيضًا.. إنما أرجو منكِ ذلك »

مرّة أُخرى..؟ اشتدّت قبضَتُها فوقَ حِجرِها، هو يُكرر كلامَ زوجَته الآن، هذه الآمال التي يضَعونَها لا تَستَطيعُ حملَها..

ولا تريد.. ورغم أنها تتفهمُهُم إلّا أن جوابَها لن يتغيّر..

«سأنصحُه لكنني لا أعدكَ بشيء..»

تمكّنَت من لمح خيبَتَه قبل أن يُخفيها بابتسامته المُعتادَة..

ظنّته انتهى..

كانَت ستستأذِن لولا أن استراح للخلف وفردَ ذراعَيه على يدَيّ المقعد، فتحدّث بعد صمت مُحرِج، كأنما يُجدّد الجَلسة..

« سيلينا يا ابنتي، أنا لا أقصد التّدخّل بينَكُما لكن.. ألا تُريدينَ أن يُحبّكِ آدم..؟ أعني يُفترَض أن تعيشا معًا للأَبد..

فهل حقًا لا تُمانعينَ العَيشَ مع شخص لن يُعطيَك أدنى حاجاتك العاطفية..؟»

اجتمَع حاجباها بنَظرةِ استغراب.. أترتاحُ لأنه لا يعرف الحقيقة أم تقلَق من أنه يدور حولها..؟

سؤالهُ منطقيّ وهو محق، لذا يجب أن تكون الإجابة مدروسةً جدًا..

«بصراحة لا يشغلني الأمر يا عمّي، أنا لستُ امرأة عاطفية ويكفي أنه يقوم بمسؤوليّاتهِ تِجاهي..»

هذه كذبة أُخرى لليوم، نعم، لقد أجَبتُ بثقة، كأن ما أقوله هو الحق..

ما زلتُ أُحدّق بوجهه، همهمَ بنظرَة تحليلية وأسند ذقنَه على جسر من يديه..

عن نفسي لم أقتنِع بكلامي، لكن أرجو أنه فعل..

«مع أن هذا غريب لكنني فهمت..»

ما التالي..؟ عضضتُ باطن شفتي، أرجوكَ دعني أخرُج فقَط..! ابتسَم أخيرًا ثمّ أشارَ للباب..

«حسنًا، إن انتهَيتِ من الكلام يُمكِنُكِ المغادرة..»

وكأنه قاضٍ حكم ببرائَتي.. خرجتُ فَورًا..

زفرتُ براحة فَورَ أن حَجبَني الباب عنهُ، لكن من الصّعبِ فكّ قبضَة ضميري عن ترسّباتِ الكَلام..

هل أنا أنانية..؟ إن لم يكن هذا الزّواج مؤقّتًا ولمصلحَتي

هل كنت لأسعى كي يتعالج آدم..؟

بالطّبع لن أقبلَ العَيشَ مع رجل بارد.. أنا التي عِشت نصف عُمري في الجليد لن يُرضيني إكماله مع صخرة..

كُنتُ لأسعى بلا شك، لكن الآن لأنه مجرّد محطة في حياتي رفَضتُ المُساعدَة.. بأنانية..

وكأنه لم يفعل الكثير لأجلي وما زال يفعَل.. لكنني لم أطلب منه شيئًا أيضًا، هو من تبرّع بكلّ أفعاله منذ البداية..

بغضّ النّظَر عن ذلك، هو فعل، إذًا هل أسأله..؟ ربما بهذا سأفهَم سبب إلحاحهم..

هل هو يُريد أن يتعالج..؟ جَميعَهم يريدون ذلك ولا أحد يأخذُ برأيه..

الحِوار مع ضميري كالرّكض في دائرة، تناسَيتُ الأمر فورَ

أن دخَلت غرفتي واتّجهت للرّسائل فوقَ المَكتَب، يجبُ أن أُغلّفَها جيّدًا..

~~

~~

أنزَلتُ بصري عن الساعة المربعة فوق الباب، للتو فقَط أصبحَت العاشرةَ بالضّبط، يكفي العدّ إلى ثلاثة لأجدَه يدخُل..

أسفَل السّرير الذي جلستُ على طرفه، ما زالت قدمِي تدكّ الأرض بتوتّر..

أُفرقِع مَفاصِل أصابِعي بينما أنسج السّيناريوهات

المتوقعة..

لن أُسهِب، رؤوس أقلام ستُساعِدُه ليفهَم وتكون خفيفة الوطأَة علَيّ..

تأخّرَ قليلًا، لكنّه دخَل في النّهاية فالتقَت أبصارُنا، وقَفتُ تِلقائيًا..

نظرَ إلى المِنضَدَة حيثُ أكوابَ الشّاي التي غطّيتُها كَي أحفظَ الحَرارَة، وعادَ لوَجهي..

«سأستَحمّ ونجلِس في الشّرفَة للحَديث..»

أومَأتُ إيجابًا واتّجهت لحيثُ أَشار..

فقَد اعتادَ أحدُنا الجُلوس فيها وتَغطيَة زُجاجِها بالسّتارَة.. قدّرتُها عشر دقائق قبل أن أشعر بفتحهِ الباب..

فألتَفتّ لأجدَه بملابسَ منزلية كريمية، من خامة

فاخرة..

قطرات الماء كالنّدى على خُصلاته المُبعثرَة، وبيدِه سترة وردية..

من خزانتي..؟ سلّمني إياها قبل أن يجلس مكانَه جواري..

«الجّو بارد قليلًا..»

فاجَأني نوعًا ما، لكنّني شكَرتُه ولبِستُها..

جلسَ فالتقَط كوبَه وأخذ رشفة.. سكنَ للحظة طالعَ فيها سطحه ثمّ التفت إليّ..

«هل تُحبّينَ الشّاي أيضًا..؟»

ما الذي خطر له الآن..؟

لكن نعم، لطالما كان مسكّني الأوّل..

طوالَ حياتي..

وهو دونَ مُبالغَة يَشربُه على الإفطار وعلى الغداء بدلًا من العصير حتّى.. لذا حضّرتُه..

«أشربه كثيرًا، إلّا أنّني قطَعته دون أن أُدركَ في الفترة الأخيرة..»

زفرتُ براحَة عِندَما شعَرتُ بالسّكون قليلًا، صُدفَة الحديث عن الشّاي خفّفَت من وطأة البداية.. لكن لابدّ منها..

«إذًا، لمَ انزعجتِ من رؤيَة السّوار..؟ ما قصّته..؟»

شعرتُ برغبة في احتضان ركبتايَ..

فعلتُ وأسنَدت ذقني عليها..

يجبُ أن أهدأ..

«أنا لا أحبّ الحديث في هذا الأمر، لكن..»

أريد الهروب من أمامه، حوّلت نظري للأمام ثمّ أدَرتُ رأسي عكس مكانه..

« قبل زمن طويل تعرّضتُ للأذيّة من شخص ما، وقد كانت تَعليقةُ ذلك السّوار حولَ ساعَته..

أنا بالفعل مررت بحالَة نفسية مُزرية بعدها، لذا بات ما يُذكّرني به بمثابة فتح جرح قديم.. »

لم ألتفت حتى بعدما أُجِبتُ بالصّمتِ، تاليًا أتَتني نبرَته الثقيلَة هادِئةً كالعادة..

«لكنّها قالت الأمر بطريقة غريبة، هي تظننا زوجان حقيقيان لذا لمّحَت حول أنني سأترككِ إن علِمتْ..

بالطّبع لم آبَه بكلامها، لكن.. تفهمين ما أقصِد صحيح..؟ » ألا يُمكنني أن أرتاحَ قليلًا..؟

فركتُ الشد المؤلم بين حاجباي والتفتُّ إليه.. ما مقدار معرِفه تلك الفتاة عني..؟ وكيف..؟ هي تقول أنه كان لديّ.. مستحيل..!

أنا حقًا لا طاقة لي بهذه المهازل.. هُناكَ شيء خاطِئ.. هي تعرِف عن خوفي من السّوار..؟

شعرتُ بذراعَي الأريكة تتجعّدان بين كفّتايَ..

« لم يسبِق وأن كُنت في علاقة مع أحد! هذا هُراء! لقد عاملني والدي كدُميَة زجاجية، يخاف أن تُكسر إن أخرجها..

كُنت أرجو الخروج وبالكادِ أجِدُه، فمتى سأحصلُ على أيّ علاقة سريّة..؟ بل وتفشَل ليُذكّرَني السّوار بها..؟ »

استوعَبتُ ردّ فعلي عندما سكَتّ فاتّضحَ ضجيج أنفاسي.. تبادَلنا نظرات فارغة..

ضربَني الإحراج بينما علّق هو حين عُدتُ أنا

لمكاني..

«اهدئي، أعتذرُ لإجباركِ على الحديث، بالتّأكيد لم أُصدّق هُرائها، لكنني أردتُ الإحاطَة بالحقيقة منكِ فقَط..»

«آسفة لردّ فعلي العنيف، أنا متعبَة جدًا وأعصابي تستمرّ بالانفلات..»

كيف لصفحات الماضي أن تُفتَح من جديد..؟ الأمر كان سرًا مع والدي، وحتى إن كانت مُخطِئة فكيفَ وصل لها..؟ سأُجَن..

«سيلينا..»

جرّني صوته للواقع مجددًا، فالتفتّ ليُقابلَني كوب الشاي..

«هيا اشربيه، فقَد برَد..»

يجب أن أهدأ..

أخذتُه بومأَةِ إيجاب، تذكّرتُ أمرَ السؤال.. تبًا لهذه القصّة التي لا تنتهي..

نقرتُ على الكوب طويلًا قبلَ أن أدفع لساني أخيرًا، لستُ مُتأكّدَة من صِحّة ما أفعَل..

«آدم.. هل يُمكِنك أن تُجيب سؤالي حتى وإن أزعجَك..؟»

فكّرتُ بأخذ لمحَة أولّية عن نوع تفاعله مع الموضوع..

ركّزت على سبر ملامح وجهه، والتي بالتّأكيد لم تُخبرَني بشيء! لكنني حاوَلت..

«اسألي..»

جيّد! سأرمي السّؤال فقَط..

« لا تفهمني بشكل خاطِئ، أنا فقط لاحظتُ كم أنّك شخص هادِئ وهذا لا يعجب عائلتَك..

لذا فكّرت.. إن كانَت لديك أيّ مشاكل في التعبير، ألا تفكّر بالعِلاج..؟ »

تجمّد الكوب أمام فمه والتفتَ إليّ..

ظلّ مُحدّقًا في وجهي حتى أشحتُ أنا خاصّتي..

«لماذا تسألين فجأة..؟»

كما ظنَنت، لن يُفوّتها لي..

« إنه لا شيء، انسى الأمر رجاءً..»

رمَش بملل أثناء تَحديقه في مُحيّاي..

وأجزمُ أن نظرة البلاهة كانت ستكتسحُ وجهه لولا تأدّبه..

عبسَ قليلًا..

لقد ضربتُ وترًا حساسًا بلا شك، ظننته سيصمت لكنه

علّق..

«لا أعاني شيئًا، والأمر ليسَ كما تظنّين..»

لماذا يُنكِر..؟ لم أفهَم رغم أنني صرّحت بذلك..

«فهمت..»

استقرّ بصري أرضًا..

وهو لم يُعلّق بشيء..

«آسفة، ما كان يجب أن أسألكَ هذا..»

«ولا حاجة لي بمشاعر جيّاشة، فهذا الثّوب لا

يروقني..»

فتحتُ عينايَ كالبلهاء، لقد تعمّد ردّ جُملَتي إليّ، وحينَها فقَط.. شعرتُ بأنني..

«أفهمك..»

أنهَيتُ النّقاش..

فلمَ أُتعِب نفسي مع شخص حسمَ أمرَه منذ زمن..؟ أعتذر حقًا لوالدَيه..

لكنني سأُعلن استسلامي دون أن أبدأ حتى.. ثوانٍ قبل أن يقفَ مع كوبِه الفارغ..

«سأذهبُ للنّوم، أراكِ غدًا..»

تذكّرت..! يجب أن أسألَه..

قبضتُ على معصَمه وضغطتُه للجلوس مُجددًا..

«انتظر..!»

نظر لفِعلَتي ثمّ وَجهي فأفلتُّها..

«لم أقصِد، لقد تحرّك جسدي تلقائيًا فقَط..»

تبًا.. أزحتُ بصري بارتباك مكشوف وهوَ جلس..

«لا بأس، قولي ما تُريدينَه..»

يُريحني حقًا التّعامُل معَه، وجدتُ نفسي أكثر انفتاحًا على الحديث، وأرجو أن يُماثِلَني بالجواب..

«ما الذي تعرفه عائلتك عن زواجنا بالضّبط..؟»

عبثَ بلحيته القَصيرة، وكأنه ينسج الاحتمالات لأسباب أسئلَتي الكثيرة..

«باستثناء والدي الذي يظنّ بأنني أنقذتكِ من زوجة أبيكِ إكرامًا لآلبرت، فالجميعُ يعتقد أنه زواجُ مصالح..»

إنقاذي..؟ هل اضطرّ ليكونَ دراميًا هكذا كَي يُقنِع والدَه..؟ قلتُ ما لديّ..

«لمَ هوَ بالذّات شيء مُختلِف..؟»

وقفَ مع كوبه الفارغ..

«لأنني اضطرِرتُ، تعلمين كم من الصعب تلفيقُ كذبَة بهذا الحجم دون بعض العواقِب..»

كأنّ جِدّيته أعدَتني وبطريقة ما، فلأوّل مرّة أُدرِك فعلًا ما فعلَه من أجلي، لذا..

وجدتُ لساني يتحرّك بأمر نفسه.. أردت تخفيف شعور أنني مَدينَة له..

«شكرًا لكَ يا آدم، على كلّ شيء فعَلتَه رغم عدم

اضطرارك..»

جفناه ارتَجّا لجزء من الثانية بذهول ولم تخفى علَيّ لُغة جسده..

لا فمه الذي انفرج دون صوت ولا قبضتاه اللتَين التحفتا جيوبه، لا أعرف حقًا بمَ يفكّر..

لكنني متأكدة أن لجُملَتي تأثير عكسي عليه، ولا أظنّه سعيدًا بها، لسبب أو لآخر..

«يدكِ باردة، لا تُطيلي البقاء هنا، أراكِ غدًا..»

ما علاقة هذا..؟ هل يهرُب..؟

ودّعته من مكاني بعدما قرّرتُ البقاءَ قليلا، ظننته خرج بالفِعل بعد صوتِ الباب، ولهذا بدَت جملته كصاعقة علَيّ..

«شيء آخر.. أرجو ألّا تسأَلي عن علاجي مُجددًا..»

لم ألتفت حتى..! نبرته هادئة، عادية ومهذّبة كطبيعتها..

لكن لمَ شعرت بالتوتّر..!؟ لقَد أفسَدت مزاجه بالكامل..

أيًا يكُن..

لن أفتَح هذا الباب أبدًا.. حتى إن كانَ لأجل والديه..

~~

~~

«سيدة سيلينا، لديكِ اتّصال من السّيد آرون..»

فارَقَت المجلِسَ بعد نظرَة استئذان، حيث كانت تشرب قهوة الظّهيرة مع مارغريت وليزا..

قابضَة على السّور الحَديديّ المُحيطِ بالسّلالِم صعِدَت نحو الطّابق الأول، حيثُ وقع الهاتف الأرضيّ على أحد حوانبِه..

كانَت أسوَأ ظُنونها عن سبب الاتصال هو ضيق أخيها من تصرّفات عمّته..

لكن لا.. رفعَت السّماعة بينما تتفقّد عيناها مُحيطَها الذي خلا من العاملات، كما تُريد..

«ما الأمر يا آرون..؟»

خرَج صوتُه مُنخفضًا، يشوبه قليل من الارتباك..

«عمّتي نُقِلَت للمشفى قبل عدة ساعات، وقد تمّ تشخيصها بتسمم غذائيّ.. أنا لم أعرف سوى الآن، لأنني كنت في الأكاديمية..»

صمتُها لم يكُن مُفاجِئًا له، فقد جزم بأنها تُحاولُ تَرتيبَ أفكارها بعُمق لا يجِبُ قطعُه.. وغالبا بابتسامة انتصار..

إلّا أنّها كانَت تُحلّل فقَط، لم يرى كيف يُضيِّق جفنَيها الحِصار على كهرمانَتَيها.. بينما ينسُج عقلها ظنونها..

تعبثُ يدها الحُرّة بطرف كُمها الدانتيل.. ليس سيّئًا جدًا دخولها في هذا الوقت، حدثَ ذلكَ بشَكلٍ سَريع نوعًا ما..

أسرعَ بقليل مما توقعت.. هي كتبَت الرّسائل قبل خمسة أيام فقَط..

مُقِرّرَة البِدءَ بإرسالها ما إن تدخل عمّتُها المشفى بعد أسبوع من الآن، كما خطّطَت، لكن..

إما أن جسدَها لم يتحمّل أو أن شقيقها قد..؟

«آرون، هل زدتَ الجُرعة..؟»

طول صمته بعد تلك التّأتأة كان جوابًا شافيًا، فزفرَت تصفعُ جبهتها..

«حسناً، لكن تعالَ غدًا، في التاسعةِ مساءً بالضّبط..»

تَنتابُه الرّاحة رَغمَ نَبرتِها المُحذّرَة في النّهايَة..

«أخبريني الآن، هي لَن تموت صحيح..؟»

حدّقَت في الأرض..

أما زالَ يكترث..! نعم، لمَ لا..؟ هي لم تقصّر بشيء

معه..

«الأشرارُ لا يموتون بسرعة يا آرون، لذا لا تقلَق علَيها..»

لم تقاوِم ابتسامَتَها المُتشفّيَة تلكَ اللحظَة..

«والآن هل يمكنكَ مُرافقتي في المساء لزيارتها، هذا واجب كما تعلم..»

تنهّد..

«يؤسفني قول لا، فلديّ امتحانات، ثمّ لا أظنّ أن مكوثها سيطول في المشفى، ولم لا تذهبين وحدَك..؟»

ما زالَت غيرَ مُستعدّة لمُقابلَة والدها.. والذي لابدّ أن يكون في مشفاه الخاص وجِوار أخته الوحيدة بالطّبع..

يُخيّم الضّيق على ملامحها الآسرة بينما تتزحلق سبّبابتها على سلك الهاتِف اللولبي..

فتُجيب بضيق لن يراه، مُتجاهلة السّؤال..

«لا بأس، إلى اللقاء..»

أقفلَت بمجرّد أن انتهت، فلن تحتمل أسئلتَه إن صرّحَت عن السبب الحقيقيّ..

الآن لم يبقى أمامَها سوى آدم، انتظَرَته حتى الغداء وتبعَته بمجرّد أن استأذن..

تغاضَت عن نظرات والديه اللامعة عندما لفتَته جملتها..

«أيُمكننا الخروج للحديقة..؟ أُريدُ محادثتَك بشيء..»

وافَق فمشيا للخارج حتى تقابلا على مسافة من المنزل واستهلّت هي الحديث..

«أُريدُ منكَ أن تُرافقَني للمشفى..»

مباشرة تفقّدَت عيناه بطني..

«لماذا؟ هل هو الجّرح..؟»

لقَد بدَأتُ أتعافى بالفعل..

افتتحتُ الحوارَ بطريقة خاطئة لمجرّد أنني

متوتّرة..

كيف سيكون مظهَري إن علِمَ أنني ما زلتُ أخاف والدي..؟ لابدّ أنه سيراني طفلة..

طويتُ ذراعايَ وأشحت بصري، كأنّما أهرُب من شكلي أمامه

كم هذا سخيف..!

«لا، أبدا.. في الواقع إن عمّتي قد دخلَت المشفى وأريد أن أزورَها لحاجة.. لكن..»

لم أتوقع أن يُوافِق بهذه السهولة، فقد قاطعَني دون أي تعليق..

«سأُرافقكِ إن انتظرتي فترة فراغي عند السابعة مساءً، أما الآن فلا.. لأنني أحتاج العَودَة للمَعمَل..»

سأنتظِر.. لمَ لا..؟

«لا مُشكلَة لديّ..»

ظننته سيلتفِت وكُنت سأُغادِر، لكنه بقي واقِفًا.. نظرَتُه لم تتزحزَح عن مُقَلي ويداه لم تُفارِقا جيوبَه، كأن جعبتَه لم تَفرُغ بعد..

«أَلَِأنّ والدكِ هناك، تُريدين مُرافِقًا..؟»

لمَ تسأل..!؟

تبًا.. لا تجبرني على الحديث، إن كُنتَ تعرف فلماذا سأَلت..؟ مُحالٌ أنه يُريد إحراجي..

كبحتُ انزعاجَ ملامحي لكنّ نبرَتي تمرّدَت.. لا يمكنني السّيطرَة على انفعالاتي في الآونة الأخيرة..

«أجَل، هو كذلك، أنا ما زِلتُ أخاف البقاءَ معَه

لوحدِنا..»

عندها استدار للمُغادرة، تاركًا آخر كلماته تعبَثُ

بمسمعي..

«هو لن يؤذيَكِ مجددًا، يجب أن تستوعبي هذا وتتجاوَزي عن الخوفِ مِنه..»

طالعتُ ظهرَه حتى اختفى، هذه المرّة الثانية حيث يتّخِذُ موقِفًا كهذا..

هل من السّهل عليه أن يتحدّث بأمور لم يعِشها..؟ أم..

لحظَة.. آدم ليس هذا النّوع من الأشخاص..

فمَن ساعدني حتى الآن من المُحال أن يقولَ شيئًا غبيّا كهذا

أهذه مساعدته لي..؟!

ربما..؟ نعم، لمَ لا..؟ تمامًا كما فعَل مع لورا.. بل هو كذلك بلا شك..

يُلْحَـــــقْ..

حيّاكم الله من جديد..🍁

بعتذر عن الفصل القصير

لكن ظروف..🤷🏻

❤️

وإلى لقاء آخر إن شاء الله..

Insta: nabiola_as05

أي شيء سيئ يُذكر داخل الرواية من قتل شتيمة أو غيرها هي أفعال سيئة وضِعَت خدمة لأحداث الرواية ولا أشجّع علَيها أبدًا

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كهرمان

المؤلف nabiola_as05
2025/06/27 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة