جُذورُ الشّوْكْرانْ

جُذورُ الشّوْكْرانْ

19 0

العاشرة والرّبع صباحًا..

يدخُل قاعة الطّعام مُتعمّدًا التّأخّر..

«صباح الخير»

عمّته، أخته ووالدَيه يردّون عليه تِباعًا، إلّا أن أُمّه تُضيفُ بينما تملأُ طبق والده..

«لماذا تأخّرت يا آرون..؟»

يزفرُ بضجَر من أسئلَتها الكثيرة _كالعادة_ وهو يتّخذُ مكانه جِوار شقيقته..

«لا شيء مهم يا أمي، لا شَيء..»

فقط كُنتُ أضَعُ السّم لعمّتي في الشّاي، بعد أن أفرغتُ المَطبَخ بحُجّة واهية..

يتسائل بجدّية عمّا سيُحدُث إن صرّح بهذا..؟ شعور تافه بأنه الشّخصية الشّريرة في الأحداث يتسلل إليه..

فلا يُسيطِرُ على ابتسامة ساخرة اضطرّ لإخفائها بارتشافه من كوب الشّاي..

عليه أن يعترِف بأنه بات يستمتع حقًا بعدما اكتشفه

سابقًا..

ربما كان مُتردّدًا في البداية لكن الآن، هو مقتنع بأنها تستحقّ ذلك..

بعدما أخذ الأمر بشكل شخصي، رغم أنه يدوس قطعة من قلبه بذلك..

«ما بكِ يا جيلين..؟»

يسألها والده بينما تعتصّر بطنها تحت نظراته الشّامتة، ولا يخفى عليه أن وضعها ازداد سوءًا عن المرّة الأولى..

فالآن حتى الكلام يخرجُ منها كأنه مع روحِها..

«ل.. لا شيء..»

تأخذُ نفسًا عميقًا وتقف بعنف، فيقف شقيقها معها..

«لمَ لا تذهبين للمشفى..؟ دعيني أوصلكِ..»

لكن صوتها يرتفع بالرّفض..

«لا، مستحيل..!»

ثمّ تنظرُ حولها، تستوعب الموقف الذي هي فيه والشّكوك التي أسكنَتها لتلك العيون المصدومة بردّها المُبالَغ..

كيف لا تفعَل؟ بعدما باتت خائفة حقًا من كونها حاملاً..! هرَعَت للحمّام تُغطّي فمها بسَببِ الغثيان..

هرعَت والدتُه وأُختُه خلفَها، بينما عادَ والده للجلوس، ناسبًا الأمر لنزلة برد أو شيء من هذا القبيل..

غافلًا عن ابنه الذي يدرسُ ملامحه بحذَر.. يتلبّس الغضَب نفسه فتُسوّل له أن يُلمّح لوالده بالحقيقة..

بجملة واحدة فقط يُمكن تفجير قُنبلَة في المنزل.. لكنّ كلام أُخته يرنّ كالتحذير في نفسِه..

فمن الواضح أنها جادة في تهديدها إن أفسدَ خطّتها..

~~

~~

بدّلتُ ملابسي لأبسَط القِطَع التي أمتلكها، قميص أبيض وتنورة صوفية أسفل سترة شتوية أقصر من التنورة بقليل..

رفعتُ شعري بكعكة عُلوية وحرِصتُ ألّا أرتدي أي مُجوهرات حتى أحمر الشّفاه، الشيء الوحيد الذي أضعه دائمًا..

تخلّيتُ عنه هذه المرّة، فُأمّي تكرَه أيّ شخص قد تشعر بأنه يُنافِسها في المظهر، حتى إن كانت ابنتها..

لمحتُ نفسي في المرآة لمرّة أخيرة، قبل أن أخرُج من غرفتي، فإذ به مُقابلي فوق المَكتَب..

طالَعتُ السّاعة مستنكرةً وجودَه، كانَت الحادية عشر والنصف..

يُفترَض أنه خرج منذ نصف ساعة للشركة، إذًا لمَ ما زال

هنا..؟

ترددتُ في السؤال لكنه ليسَ من شأني، لذا فتحتُ الباب

إلّا أن صوته أدارَني إليه كما فعَل هو من مكانه على المقعد

«لماذا وافَقتِ على الذّهاب لوالدَتك رغم كلّ ما بينكما فقط من أجل حماية ذلك الصّبي..؟ مع أنه من قتل أخاكِ..»

نظرته ميّتة وصوته خالٍ من الامتعاض المفترَض وجوده في سياق جُملَته، أظُنّني بدَأتُ أفهمه قليلا..

لكنني لم أتوقّع أن يسأَل، مع أنه مُحقّ..

« ما الذي سأستفيده أنا من مَوت لِياس..؟ بل ربما سأعيش بالذّنب إن أصابه مكروه..

مهما احترَقت.. أخي لن يعود.. لكن إذا امتنعَت أمي عن ذلك بسببي.. فعلى الأقل..

سأُعفي إنسانًا من العيش في العذاب.. سيكون مؤلمًا جدًا أن يعيش شبابه بين الخَوف والقلق.. إنه مؤلم جدًا يا آدم.. »

لم يقل شيئًا أو رُبّما إغلاقي للباب بسرعة، حال دون أن فُرصَته لذلك..

لكنني لم أُعِر الأمر اهتمامًا، ولا أُريد هذا الحديثَ كلّه.. فضّلتُ التّركيز على ترتيب ما سأقوله لها..

ثمّ هناك القواعد التي يجبُ ألّا أنساها، صوتي لن يعلو.. وجهي لا يجب أن يبرُزَ كثيرًا..

حتى وِقفَتي، يَجبُ ألّا أبدو أفضلَ منها في أيّ شيء، طالما أننا في المكان ذاته..

عشت معها فترة جيّدة تحت ضغط هذه التّصرّفات، وأُجيد مداراتَها للخروج بأقلّ الخَسائر..

حتى كَوني الطّرَف الأصغرَ في هذه المعادلة، إلّا أنني لطالما كنت من يبتلعُ الغيظ، من يصمُت ومن يُسايِر..

تحمّلتُ مَسؤوليةَ مزاجها المريض مذْ كنت لا أفهم معنى المِزاج..

رغم أنني لم أتجاوَز السّابعة من عمري وقتَها، وكم كان هذا مُرهِقًا وما خلّفه في نفسي أكثر شناعة..

خرَجتُ من فقاعة شرودي على صوت السّائق، ليهبطَ بصري نحو يده الممتدّة للخلف بقطعة حلوة..

«اقبلي هذه مني سيّدتي.. وجهكِ شاحب فحذاري أن ينخفض مستوى السّكَرّ لديكِ..»

فاجَأَني قَليلًا، لكنني تناوَلتُها تجنّبًا لإِحراجِه، وتجاهلتُ صَوتَ التّوجّس داخلي..

في العادة، أرفضُ أخذَ أيّ شيء من الغُرَباء، إلا أنني شكرتُه ووضعتُها في جَيبي..

نصفُ ساعة حتى استقبلتني الأشجار العملاقة.. مُنسدلَة على البوابة بثبات وشموخ، كأنها لا تقفُ على جثث أوراقٍ قطّعَها الخريف..

لم أُسَيطِر على انقباضِ قلبي الذي أمسى طرقًا في أُذنايَ مع تخطّينا البّوابَة نحو المَرأَب..

حيث وقفَ السّائق ونزل ليفتَح الباب، انتابني شعور لا يُفسّر، فما زالَ كل شيء على حالِه..

البوابة العملاقة، الحرّاس الذي مرّت عليهم السّنين

كحالي..

لطالَما جئتُ إلى هنا، ركضتُ بين الزهور أسفل تلك النافذة

وقبضتُ على أطرافها الباردة لأشاهد أمي في المجلس..

لم تَكُن تسمَح لي بالجلوس حين يكون زوجها، تتركني في الخارج بحجة اللعب أو تحبسني في الغرفَة التي أبيت فيها حين أزورها..

لكنني لم أكترث بكلّ ذلك، أرَدتُ فقَط البقاء حولها، أصمّ أذنايَ عن نصائح أبي وشتائم جدتي لها..

أخذتُ نفسًا عميقًا أتلمّس صَدري، كأنني سأُهدّئ تخبّط مشاعره..

نزَلتُ من السّيارة، أشعُر بالتّوتّر كخيوطٍ مشدودة تحت جلدي..

لم أُقابلها منذ يوم العزاء، هذا إن صحّت التّسمية.. فنحن

لم نُعزّي بعضنا حتى..

بل تفاجَأتُ بها تتقدّم حتى وقفَت جواري وهمسَت، ليسَ وكأننا في عزاء ابنها..

" لا تبتعدي عني كي لا تُثبتي الشّائعات حول علاقَتنا "

المصيبة أن الشّائعات حقيقية..

مشَيتُ ببطء، أفضَحُ ترددي لا شعوريًا، تارة تدفعني شجاعة متقهقِرة وأُخرى يُرجِعُني شبح عتَبٍ قديم..

ما زلتُ أخاف والدَتي حتى هذه اللحظة، استقبلتني على الباب تطوي ذراعَيها..

تمرّ على كامل جسدي بنظرَة خضراء صارمة، وكأنني جُنديّ يتقدّم ليُوبّخه القائد..

«صباح الخير، أمّي..»

لم أتخيّل أن نُطقَها صعب هكذا، أشعر برغبة في تنظيف لساني..

«تحدّثي هيا ما الذي تُريدينه..؟»

طوَيتُ ذراعاي بلا وعيّ..

كأنني أضعُها درعًا لنفسي، أهمّ نقطة الآن هي انتقاء كلامي جيّدًا..

« تعرفين أن سُمعتكِ هي أهم ما تملكين يا أمي، ولهذا فما تفعلينه من إزعاج ذلك المدعوّ لِياس سيُضرّكِ بلا شك..

فهوَ يمشي بين أوساط الطّبقة ويُثرثر بأنّك تتربصين به ظُلمًا

مع أنه نال عِقابه وخرج..

أمي دعي كلّ ما بيننا جانبًا، أنا أتحدّثُ لمصلحتِكِ فقط »

سبَرتُ ملامحها، ذراعاها ارتختا عن صدرها كما عُقدَة حاجبَيها، لكنّ الصّرامةَ ثابتة في مُحيّاها..

أُدرِك بأنها تُفكّر جديًا بما قُلته، وإن أخفَت ذلك خلف لا مبالاتها..

«يا له من وقح حقير، قتل ابني ويشتكي من ردّي عليه لذلك..؟»

عارضَت بانفعال والآن ستتظاهر بأنّها تفهّمَت، فقد كي تُصرّفني..

«فهمت، أنا سأتصرّف هيّا غادري الآن..»

كعادتها..

تُنهي كلامها وتذهَب دون اعتبار لما سَيقوله الطّرف

الآخر..

ظننتُني سأغادر، لكن خاطرَة خرجَت عن حدود صدري دون حساب..

«أُمي، ألا تشعُرين بالنّدَم ولو قليلا..؟»

رأيتُ بوضوح تصلّبَ كتفَيها، قبل أن تستدير مجددًا وتقترب مني بنظرِتها الحادة، حتى بات أقل من نصف متر بيننا..

«هل أندم على شبابي الذي سرقَه وجودك..؟ أم على فراق

وَالدِك الغبي..؟ أم أندَم على بعدِ طفلَتي التي لا تُحبّني..؟»

صفعتني صدمَة فكدت أفتح فمي، وكأنني أسمع قصة شخص آخر..! أهيَ جادة فيما تقول..؟! هل تظنّ أنني وُلدتُ

لا أحبها..!

«هل أنتِ جادة..؟ أرجوكِ لا تصدميني بأن هذا ما تَظنّينَه حقًا..؟»

فشلتُ في عدَم رفع نبرَتي..! هذا صادم لدرجة أنني أرغبُ بالضّحك!! وكأنني من اخترت وجودي..؟!

«أليسَ أنتِ من قرّرتي الإنجاب..؟ تُحمّلينني مسؤولية وجودي الذي اخترتماهُ بنفسَيكُما..؟»

تشدّ قبضتاها وتحتّدّ نظرتها حتى شعرتُ بأنها ستُخرج سكّينًا لتطعنني، لكنّ تغلبها ابتسامة باهتة حينما اكتفَت بالرّد..

« كُنتُ في الواحدة والعشرين فقَط عندما أنجبتك، كنتُ في بداية شبابي..

لكنني وجدت نفسي مُقيّدة بكِ، ووالدكِ لم يُساعدني ولم يرحمني..! ابقَي في المنزل مع سيلينا..

لا تتركيها مع المربيّة وحدها، يجب أن تسهري معها عندما تمرَض وتُطعميها..

والكثير من المسؤولية اللعينة..!! »

تراجعَت قليلاً بابتسامة مُختلّة، مُطالعة الأرض بضياع ثُمّ عادَت إليّ بنظرة شزِرة..

«أنا حقًا لا يُمكنني سوى أن أكرهكِ يا ابنتي، صدّقيني حتى أنا لا أفهم لمَ أفعل هذا..»

ابتلَعتُ شهقة مذعورة..

ما كلّ هذا الخوف الذي يلتهمني..؟ ليتني لم أسأَل..

ليتني رحلتُ بصمت فقط، أشعرُ بالصّداع ويجب أن أعود للمنزل حالًا..

استدَرتُ بسرعة نحو السّيارة، حيثُ السّائق الذي تظاهر بأنه لم يقرَأ جوّ اللقاء وإن لم يسمع كلامنا..

كم كُنتُ ساذجَة عندما ظننتُ أنها ستتغيّر.. لا ترى نفسها مُخطئة..؟ حتى بعدَ عشرين سنة وبعد كلّ ما حدث..

لا ترى نفسها مُخطئة..!! فما الكلام الذي سأقوله ويُقنعها..؟ الأمر كالحديث مع جدار، لا فائدة..

وصلتُ المنزل في الواحدة ظُهرًا بعد أن مرَرتُ على سوق الأعشاب المعروف في المدينة واشترَيتُ القُرّاص..

لكنني اتّجهت لمكتب السيّد شارلن مباشرة، أريد التّخلص من هذا الحِمل ولو لم أجزم باقتناعها، أرجو ألّا يُعلّق على أنها فعلت من أجلي أم لا..

قبل أن أطرُقَ الباب أخفَيت الكيس الصغير بسهولة في جيبي، وبمجرّد أن أذِن لي دخلت..

ألقَيتُ التّحية وجلستُ على الأريكة المُقابِلة..

«كيف سار الأمر يا ابنتي..؟»

«أبدَت لي أنها أقتنعت ولا أدري عمّا يجول في خاطِرِها حقًا»

هزّ رأسَه بتفهّم، رغم أن عُبوسه يوضّح رأيه الحقيقيّ..

ثمّ ابتسم مجددًا..

«شكراً لكِ على هذه الخِدمة يا سيلينا، يُمكنكِ المُغادرَة إن أرَدتِ..»

أومأتُ دون تردّد واتّجَهتُ لغرفتي، يجبُ أن أُحضّرَ القِرط وأتّصل بجودي وآرون..

قتحتُ الباب، ما زال موجودًا هنا وما زال خلف مَكتَبه، إلّا أنه هذه المرّة مُنهمكٌ في كتابة شيء ما..

بدلًا من أوراق العمل كالمرّة السّابقة..

«مرحبًا..»

تقدّمتُ أكثر حتى السرير..

«مرحبًا..»

وضعتُ كيس القُرّاص على المنضدة وخلعتُ سترتي بسبب دِفء الجّو هنا..

«هل يُمكنكَ أن تُعطيَني القِرط..؟ وكذلكَ الصّندوق الذي طلبتُه..»

تركَ القلَم وفتحَ أوّل درج في المكتب أمامه ثمّ رفعَ العُلبَة مُوجِّهها للخَلف دونَ أن ينظُر حتى..

«خُذي..»

تقدّمتُ حتى التقَطتُها..

بينما أخرَج هو الصّندوق الذي طَلبتُه وقتَ الإفطار من الدّرج الثاني، فوضعَه أمامي..

أحضَرتُ الكيسَ وعُدتُ بسُرعَة، كانَ المَكتَب كافيًا ليتّسع لنا الاثنَين، فوَقفتُ جِوارَه أهُمّ بتحضيرِ ما أردتُه..

لم أحتَج وقتًا طويلًا لذا لم أكترِث بالجّلوس، لكنني تفاجَأتُ

به يقف عن الكرسيّ ويُزيحه ليُصبحَ خَلفي..

«اجلسي، الوقوف الطّويل سيّئٌ لجُرحكِ..»

لقَد نَسيت..

لكنني لم أتوقّع أن ينتَبِه لتَفصيل كهذا، إلّا أنني جلَستُ شاكِرة بكُلّ الأحوال..

وبقيَ هو واقِفًا جِواري، لم يذهَب كما توقّعت، يَضمّ ذراعَيه لصَدرِه، ونظرَته الثّابتة عليّ تَشرحُ اهتمامًا بِما أفعَل..

بِصعوبَة تحمّلتُ مُراقبتَه وإن لم يَقصِدها، لذا تشاغَلتُ بفَتحِ الصّندوق..

كُنتُ أرتدي القُفّاز بالفِعل، فرَدتُ كمّية جيّدة من أوراق القُرّاص..

أخرَجتُ القِرط ووضعتُه فوقها، حريصة على تثبيته بالعلّاقات الصّغيرة المُخصصة..

لحَظتُهُ خُلسَة، ما زال يُطالِعُ ما بين يدَيّ، يُراقِب كلّ حركة أقوم بها دون تعبير..

بالتّأكيد هذه أوّل مرّة يرى فيها شخصًا يُحضّر مُصيبة.. أغلَقتُ الصّندوق وخلعتُ القّفازات بحذَرّ..

لا يجب أن تصلني الشّعيرات السّامة من

النبتة..

«أليسَت سامّة..؟»

«لا، لكنّها تُسبّب حساسية شديدة..»

وقَفتُ وتخطّيتُه نحو الهاتف، كان على الجُزء البعيد عنّا من المَكتَب..

«والآن بقيَ أن أتّصلَ بجودي..»

نقلَ يدَيه لجُيوبِه وظلّ واقِفًا بشَكل زادَ استغرابي، ليسَ مِن عادَته البقاء حينَ أفعَلُ شَيئًا..!

ثُمّ لمَ مِن بينِ جميعِ الأَوقات اهتمّ بما أفعله الآن فقَط..؟ أشكّ بأنّه بدأ يَقلقُ مِن أنني قد أُورّطه..

لا أعلم، لكنني تجاهلتُ الأمر وردَدت على الصّوت من الهاتِف «من؟ سيلينا؟ أهذه أنتِ حقًا؟»

«أجل أنا.. اسمعيني..»

قاطعَتني..

«هل أصبحتِ بخير..؟»

تهدّجت نبرتها..

«سيلينا أرجوكِ لا تختفي مجددًا.. أرجوك لا تعودي

لعزلتك، كدت أجنّ من قلقي عليكِ..»

ثم شهقَت فبكَت.. انقبض صدري، لم أجد ما أُفرغ به ضيقي عدا السّماعة، كأنّني سأكسِرُها..

تجَرّعتُ ريقي وعصرتُ عَينايَ لألّا تُمطِر.. هل يجب أن يُضرّ أحد لضُرّي؟ لا تزيديني ثقَلًا أتوسل إليكِ.. أنا بالكاد أتماسك..

«اهدئي يا عزيزتي.. أنا بخير، المهمّ الآن هو أن تفهمي ما سأقوله..»

«اطلبي ما شئتِ..»

«أُريد أن تطلُبي من والدتك دعوَة عمّتي لأُمسيَتها الليلة..»

«لماذا؟»...

«سأشرحُ لاحِقًا..»

أرجعتُ السّماعة بقوّة لَم أقصِدها، كلُّ ما أرَدتُه أن تَنتَهي هَذِه المُكالمَة..

تاليًا فقَط تذكّرتُ وُجودُه..

«كيف دبّرتِ المُناسبَة..؟ وكيف ستُقنعينَها بارتِدائِه..؟»

أَرجو أنه لَم يُركّز في الحِوار..

« منذُ البِدايَة كُنتُ قَد حسَبتُ الوَقتَ لِكلّ شَيء.. مُنذُ اليَوم الذي ستَبدَأ فيه بأَخذِ مَسحوق القُشور..

خططتُ بأن آرون سيُهديها القِرطَ في اليّوم الثاني من تناولها له، لأن والدَة جودي دائما ما تقيم أُمسيَة فيه..

وكثيرًا ما ذهبَت عمّتي إليها، أمّا بِخُصوص إقناعِها فآرون أيضًا كَفيلٌ بِذلِك.. »

لم يُظهِر أيّ تَعبير، لكنّ يدَه تُداعِب لِحيَته القَصيرَة بنَظرَة مُتمَعّنة، قبل أن يتحدّث مُجددًا..

«إن كانَت هذه البداية فما النهاية يا سيلينا..؟»

لاسمي وَقعٌ غَريب على لِسانِه.. بِدون آنسَة..

« لا أعرف، أنا فقَط سأُنفّذ ما خططتُه على مَدارِ سنوات عديدة..»

«أستطيع القول بأنّكِ أخذتِ قوّة والدَتكِ بلا شرّها، أليس كذلك..؟»

فقدتُ الاتصال بملامحي، لا أعرف أي شعور تصدّر الواجهة الآن.. لكنه مقيت بلا شك، لقَد تَشوّشتُ تَمامًا..!

لمَ يقول هذا الآن..؟ لمَ هذا بالضّبط..؟ هل سمع هذه الجُملَة من آلبرت وكرّرها..؟

أم أنّ الأمرَ واضِح وكَلامُه إثبات لِما لا أعرِفُه عَن نَفسي..؟ لَم أستَطِع سُؤالَه حتى، فَكأنّه لَجمَني..

ازدردتُ ريقي، عيناي جامدتان علَيه، فلم يُنقذني من قبضة ذهول مَكين، سِوى قبضَتَيه على كتفَيّ بضغط طفيف..

«سيلينا! هل تسمعينني..؟ لقد قلتُ ما خطر لي فقط، لا تكترثي..»

نعم..! نعم هي مجرّد جملة فارغة، لا يُهمّ إن كانت ذات معنى أم لا، أنا أُفكّر بسوداوية شديدة في الآونة الأخيرة..

تراجَعتُ فورًا أمسّد بين عينايَ بزفرة طويلة، اتّخذتها مُهلَة لترتيب ملامحي مجددًا..

« أنا فقط تفاجَأت لأن هذه الجّملَة قالها آلبرت قبلَك..»

ثمّ حُقِنَ الجّو بضغط غريب..

تمشّى بيننا صَمت مُحرِج، قبل أن يُبرّر اتّجاهَهُ

لغُرفَتي..

«اسمحي لي بحجِزُها عشر دقائق فقط، سأُبدّل

ملابسي..»

أومَأتُ وعُدتُ للهاتِف كَي اتّصل بآرون هذِه المرّة..

الأُمسيَة تبدَأُ في تمامِ السّابعة مساءً..

ويجبُ أن يُسلّمها إياه قبل ذلك المَوعِد..

~~

~~

كعادتِها شمسُ الخريف باردة، تُطِلّ على الأزهار بفُتاةِ ضوء كأنها تمنّ عليها بأن أبهجَت ألوانَها ولو ببهوت..

سيلينا التي تجلس مُقابل السّيدة مارغريت أسفلَ المظلّة ترفع ابتسامة بسيطة بينما تنتظرُ أيّ جُملَة تنتزع السيطرة من هذا الصّمت المُهيمِن..

عقلُها يعرِض الاحتمال تلوَ الآخر لهذه الدّعوَة الغريبة.. فلأوّل مرّة منذ استهلّت حياتها هنا..

تطلب السّيدة مارغريت جلسَة شاي في الحديقة بعد الغداء..

لقد استفردَت بها لدرجة إفراغ المكان حتى من العاملات اللاتي يقفن بالعادة لتلبية أيّ حاجة..

تابعَت ارتشَاف العمّة من كوبها بوقار يسلبُ الأنظار، كأنه لا يلقي بالًا لخطوط الكِبَر على وجهها المُتوَرّد..

قبل أن تستفتح الحديث.. ابتسامتها أليفَة أكثَر من العادة شعرها الأشقر البلاتينيّ مثل ابنها يلتف بكعكة سفلية رصينة

«أعرفُ أنّكِ مُتفاجِئة جدًا من دعوتي، لكنني حقًا لم أجِد وقتًا أنسَب من هذا، لذا أرجو أن تمنحيني كلّ انتباهك..»

هي تفعَل ذلك مذ حطَت قدَمها هذه الحديقة وتبيّنَت العمة من ذلك عِندَما أسنَدَت ظهرَها بنَظرَة جادّة..

«أسمَعكِ يا عمّتي..»

تُبدي ابتسامة مُعجَبَة قبل أن تنبس..

« أخبرَتني ليزا أنّكِ تعرفين عن مرَض ابني في التّعبير

عن مشاعره، ومع هذا فقد وافَقتِ على الزّواج منه..

حتى إن كان تَقليديًا.. معَ أنّكِ وبُلا شكّ تُدرِكينَ قيمَتكِ وتُدرِكين معنى العَيش معَ رجُل جامِد.. »

ابني..؟! قرنَت حاجبَيها..

هل تُحاولُ تَنظيفَ الكلام من غُبار العلاقة الفعلية بينهما..؟ أهيَ إشارة مبطّنة لرغبتها بحديث شفّاف..؟

مع سيلينا الشّابة، ليسَ مع زوجة آدم، والمعنَيّة تلتقط ذلك فتهزّ رأسَها..

« ولهذا أنا أضعُ الكثير من الآمال عليكِ يا عزيزتي، أنا لديّ قناعة بأنّك تملكين القُدرة على جَعلِه يشعُر مجددًا..

وجود شَخصٍ بمثل مُواصفاتكِ حولَه طوالَ الوقت سيُجبِرُه على العودة للحياة، وهذا ليسَ كلامي بل كلام المُعالج..

لقد قال أن احتمال شفاء آدم سيرتفِع إن تعرّض للمواقف العاطفيّة باستمرار، أُريدكِ أن تدعميه بصفتكِ زوجته فقط »

بدَأتُ أشعُر بالاشمئزاز، قبضَة الغثيان تلتف حول معدَتي

وجود مثلي..؟ أتقول افتني ابني يا سيلينا..؟ ماذا تراني..؟

عجِزَت الحروف عن التّراكب في جملة مُفيدة، اقترنَ حاحبايَ بعبوس صنعَه المَوقف دون إذني فانفرَجَت شفتايَ عدة مرّات بلا نتيجة..

لكنّها ما لبِثَت أن فتنَت بينَ مشاعري بتلك النّظرَة

المُنكسرة..

وكأنني أملُها الوحيد، قبل أن تنبسَ ملتقِطَة يدي عن الطّاولةِ لتشدّ علَيها..

« أرجوكِ لا تفهميني بشكل خاطِئ يا سيلينا، صدّقيني أنا لم أقصد شيئًا سيّئًا، إنه فقط..

أنا أُم، وأن أرى ابني لا يَعيشُ بشكل طبيعيّ هكذا يحرقني ببطء، لن تفهمي ما أشعر به..

لأنّك لم تعيشي مع آدم ولم تُصبحي أمًا يا ابنتي، أنا طلبَتُ مساعدتك لأنّك أكثر من يقضي الوَقت معَه، لا أكثَر..

سيلينا أنت لستِ جميلة فقَط، بل لديكِ عقل راجِح أعلم جيدًا كيف سيُساعد آدم.. »

على افتراض أنني أستطيع أن أكون السّبب في علاجه.. فكيف أجعله يتعلّق بي أو يُحبّني على الأقل..

وأنا أعرِف أننا سنفترق في النّهايَة، هذا مُجحِف بحقّه، ولا أستطيع إيضاح الحقيقة لها..

أفضل جواب ارتأَيته كان حلًا وسَطًا، حيث لن تشكّ، ولن أبدوَ فظّة أو غريبة أطوار، فأيّ امرأة لا تُريد أن يُحبّها زوجها؟!

«أنا لا أعدُكِ بشيء يا عمّتي فلستُ خبيرَة نفسية، لكنني سأُساعدَه في أن يفهم نفسَه أكثَر، فقَط في أيّ وقت أشعرُ بأنه يُمكنني ذلك..»

خمدَ الحُزنُ في وجهها وابتسَمَت على مضض، رغم أنها لم تحصُل على الإجابة التي تطلّعَت إليها، لكن هذا كلّ ما أستطيع فعله..

ودّعتُها ووقفتُ لأذهب كي أنسفَ أيّ فُرصَة لحِوار أعمَق.. مسّتني زفرتها الثّقيلة، فوجدتني ألتفتُ مجددًا..

«أنتِ أُم عظيمة يا سيّدة مارغريت، وآدم محظوظ بأنه

ابنكِ..»

ليسَ من المُبالغَة القَول بأنّ ابتسامتها باتت كحبلٍ ربطَ بين أُذنَيها..

قبل أن تقف وتعانقَني ماسِحَة على شعري المنسدِلِ

بحُنوّ..

منذُ أتَيت وحتى هذه اللحظة لم تَنفكّ تحاول تخفيفَ ضيقي في أي فرصَة تراها مناسبة..

لمَ العالَم أصبَح لَطيفًا فقط عندما فقَدتكَ يا آلبرت..؟

حتى السّماءُ مُشرقةٌ جدًا اليَوم..

« أتعلمينَ كم تمنّيتُ أن يشعُرَ آدم بمحاولاتي من أجله بدلَ رفُضِها بقَسوَة..؟ أشكركِ من أعماقِ قَلبي يا ابنَتي..

أرجوكِ اعتبريني أُمّكِ منذ الآن، ولا تتردّدي في طَلبِ أيّ شيء مني، اتفقنا..؟ »

أومَأتُ بابتسامة متكلّفة، عقلي لا يكفّ عن المقارنة بينها وبين أمي..

الفَرقُ مُؤلِمْ، وصَريحٌ دونَ مُجامَلات..

~~

~~

السّاعة العاشرة مساءً..

ينزلُ من السيّارة نهاية يوم عمل طويل كالمُعتاد، يهرع العامل له فيأخذُ الحقيبة ويسبقه بها للمنزل، بينَما يمشي هو على مهلِه، مُمسّدًا عُنقَه بملمح مُتعَب..

يومًا بعدَ آخر تغرَق ألوان الحياة في مَلكيّتيه، فلا يُمكِنُه تمييزُها ولا شيء جديد، من العمل إلى المنزل والعكس..

حصرَ نفسَه في روتين صارم، زادَ من خدرِه العاطفيّ.. والسّعادَة رفاهيّة غير مُباحة في عُرفِه..

كانَ على وشك الدّخول من الباب الرّئيسيّ عندما ميّز نبرَتها

فتبعَ الصّوت حتى زاوية الجِدار..

حيثُ أطلّ ليجدَها واقفَة أسفلَ الضّوء مقابل شقيقها، ليَرِدَ كلامُه مسمَعَه..

«دسَستُ لها الدواء في الطعام كما قلتِ، وتحسّنت حالتها ثمّ أقنعتُها بالذهاب..

كما أنني جعلتُها ترتدي القِرطَ في السّيارة، حتى لا يُمكنها التّراجع عن الخروج بسببِ الحساسية.. »

لقد اجتهَدَ بما يُفيدها حقًا.. يبدو كالتلميذ النجيب لرئيسِ عصابة..

همهمَت..

في الوقت الذي انتبهت فيه لزوجها، فانتقلَت نظرتها إليه وتقدّمت تتخطّى آرون المُقابل لها..

بينما يمشي هو نحوَهما، مُصرًا على التّحديق في مُقلَتَيها كوجهَة نهائية..

يتأمّلّهما وباقترابه أكثر يستوعب بريقهما الذي أذكاهُ تركّزُ الضّوء..

حتى أنه ألقى التّحيّة دون أن ينظرَ لشقيقها الذي لاحظَ الأمر بذهول..

ثمّ نبسَ بهدوءه المُعتاد..

«ما الذي حدَث لتقفي هنا في هذا الوَقت..؟»

تطرُده بعُنف من فضاءِ عينَيها، حين تُشيحُ بصرَها

للأَرض..

«لا شَيء مهم، احتجتُ لإخباره ببَعضِ الأمور..»

لم يُعلّق، ومن الواضِح أنه غيرُ مهتَم فاستدار مُودِّعًا..

لمْ تفهَم لمَ جاء أساسًا..

«أراكِ لاحِقًا..»

عادَت تُطالِع شقيقها وتقدّمَت لتشدّ على كتفَيه الأعلى من مستواها بقليل..

«إذًا كما أخبَرتك راقِبها هذه الليلة فغالبًا ستذهبُ للطبيبة اتبعها متنكّرًا وخذ الكاميرا لابدّ أن تحصُلَ على شيء مُفيد»

أومَأ على مضض وعيناه ما زالَت على مسار آدم الراحل بالفعل، حتى نادَته..

«أين سرحت..؟ ركّز فيما قلتُه وهيا اذهَب الآن..»

استدارَ فورًا.. قطَع مسافةً جيدة حين استوقفَته فالتفت..

«انتبه لنفسك..»

ما ذلكَ الوجه الذي رفعَه..؟ أكلّ هذه سعادة برضاها..؟ ربّما قسَت عليه قليلًا..؟

ودّعتُه وصعِدت أتأمّل لحظات الهدوء الصّاخب في القصر

طرَقتُ الباب بخفّة، وعندما لم يُبدي اعتراضًا فتحتُه ودخَلت

ألقَيتُ التحية ولم يرد، ظَننتُه كالمرّة السّابقة وعندما ركّزتُ سمِعتُ رَتمَ أنفاسه المنتظم يشقّ هدوء المكان..

وهذا نادر، فلم يسبِق أن دخَلت لأجده نائمًا، وبهذه السرعة..؟ دائما ما كان يتأخّرَ..

حتى إن استَيقظتُ في الليل لأي سبب أجدُه جالسًا، وكأنه لا ينامُ أساسًا..

~~

~~

لا يدري حقًا أيُدهَش من فِطنَة أخته المعهودة أم يغضَب من المَشهَد الذي يعبَث بعدّاد تعقّله..

فقد تبِعَها حتى وجدَ نفسَه متنكّرًا على مقعَد انتظار أمام العيادة النّسائية، يحمل كاميرا ليُوثّقَ خيبَته بيدَيه المرتجِفتين..

إشرافًا على دخولهما لها في مشفى غير خاصّة والده، بل ويبعُدُ بمسافة مُعتبَرَة عنها..

لطالما أحبّ عمّته ولم ينسى حنانها علَيه دون شقيقتَيه.. سيلينا على وجه الخصوص..

وها هو يراها الآن في هذا الحال المُشين، مع عشيقها، في منتصف الليل، عند طبيبة نسائية..؟!

أيّ رجل طبيعيّ يغار على نساء عائلَته سيتحمّل ذلك؟ لكنّه يجب أن يفعَل..

فعضّ شفتَه بغَيظ مكبوت وزفرُ نفسًا يُمسّكه زمام

نفسه..

ليسَ من أجل أُختِه فقَط بل حتى من أجل نفسه، لكَيّ يردّ اعتبار الصّورة التي كسرَتها في مُخيّلَته عن نفسها بنفسها..

يشعُر بضجّة الباب دلالة على خروجِهما فيهرع خارج المَشفى ثمّ لسيارته..

مُثقَلًا بالألمِ، يُفكّر بعمق في مشاعر شقيقته لعَيشِ هذا الأمر من والدَيها، بينما هو لم يحتمله من عمّته حتى..

يُلْحَـــــقْ..

حياكم الله من جديد 🍁

كلمة لسيلينا..؟

📍اجتماعنا للفصل..

ال⭐ يا بطة..

وإلى لقاء آخر إن شاء الله..

Insta: nabiola_as05

لمتابعة أخبار الرواية وأي إعلانات مهمة..

أي شيء سيئ يذكر بالرواية من قتل شتيمة حتى على مستوى إزعاج شخص بكلام او مضايقته وما إلى ذلك من أمور هي كثيرة وُضعت خدمة لأحداث الرواية فقط ولا أشجع عليها أبدا

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كهرمان

المؤلف nabiola_as05
2025/06/27 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة