معَ وقوفِها المُستعجِل تعثّرَت عيناها بملكيّته.. يقف بعيدًا يضم ذراعيه لصدره ويرسمُ تعابيرَه برودٌ مَعهود..
وكأنه.. يُراقبني، أو ربما..
أيُريد التّأكّد من الشّائعات..؟
لا..! رجل مثل آدَم لن يفعَل شيئًا كهذا..
مُحال..
ما خطبُه..؟ هل ينتظرُ أن أُنهيَ حديثي..؟ ومنذ متى يقف أساسًا..؟
لا يخطر لي أيّ شيء.. وهذا الرّجل ما زالَ يقف وتحديقه يزيد تشتّتي، عليّ التّخلّص منه أولًا.. ولو باختلاق..
«سيّد رومان، سأكون مُرتاحة أكثَر إن لم نلتقي ثانيَة..»
بدأت ابتسامته تتلاشى..
«فكما تعلَم لم تُكتَب لنا علاقة ناجحة، و.. الوضع محرج لي..»
حتى اندثرَت مع نهاية كلامي، وحلّ بعدها صمت غريب..
ثمّ ما لبث أن ردّ بابتسامة..
«أنتِ محقّة، أعتذر حقًا بشأن ذلك، يبدو أنني اندفعت بلا وعي، وداعًا..»
أخيرًا استدارَ حينَ أومَأت، ندّت مني زفرةٌ قويّة كأنّ جبَلًا انزاحَ عن كاهلي..
خرجتُ من مساحَة الطّاولة، أُتابعُ ابتعاده حتى اختفى بين الحُشود..
ربما بالغتُ بردّي..
لا.. بل منعْته من أي تمادٍ ممكن.. هذا أفضَل..
هل ما زال آدَم يقف..؟ رأيتُه يقتربُ مني، تتبعه بعضُ الأبصار القَريبة..
وقفَ أمامي ومدّ كفّه..
«تعالَيّ معي، سأُعرّفكِ على زميلٍ قَديم وزَوجتِه..»
زميل..؟ أيًا يكُن، فقد سلّمتُه يديَ لنَمشي، طرفتُ وجهه الهادِئ، كأنه لا يعرفُ للفُضولِ معنى، ألَن يسأل..؟
يدُه دافئَة جدًا، ألأَنه تحرّك كثيرًا..؟ أم خاصّتي
هي المشكلة..؟
«بدَوتي غير مرتاحة، هل أزعجَك بأيّ شكل..؟»
«قصّة طويلة.. مجرّد مشكلة من الماضي..»
لم يُعلّق.. عدّل قبضته حتى تشابكَت أصابعنا.. نأيتُ بوجهي حين شعرتُ بحرارة وجنتيّ الفطرية، ولو أنه لا ينظُر..
ربما اعتدتُ على لمسِه، إلّا أنّ الأمرَ ما زالَ غريبًا
عليّ..
ثّنائيٌّ يقفان أمام إحدى المَدافئ، كانا يبتسمان لنا.. لابدّ أنهما الوِجهة..
«عندما نصلُ جاريني في الكلام، أظهري الاهتمام بالأحاديث التي ستُطرح مهما رأيتِها فارغة أو عابِثة..»
ما الذي يحدُث..؟ طالعتُه..
«لماذا..؟»
«سأشرحُ لكِ نهايةَ الحفل، الآن افعلي ما قلتُه فحسب..»
«حسنًا..»
تغاضَيتُ فقَط، كأنّ اليومُ لم يكُن مجنونًا أبدًا، وهذا المَوقف الوحيد..
«هل تشعرينَ بالبرد دائمًا..؟»
اخترقَ سؤاله كلّ أفكاري لأنظرَ إليه..
لابدّ أنه استشعرَ يديّ، تُصبحانِ هكذا حين أقلقُ أو أُفكّر كثيرًا..
أعدتُ غرّتي المُتدلّية خلف أذني، كعكتي العالية رخوةٌ جدًا اليوم، وهذا يتلاعبُ بشراراتِ أعصابي..
«لا أبدًا، لكن يداي تَبرُدان أحيانًا..»
صِرنا قبالَة الزّوجَين فتصافَحنا بالتّتابع..
«تسرّني رؤيَتكِ سيدة سيلينا، أنا كريس زميلُ آدَم من الكلّية، وهذه زوجتي ليديا..»
استَوعَبتُ ملامحها فقط عندما التقَت أبصارنا.. هي جميلة.. شعرها كستنائي وعيناها بنيّتان، تُوحي بالوِدّ..
كان يجبُ أن أبتسم.. فرفعتُ واحدة دبلوماسية..
«تشرّفتُ بمعرفتكما.. أنا سيلينا كورفال..»
وكأنهما لا يعرفانني..!
ضغطتُ نفسي كثيرًا لأجاريَ الحديث، بدءًا بعمل آدم ووصولًا إلى عمل كريس كمحامٍ..
مرّت فترَة وبدَأ الصمت المحرج يتخلّل أحاديثنا، إذًا ماذا الآن..؟ جسدي يَخمُل..
نظرتُ له جواري، فتحدّث كأنه يجيبني..
«إذًا يا كريس، هل مضى على انتصار زواجكما سنة بالفعل..؟»
يا لها من قفزةٍ في محوَر الحديث..
لحَظْتُهُ مجددًا..
أنتَ لستَ ممّن يسألونَ شيئًا كهذا.. ربما هنا ما يجب الانتباه له..
عُدتُ لِكريس الذي ابتسَم بحرَج بعد لمحَة رقيقَة لزوجته..
«هيا يا رجل! لا تشعرني أنه بهذه الغَرابة!»
«أعني أنكما نادران، فنحن كالكَثيرين! قد تزوّجنا بظروفٍ خاصّة وقصّتنا مختلفة تمامًا..»
لمَ تورّط نفسَك..؟ سيسأَلان أكثَر الآن..
إلّا إذا.. لحظة..! أهذا ما تريده أساسًا..؟
قهقه كريس قليلًا ثم نظرَ إليّ مُلتقطًا يَدها..
«لا تتعجّبي هكذا يا سيّدة سيلينا، فأنا وليديا قاتلنا عائلتين كاملَتَين لنتزوّج، لم أستطع تخيّل حياتي بدونها..»
حسنًا هذا واضح، إذ أنّك لم تُكرّر النّظر إليّ بعد المرّة الأولى..
وجهها تورّد وابتسامتها متّسعة.. يُبادلها متأمّلًا..
غارقٌ بها كأجمَل ما رآه في حياته..
كم هذا جميل.. لهيَ نعمَة عظيمة بحَق، امتلاكُ شخص كهذا في الحياة..
رغم ذلك، فلو كنتُ مكانها، ما كنتُ لأحبّ شخصًا أعرف أنه قد لا يكون لي.. منذُ البداية..
وبعيدًا عن طاقتي المَعدومة للنّزاع، أينَ الحِكمَة أو المنطِق
في ذلك..؟
تدخّلت ليديا تاليًا، ابتسامتها مُتيبّسةٌ قليلًا ويبدو حَرُجها
من الحديثِ جليًا..
«أعتذر لما سأسأَل، لكن هل أنتما بخير مع هذا..؟ لا تفهماني بشكل خاطِئ رجاءً..»
الأمر لا يستحقّ توتّرها..
رددتُ بأكثر جملَة مبتذلة أعرفها..
«نعم، نحن على اتّفاق جيّد، وكما تعلمين فالحُبّ يأتي مع الوقت..»
تبخّر تركيزي حين امتَدّت ذراعه حول خَصري فجأَةً، جذبَني إليه بلُطف، فاجتاحَتني قشعريرَة حارقة..
كادَت تكشفُنا نظرَتي المُرتفعَة إليه.. وَضعيّةُ الزّوجَين المُضيفَين..؟! يكفي..!
لستُ معتادَة أبدًا على هذا القُرب..!
ظلّت ملامحه ثابتة البرود، لكنها أكثر ليونة الآن..
« سيلينا مُحقّة يا سيدة ليديا، وفي رأيي، فإن الحب ليسَ ضرورةً للاتفاق..
حقيقةً، هذا ما اتضحَ لي بعدَ العيش معها، فقد أدرَكتُ كم نحن متشابهان..
وكم هي شخص قوي يُمكنني التّعلّم منه.. فقد صبرَت على ظروفها العائلية دون أن تتأثّر بها..
كما تعلَمان، المرءُ بلا حيلة أمام أفعالِ والدَيه.. »
أشرَقت الشّفقةُ من وجهَيهِما..
«اتفّق معك..»
«كلامك صحيح يا سيد آدم..»
لم ألتقط حرفًا من بقيّة الحديث، أهذا ما خطّطتَ له منذ البداية..؟ جرُّ الحديث لهذه الزّاوية..؟
كلامكَ المُبطّن واضح لهما.. لكن..
هناكَ شيء ناقص.. فما الذي سيتغيّر إن قلتَ ذلك أمامهما..؟ ثمّ لمَ أمام هاذَين بالذّات..؟
خالَجني شيء غريب، ضيق مألوف لكن ليسَ بالكامِل..
ليسَت أول مرّة تكون فيها حياتي الخاصّة مِحوَر حديث..
مع هذا، أشعُر أنها مُستباحة جدًا، لطالما كانَت كذلك، لكن الآن بالذّات.. الأمر يُثير اشمئزازي بشدة.. أريد أن أتنفّس..
سحبتُ نفسي بلُطف منه.. كرّستُ آخر قِوايَ الاجتماعية لتعليق ابتسامة بسيطة واستدَرت بعد جُملَتي..
«سُعدتُ حقًا بالتّعرف إليكما، لكنني أستأذِن للمُغادرَة الآن»
شعرتُ بتَحديقه يحفر ظهري..
لابدّ أن كلامي باغتَه، لكنني بالفعل استُنزِفت بشدّة اليَوم، ولا يمكنني التحمّل أكثر..
شققتُ طريقي باستقامة، غيرَ آبهَةٍ لنظراتهم التي
ترجُمني بكثافة..
اتّجهتُ للباب الرّئيسي.. ماذا أفعَلُ بضيقي الآن..؟ كيف أُفرِغ هذا الثِقَلَ من قَلبي..؟
مشَيتُ مباشرَة نحو الحديقة الخَلفية.. فلنْ يراني الضّيوف عندما يغادرون مُرورًا بالأمامية..
اقتربتُ من الطاولة أسفل المِظلة..
الكعب غير مريح.. خلعته، كعكتي مرتَخية.. فكَكتُها..
تدفّق شَعري كغَزْلٍ منقوض.. نسماتٌ باردة لوّحت بخصُلاته وراقصَتُ أطراف تنورَتي مع تقدّمي..
لم يبقى شيءٌ على نهاية الحفلة ولا أظنّ أن اختفائي سيؤثر على توديعِ الحُضور، يكفي وجودُه..
لذا قرّرتُ البقاء رغم برودة الجّو.. جلستُ على العُشب فاخترقَتني قشعَريرةٌ عنيفة..
احتضنتُ نفسي أمسحُ على ذراعايَ.. لم أتخيّلْه بهذه البرودة، لكنّه أفضل من دفءِ القاعة بالتأكيد..
مرّت بضع دقائق فات بعدها الأَوان على العَودة، فأصواتُ المغادرينَ تصلني، تجاهلتها واستلقَيتْ..
فردتُ ذراعاي فعادَت القُشعريرةُ أعنف معهما.. لم أكترث.. إرهاقي أقوى من أيّ ظرف الآن..
أخذَ جسدي يرتخي كأنني في سرير، لا يُمكنني النوم هنا..!عاندتُ عينايَ رغم أن اليوم كان مُتعِبًا..
لم أمنَع أجفاني من الهبوطْ لكنني حافظتُ على وعيي، كأنما أُرضي تعبي وطبيعة الموقف معًا..
بضعةُ دقائق فقَط سبقَت خَشْخشةَ العُشب فوق رأسي، تلاه سقوطُ شيء على معدتي..
انتفضتُ بفزعٍ لأجِدَ سُترته من البدلة التي يرتديها، رفعتُ رأسي إليه..
«ستُصابينَ بالبرد..»
انخفضَ ليُجاورَني..
قميصه الأبيض خفيف.. ألا يحتاجُها أكثَر مني..؟ مدّ قدمًا وثنى الأُخرى لتحمل ذراعه..
يُطالِع الفراغ أمامنا.. أوَجَدَني بسرعة..؟ استندتُ وجذبتُ رُكبتاي لصدري..
ثمّ رفعتُ السُّترة لأدَثّر ما استطعت من ذراعايَ
وجِذعي..
نفحَةٌ ساخنة، مُحملّةٌ برائحتهْ، ارتطمَتْ بوجهي لدى ذلك.. دسّت دفعَة من الأمان في قلبي..
صاحبها حقًا لم يَعُد هنا..
«السّيدة ليديا هيَ النّمامَةَ رقمُ واحد في الطّبقة، إن أردتِ نشرَ خبر فقَط مرّريه على أذنها.. هيَ وكالة إعلامٍ بحالها..»
تراجَعَت دموعي أمام افتتاحيّته المربكَة..
عقلي يُقسّم الجُمل ليَسهلَ فَهمها..
«هيَ ستنشُر الآن أنني لستُ كما تقول الشّائعات..»
التفتَ إليها فسحبَتهُ عيناها وأُخِذَ بتحديقٍ مُمعِن..
«نعم، فأنا آدَم روهَند، الصّريح حدّ الفظاظة، أقولُ هذا بمصداقيّتي التي لا تعرفينها.. ألن يعني هذا أنها الحقيقة..؟»
انتقلَ لأقراطها الألماسية.. هبطَ نحو العِقد المرصّع بذات الجوهرة، وما لبِثَ أن مرّ على وجهها في إيابه لعينَيها..
أربكَها فأخفضَت نظرَها.. هل فكّر بكلّ هذا ليحُلَ مشكلتها فقَط..؟
ذُهول لم تُحكِمه تعلّقَ بنظرتها العائدةِ إليه..
«لكن الشائعات لن تختفي بسرعة..»
بصره الجّامد انتهى بسباحة حرّة في خصلاتها، قبل أن تستقبلَ السماءُ ملكيّتاه، كأنما تستعيد إحدى نجومها اللازوردية..
«ليسَت ضغطَةَ زر، يحتاج الأمر وقتًا، لكنني اليوم أشعلتُ الفَتيل الذي سيَحرقُ الثّرثرة..»
مرّة أخرى يُدهشُها، وهذا الثباتُ الواثق يُثير غيرَتها، كيف تتصرّف وكأنّ كلّ شيء بين قبضتِها وأمرِها..؟
كيف تُثبّت الأمور بينَ يديها حتى لو أنّهما
ترتجفان..؟
«ألم تُغادر الحَفلَة أبدًا قبل أن تأتيَ لاصطحابي..؟»
نظرَ إليها مُجددًا..
«أرجو أنكِ لم تفكّري بشيءٍ غريب حولَ مراقبَتي حين وقوفكِ مع رومان يوفِل..»
أيعرفُه..؟ بالطّبع يفعَل.. فهو جُزء من المجتمع الذي غادَرَته لكنه غالبًا لا يعرف بأمر الخِطبة..
دفعَت غرّتها للخَلف، لكن ما لبِثَت أن انزلقَت مجددًا لتُحيطَ ذقنها وتمسّ شفتَيها الورديّتان بسبب مستحضَر الشفاه..
تحتَ نظَراتِه الفاتِرة..
«في الحقيقة لم أفكّر بشيء، أردتُ جوابًا لما استغرَبته فقَط..»
فردَ قدمَه المَثنيّة واتّكأ على ذراعَيه اللتين أسنَدهما خلفَه.. مالَت عيناهُ إليها بنظرة ساكِنة..
كأنه يتفرّسَ وجهها، وربما تاهَ كعادتهِ في ثنايا مُقلَتَيها..
ما زالَت تُحدّق فيه بترقّب مُستغرِب عندما سألَ..
«سيلينا، هل تثقينَ بي..؟»
رمشَت لوهلة استيعاب، شعرُها المموج اهتزّ بنسمَةٍ باردَة..
هذا سؤالٌ كبير، ترتبكُ من إجابتهِ أمامَ منطِقِها..!
نزَل رأسها لا شعوريًا، كأن التفكير أثقلَه..
ولماذا يسأل..؟ ما علاقة هذا بإجابته..؟ أيُحاول التّملّص..؟ وماذا عنها.. هل.. هيَ تثقُ به..؟
كانَ يدركُ حجمَ سؤاله، وما سيعنيهِ لدى شخص
مثلِها..
ما زالَت داخلَ نفسِها.. ما الذي رأته منه..؟ دعم مُطلَق.. مساعدة بلا مقابل واضِح، كفاها الهروبَ، ولدَيها عائلتُه..
لا، بدون كلّ ذلك، ثقَتُها بهِ فُرِضَت قسرًا مُذ أنه صَديق آلبرت
وحتى لَو خانَها مُستَقبَلًا فلا شيء لتَخسرَه..
رفعَت رأسَها بنَظرَة حازِمة، كأنّ عهدًا بداخلها قد توثّق..
«نعم..»
فرمَى ملكيّتَيه للأفُق الأسود..
بهذه السّرعة..؟ لا تبدو ساذجة، وبالتّأكيد ليسَت مغفّلة..
إذًا هل هيَ بائسَة لدرَجَة الموافقة..؟
لمَ لا يجِد أيّ سبب مُقنِع..؟
«إذًا ثقي بأنّ كلّ أفعالي وإن لم تفهميها لن
تضرّكِ أو تُهينَك..»
وأشاحَ بصرَه كأنما يُفسحُ مجالًا لذوَبان الغموض عن كلامِه.. تُهينُها..؟ هبَطَ رأسُها بابتسامة..
ساخِرة..
كان يعرفُ ظُنونَها مُذ كان يُراقِب..
هذا الرّجل حقًا..
بصرُهُ يُتابعُ ارتمَائَها على العُشب وسُقوطَ السّترةِ فوق
بطنها..
باتَ جميلُهُ كبيرًا على ألّا يُرَد.. وهذا يُثقِلُها رغمَ كلّ الامتنان..
«كيف أردّ معروفكَ يا آدَم..؟»
رجَعَ إليها برَدّ فوريّ، كأن الإجابة مُعدّة منذ زمن..
«الواجبات لا تُجُازى..»
ليسَ هذه المرة، فلا يمكنها تقبّل كل هذا العطاء دون مُقابل.. ألا تكفي خيبَتها بالثّقة..؟
«أرجو أن تطلُبَ شيئًا..»
كثّفَت إصرارَها بنظرة ثابتة عليه..
مالَ بصرُه للأرض أمامَه وطال صمتُه، كأنّما ينسجُ الإجابة بحذَر، ثمّ عادَ لوجهها..
«إذًا لنؤجّل الأمر حتى أجدَ طلبًا مُناسبًا..»
أدرَكَت ألّا فائدة من حثّه..
تسلّل الصّمت بينهما حينَ طالعا السّماءَ وكلٌّ يرميها
بخواطرِه..
علَيها أن تعترِفَ بأنه شخص سلسْ، سهلُ التّعاملْ.. لن تُضطرّ لرفعِ أيّ دفاعاتٍ أمامَه..
الآن فقَط بدأَت تفهمْ كيفَ اتّفقَ معَ أخيها رغم اختلافهما..
«اتّفقنا، لكن عدني بألّا تتراجعَ عن كلامك..»
عادَ لمطالعة السّماء..
«لن أفعَل..»
~~
~~
«سيلينا يا ابنتي هلّا أعطَيتِ هذه الشّطيرةَ لآدَم..؟»
استدَرتُ عن الباب لدى جملتها..
مرّة أخرى اليوم لم ينزل لتناول الإفطار معَنا، لقد انشغل في مَعمَله بعدما انهالَت عليه الطّلبات عقِبَ الحفلة قبل أربعةِ أيام..
حتى أنه نام هناك في اليومَين الماضيين.. لم أنتبه إذا كان يأكلُ ويشربُ أساسًا، هل خرَج من المَعمَل..؟
رجَوتُ شفتايَ لابتسامة ومددتُ يدي لأخذِها..
«حسنًا، أراكِ لاحقًا يا عمتي..»
«سيلينا..»
ابتلعتُ تنهيدَتي، أرجوكِ لا تسأَلي شيئًا عن علاقتنا..
استدَرتُ مُجددًا، وهذه المرّة فكّرت جدّيًا بالجلوس كي لا تُديرَني مرّة أخرى..
يكتسي وجهها بعبوس طفيف لم أعتده من بشاشتها، ونوعٌ
من الغضَبِ العاتِب يبدو ذائبًا في عسليّتَيها..
«أليس كثيرًا عليكِ أنّه غابَ لما يقرب الأسبوع..؟ ألا تُريدين أن تَخرجا مثلًا أو ترَيه على الأقل..؟»
اعتدلَت وِقفَتي، كِدتُ أنسى دَوري كزَوجَة الابن العاديّة
مثل هذه الزّيجات التقليدية تنطوي على التزامات صارِمة..
لا شأنَ لها بحبّ الطّرفَين لبعضهما.. كالحرص على العلاقة مستقرّة من الشّجارات أو البُعد غير المُبَرّر و..
موضوع الوريث.. الذي أَرجو بكلّ ما فيّ ألّا تُفاتحَني به حتى ينتهي هذا الاتّفاق..
ضمَمتُ ذراعاي وزَنتُ كلامها بحذَر، فهو يحتملُ الكثير من المعاني، ولا أدري بأيّها أُجيب..
اتّخذت أكثر الجوانب ضمانًا..
«في الحقيقة أنا متفهّمَةٍ لانشغاله هذه الفترة ولا مشكلة لدَيّ..»
أهذا ما أردتِ سماعه..؟ يبدو كذلك من سرعة انقلاب وجهها..
ابتسمت براحة وأعادَت ظهرها للمَقعَد.. تأمّلَتني قليلًا ثمّ نطقَت..
«أنتِ حقًا لا تشبهين والدَتكِ يا سيلينا، أتعلمين..؟ ما كنتُ لأوافق على زواجكما مهما كانت المصلحة، لولا ثقَتي بذلك»
مالَ وجهها لشَفقَة طفيفة.. شعَرتُ بنغزَة في معدَتي، لمَ سقطَت أمي منتصف حوارنا..!
هذه المُداخلات تذكّرني به..
يبدو أنه ورثَها منها..
«شكرًا لكِ يا عمتي.. في الحقيقة من المحرج قول هذا لكنكِ من القلّة الذين يعترفون بالأَمر..»
استدرتُ لأختمَ اللقاء بجُملَتي..
«أراكِ لاحقًا عزيزَتي..»
تركتُها وحيدَة على الطّاولة، فثَد غادر السّيد شارلن قبل فترَة لقَضاء حاجةٍ في عمله..
حقًا ما الذي خطرَ لها فجأة..؟ تصرّفي كان الطبيعيّ لأيّ امرأة عاقلة..
هل كانَت تنتظر فرصَة لتُعرب عن ذلك فقَط..؟
أيا يكن..
قطعتُ السلالم، كنت سأتخطّى طابق جناحنا للذي بعده حيث مَعمَله، لولا سماعي للجلبَة من الباب، فطرقتُ وفتَحته..
كانَ يقف أمام السرير ببدلة رسمية سوداء، أيعقَل أنه ذاهب للشركة.. لقد خرَجتَ من المَعمَل للتّو..!
خصُلاته ما زالت رطبَة تلمع تحت الإنارة، وفي يدَيه مجموعةُ أوراق.. ارتفعَت عيناهُ عَنها نَحوي..
وتوقّفَ للَحظَة، طويلةٌ على أن تسمى كذلك..! لم أشعر بها لعينايَ بقدر ما هيَ لوَجهيَ كاملًا..
جُرّ بصري لمُلاحظَة ملامِحه تلقائيا عندَها، لديه بعض الهالات ووجهه شاحِب بوضوح..
تاليًا نطَق كمَن تداركَ نفسه للتّو.. لمح الشّطيرة في
يدي..
«كيف حالكِ..؟ مرّت مدّة..»
فأغلَقتُ الباب وتقدمتُ نحوَه..
آه.. صحيح.. الأَجواءُ تبدو غريبة، وبطريقة ما أشعر بعودتنا لأوّل لقاءٍ في المَشفى..
«بخَير.. ماذا عنك..؟»
أزاحَ بصرَه عن فستاني الصّوفي الأسوَد فقط حين اتّجه للمَكتَب الصّغير جوارَ السّرير خلفَه..
«كما ترَينَ أنا كما كُنت..»
فتَح الأول، وضع الأوراقَ فيهِ وأخذَ غيرها..
«هذه الشّطيرَة طلَبت عمّتي أن أعطيَها لك..»
عادَ وتناولها مني..
«حسنًا، شكرًا لكِ..»
يجبُ أن أكتَب الرّسالة التّالية، وأستدعيَ أرون، استدَرت بالفعل نحوَ المكتَب حين تجمّدَ جسدي للحظةٍ رجَوتُ أن تفوتَه..
لكنني تدارَكتُ الأمرَ بسرعة واستأنَفتُ طريقي، هل حقًا تفقّدَ مُحتَواها..؟ لماذا..؟
يبدو أنه لم ينتبه لي وربما تجاهلَ فقَط، لا أعرف، هل لدَيه حساسية من شيء معين..؟
لكن من غير المعقول ألّا تعرفُ والدتَه بذلك..
جلستُ فباتَ خلفي..
ما الذي يحدُث بالضّبط..؟ أيًا كان فاعتقاداتي حولَه بدَأَت تتراجَع أمامَ انشغالي بمهمّتي..
شعرتُ بجلوسه على السرير، يبدو أنه سيتناوَلها نهايةَ المَطاف..
تاليًا مرّت بضعُ دقائق من الهدوء، تخلّلَها تنقلاته في الغرفة بين الأدراج والأبواب أو حَفيف تقليب الأوراق بينَ يدَيه..
فأَخرجُ مع كلّ مرّة من تركيزي وأعود إليها..
لم أشعر بحضورِه إلا عندَما فردَ كفّه جوارَ الورقة..
ارتفعَ بصري إليه بالتفاتي، لأجده يقفُ مطالعًا إياها.. يده الأخرى تقبضُ ظهر مقعدي..
تحوّلَت نظَراته لوَجهي حين سأل..
«كان بإمكانكِ جعلي أكتُبُ الرسائل فلن تعرفَ خطّي..»
عطرُه الثقيل يستَوطِنُ الأَجواء من حَولي..
«هدَفي ليسَ تغيير الخَط فقط، بل جعلَه أقرَب ما يمكن لخطّ شخصٍ أُمّيّ..»
«إلامَ تُريدين توجيهها..؟»
«عاملة.. وبهذا أُرفِق الخَوف في كلّ خطوة لها، كيفَما تحرّكَت ستشعُر بالعُيون تراقبها..»
استقامَ وظلّ واقفًا لثوانٍ، يُحيطُ الورقَة بنظرَة دقيقة..
هل أبدو مجنونة بالتخطيط لكلّ هذا..؟
تاليًا استدارَ نحو الباب..
«إن احتَجتِ أيّ مساعدة فلا تتردّدي في طلبِها..»
«حسنًا، شكرًا لك..»
لا أظنّه يراني مجنونة..
~~
~~
يداها تتطايَران في الهواء من كلامها وتهديداتها.. زوجها يقف جوار ابنته بأذرع متشابكة يتابع بعبوس مسارَ غضَبها المُشتعِل..
آرون واقفٌ جوار عمّته يُطالعُ المَشهَد بقلَق، يَقسِم بصره بينَ حال عمته الجّالسة على المقعد الخشبيّ أمامَ المكتَب، كأنها على شفا حفرة..
وبين الدراما العائلية التي يعرفُ سببها ويقف مع
مُسبِّبَتها..
العمّة قلقَة حدّ الرّعب.. لو أنها تملك قدميها للهروب لما استطاعت أن تمنع نفسها من قضم أظافرها..
فما كان بوسعها فعل شيئَين بهذه الصعوبة في وقت
واحد بعدما بدَأ الخوف يَشُلّها..
ها هو نيلسون رغمَ كلّ الحُبّ الذي يحملُه لابنتِه المُدلّلَة إلا أنه وبّخها في النهاية، ولو قليلًا..
إذًا ماذا لو وُضعت أخته في نفس المَوقف..؟ سيكون مكان الوالدَة بلسان كالسّوط..
تلتَهمُ باطن شفتها بتجهّم وتفكّر مُحدقة بالأرض، كأنها ستحرقها.. تفكّر، تفكّر.. كما فعلَت طوالَ الأيام السابقة..
كيف وقعَت لهذا..؟ مجرّد ورقة لعينة كتبها لعينٌ لا تعرفه نفّذَتها خوفًا، وهذا ما لقِيَته..
هيَ تُعدَمُ على نصلِِ كل حرف يُقال بينَما عَشيقُها يَعيشُ بسَلام بَعيدًا..
أهذا ما يجب أن يحدث؟ أحقًا.. ستبقى الأمور
هكذا..؟
أخذَ الغيضُ يفيض من حدَقتَي الأم الجّاحظَتين، فموجةُ الغضَب تتجدّد وتعصف بملمح ابنتها لحال أسوأ كل مرة..
يخرُج صوتُها عاليًا، تنصرعُ منه أسنانها قبل آذان المحيطين
بها..
«لذا يجب أن تفهمي أنّكِ ولو وقفتِ خلف والدك هكذا عمرًا ستَذهبين للأخصائية.. أتفهمين..؟»
هزّت الفتاة رأسها نفيًا بينما تُدمي شفتيها بأسنانها، حينَها تدخّل الأب واستدارَ لابنتِه..
أخرجَ تنهيدَة مُثقلة وسحَبَها من خلفِ ظهرِه.. شدّ على كتفَيها ما إن قابلَت وجهه الصّارم..
«ألِيس..! يجب أن تتفهمي خوفَنا عليكِ، نحن نعلَم أنك فعلتها قهريًا ولا نلومك، ولكننا نريد مساعدَتكِ، لذا افهمي..»
انهارت ملامحها مجددًا بينما تطالعه بأعينَ جاحِظة..
«أبي لمَ لا تصدّقني..؟ أنا لم أفعَلها.. لم أفعَلها..»
ظلّ يُحدّق فيها بحِيرة..
لا فائدة..!
كتمَ تنهيدَته خوفَ حُزنِها أكثَر، وابتسم ليمتَصّ الهلعَ من عينَيها الغاليتَين عليه..
«عزيزَتي، اخرجي مع أخيكِ وعمّتك قليلا، أريدُ محادثةَ والدتِك على انفراد..»
أرادَت سَماع الجملَة منذ أوّل ثانية في هذا العذاب، هزَت رأسها بقوّة، وهرَعَت إلى شقيقها الذي استقبَل نظرة والدِه
بفَهم..
~~
~~
دلفَ الثلاثة من باب خشبيّ ضخم، حُفِرَ بعضُه وتقشّر بعضه الآخر؛ إخلاصًا للسنون التي عاشَرَته طويلاً..
استقبله ضَوء أصفر خافِت، لوّنَ كومَة الدّخان الطّائفَة في المكان.. كأن السماء رمَت غيمَة هنا..!
ألواحِ الخشَب أسفلَهُ تئنّ كلما داسَها، بنيّتاهُ تسيران أمامَ قدَمَيه، تطبَعان استنكارَه على كلّ ما مرّ بهما..
الضّحكات الصّاخبة حولَ الطاولات، هيئةُ أصحابها المُريبَة.. الجدران المتقشّرة وزواياها المتعفّنة.. أيّ مقهى هو هذا..؟
إنه أشبَه بوَكر عصابات.. مَهجور..! استمرّ باتّباع كارلوس وصديقِه حتى جَلسوا على طاولة بثلاثَةِ مقاعد..
ما انفكّ يُطالع حولَه إلى أن سحبَهُ صوتِ كارلوس، يرفعُ ابتسامة عريضة أعمى بها بصيرةَ ضحيّته منذ زمن..
«لِياس..! ما الذي تفكّر فيه..؟ ألم يُعجبكَ المقهى..؟»
يمسكُ كوب القَهوَة الذي وصل للتّو دون أن يطلبوا حتى..
«لا، لا، إنه فقَط قديم جدًا.. ألا يوجَد مكانٌ أفضَل..؟»
يَرتشفُ منهُ بينَما يُجيبُ صَديقُ كارلوس المدعوّ لويد..
«نحن اعتدنا المَجيء هنا، إنه مكان منعزِل وبعيدٌ كثيرًا عن صخَب العاصمة..»
وقذِرٌ كثيرًا..
تمسّك بالكوب لدفئه وهَمهم على مضض.. عيناه تسرحان مجددًا نحو المُحيطين به من زبائن بينَما يَتحادثُ مرافقاه..
غافلًا عن نظراتِ كارلوس المُتردّدَة علَيه..
ساعةُ يدِه تُشير للعاشرة مساءً، لم يتغيّب عن المنزل لهذه المدّة في حياته.. كما أنه فوّت امتحانًا مهمًا ليلة البارحة..
يُبعثر شعره البني ويحاول إسكات ضميره المُتهالك.. حتى لو أنه قضى ليالي الأسبوع بين صديقه ومن عرَفهم بسببه..
إلا أنه لم يفعل شيئًا خاطئًا.. المعلمُ صديق والده وسيعوّضُه، أليسَ كذلك..؟
الامتحان يعوَّض لكنْ أول صديق في حياته الوحيدة لا يَفعَل..! وزيّنَ له ذلكَ نَزعَة صبيانية..
ربما حان وقت المُغادرة.. وقف فورًا فارتفعت الأبصار معه نظرَ إليهما بابتسامة وداعِيّة..
«يجب أن أغادر الآن..»
لكن لكارلوس رأيٌ آخر، حين سحب يده ليُجلسَه مجددًا..
«أتمزَح؟ وصلنا للتّو.. الليل لم يبدأ حتى، إنها العاشرة فقط..»
تردّد.. جزءٌ منه يريد أن يبقى، رغم كلّ الشّك الذي يقلِقُه من المكان، لكن..
والدُه سيقلَق، فقد وعده أن يعود بحلول العاشرة طوال الأيام التي بدأ فيها بالخروج معهم..
«في الحقيقة.. أنا لا يجب أن أبقى أكثر من هذا في الخارج»
كتما ضحكَتهما رغم أن النظرات المُتبادلَة تفي بالغرض..
تصارع الإحراج والغضب على وجهه لكنهما اتّفقا على احمرار مَكشوف..
جعَل كارلوس المراقِب لقبضته المُشتَدّة يعلّق..
«وهل أنتَ طفل ليتحكّموا بك..؟ أنتَ رجل بالغ ولهذا لست ملزمًا بطلب إذنٍ من أحد! لا تكُن ضَعيف الشخصيّة هكذا»
أدرَك أن زيادَة الجّرعة ستُفقِدُه فريسَتَه لذا أضافَ..
«أنا لم أقصد الإهانة، مجرد تذكير! فأنا أكبُركَ بسنتين ولهذا أريد أن أنصحكَ فقَط..»
ظلّ لياس يحدّق لثوانٍ في الطّاولة الخشبيّة المتَسلّخة، قبلَ أن يهبط مع زفرته السّاخنة..
« لا علاقة لذهابي بالتّحكم، أنا متعَب فقَط، سأجلس نصف ساعة أخرى فقَط..»
يبتسم لويِد ويرمي جملَة عابرة، كمن يضع السمّ في عطر زكيّ..
«من يعلم..؟ ربما ستبقى أكثر معنا..»
لم يلتقط الضّحية منها شيئًا..
حام بصرُه بين وجوههم وتغلغلَ وكلامهُم في قَناعاتِه البسيطةِ الهشّة..
كارلوس محق..! إنه في الثامنةَ عشرَ بالفعل ولا يجب أن يتحكّمَ به أحد، يجب على والده أن يفهَم ويتوقّف عن تأنيبه..
«خُذ، ما رأيك أن تجرّبها..؟»
سقطَت نظرته الشّاردةُ على سيجارةٍ أمامه..
حدّق فيها ضمنَ وهلة استيعاب، ثمّ أزاحَها بظهر يده بينما لم يترك الغضَبُ ملامحه بالكامِل..
«أبعِدها من وجهي..»
أغمضَ عينَيه وعضّ شفتَه بغيظ..
شتمَ المال الذي جعله يتحمّل كل هذا العناء.. لكنّه بسلاسة رفع ابتسامته المَعهودة بالمَكر وتحدث..
«يا صديقيَ العزيز، ألم تفهَم أن ما قلته لمصلحتك..؟ إنها مجرّد سيجارة! لن تموت..
الرجال لا يخافون التجربة يا لِياس، عليك أن تعيش الحياة انظر حولك.. الجّميع يدخنون وما زالو على قيد الحياة..»
ثبات مبدئه يتزعزع.. ابتسامتهما المحفوفة بسخرية سابقة تستفزّ جزءَه العاقل..
حبسها بين سبابته ووسطاه ولوح بها أمامَ بصره..
«مرة واحدة فقط يا لِياس، مرة..»
ما أسوَأ ما قد يحدث..؟ إنه رجل ويجب أن يتصرّف على هذا الأساس..
سحبَها فبادلَ كارلوس رفيقَه ابتسامةً خاطفَة.. انتصرَ للمال ولهدفه..
قدّمها للأَخير فأشعلَها له وانتظرَ مع حليفِه أول نُدبة للفخّ عليه..
تجمّدَت يدُه في الهَواء، كأنّها البرزَخ بين السّيجارَةِ وفمِه يُحدّق فيها والتّردّدَ يتقلّب في نَظرتِه العابِسَة..
لا رجعَة من هذه الخطوة، إن أخطأ فقد تدمّرَت ثقَةُ والده.. لكنّها مرّة..! لن يعرِف..
كما أنه إن لم يفعَل سيَصيرُ سُخريَة لهُم، لهذا يَجبُ أن يَفعَلها، فقَط..!
التقَمَها وسحَبَ نفَسَ خَرابٍ دونَ أن يَعلَم، انحبسَ في صَدرِه لثَوانٍ ثم تَناثرَ في حَلقِه كالتُّراب، ليُوقِد سعَلاتٍ قَويّة مُتتابعَة..
حنى ظهرَه ليَسحَب الهَواءَ من عُمقَ بطنِه، لكنّه وصلَ رئَتَيه
الضّيقتَين وعلِق هناك مُؤجِّجًا نوبَة السّعال..
مرّت بضعُ ثوانٍ حتى هدأ قليلًا، رفَع نفسَه واتّكأ بساعدِه على الطّاولة..
فاتَته نظراتهُما التي احتفَت فورًا حينَ ارتمَت عينَاه على سطحِها..
وفجأة انتشَت أوردَته بنشاطٍ غريب، انفرَجَت عيناهُ ورأسُه الذي انحنى بات خفيفا، كأنّ الهواء حمله..
شُعلات من الراحة القاتلة انسلّت لدمّه الثّائر حتى لبّسَت شفتاه لابتسامة رخوة..
تركيزه يتفكّك كدوائر متداخلة من الرمل يثيرها دخان السّيجار..
توقَف عن المحاولة، توقّف عقله، انطفأ كل شيءٍ في تمام الدقيقة الخامسة لمَوجة العذاب التي لطمته..
بدأ يرمي نظراتٍ عشوائية حولَه.. أصبحت الإضاءة صاخبة والألوانُ زاهية جدًا في نظره المُشوّش..
قبل أن يُسنِد نفسه قليلا بينما كاد يسقط عن
الكرسي..
«يا رجل! ما هذا الشّعور الفظيع..؟ وكأن عقلي فرُغَ من كلّ شيء، هذه الرّاحة مرعبة يا كارلوس.. أهذا طبيعي..؟»
تخلّل سؤاله المستنكرَ خوفٌ طفيف، كان من بقايا نفسه العاقلَة، لكن المسؤول يدوسها بابتسامتهِ ثمّ بجوابِه..
«لا بأس.. هذا حدَث عندما دخّنت لأول مرة.. استمر وها نحن معك فالنستمتع هذه الليلة..»
لم يفكّر فيما قاله.. كل ما كان يَدور في ذهنه هو الفراغ.. وكأنه انتقل لمكان معزول.. رغم أن جسدَه بينهم..
ربع ساعة قبل أن يتوقّف حديثُه العبثيّ فجأةً.. شعرَ بحرارة تحرق عروق عينَيه ففركها..
لسعاتٌ خفيفة لكنها تشعره برغبة في قلعِهما..
فركَها مرّات أُخرى لكنها باتت ترتخي.. يداه تنمّلتا وحركاته أصبحَت بطيئة..
نظرَ حولَه بذاتِ الابتسامة ثمّ يدهُ فقلّبها.. كيفَ انفصلَت
عن جسده..
ما الذي يحدث معه..؟ ما معنى هذا..؟ استمرّ.. قاوَم..
كابَر..
تعثرت الكلمات في فمه، كأنها تتفكّك قبلَ أن تجتمع.. تعذّب أمام أعينَهم خفيّة الشّماتة وتلوّى عدة مرّات أمامَ آذانهم المُتجاهلة..
ساعتَين بهذا الحال أوصلَت الوقتَ لمنتصفِ الليل حين خرَج كل شيءٍ عن السيطرة..
غادرَ لويد وبقيَ مع كارلوس.. دوارٌ شديد أسقطه بمجرّد أن وقف فأسندَه الآخر..
طالعَه بنصف ابتسامة ماكرَة..
«هل مرضتَ من واحدة؟ لم أتخيّل أنكَ ضعيف لهذه الدرجة..!»
ليسَ وكأنّه لا يعلمُ ما يحدث.. رفعَه أكثَر ومدّ ذراعَه على كاهِلِه ليُسنِدهُ، ثمّ خرجَ به من مساحةِ الطاولة..
وضعَه في سيارته المتهالكة ذات الطّراز القديم وقادَ بهِ
حتى منزله.. وقفَ معه وطرَق البابَ ففتَحَ والده..
والذي تشنّجَت ملامحه وامتقَعَ لونُه.. امتدّت ذراعَاه لابنه..
«ما الذي حدَث؟ لمَ هو هكذا يا كارلوس؟»
تناوَلَه فلفّ ذراعه حول عنقه، بينما أخرَج الآخر حُزنه من غمد المكر وسلّه على عنق صاحبه قبل الأب..
« في الحقيقة لا أعرف كيف أقولها يا عمّي، فقد ترَكَنا في العاشرة ليعودَ للمنزل..
لكنني تفاجأت باتصاله من هاتف عمومي قبل قليل وهو في هذه الحالة، ولأصدقكَ القول..
فأنا أشكّ بتناولهِ مادة مُخدّرة.. إنها منتشرة في الفترة الأخيرة وتُباع على شكل حلوى.. »
وطأطأَ رأسه بملمح متعاطِف.. ارتجفَت ملامح الأب وتكوّن فراغ عاجز بين شفتيه الشّاحبتَين..
لمسَ بصرُ والده الأرضَ حين كان يستوعب أبعاد الصدمة.. بالكاد ابتلع موجة الخوف التي لطمته وإذ بالأصهبِ أمامَه يُضيف..
«لكن لا تقلَق، هي ليسَت مخدرات حقيقية.. مجرّد دواء بسيط يُسبب أعراضًا مشابهة وأعدك أنه سيستَيقظ بخير»
ارتاحَت ملامح الأب قليلا، لكن صدمة الموقف لم تُزِل الخَوف من صدره..
ماذا إن أصاب ابنه مكروه..؟ هذا إن كان ما يقوله صديق العائلة الجديد حقيقيًا..
أغلَقَ الباب على أيّ حال فانصرَف الآخر بابتسامة
عريضة..
المبلغُ القادم سيشتري به سيارة وبعد المُصيبة التالية قد يخطِب مَحبوبته..
إلّا أنه غفِل..
يُلْحَـــــقْ..
حيّاكم الله من جديد🍁..
عساكم بخَير..؟
الفصل اليوم طويل تعويضًا للغَيبة..!
أيّ وقت استضاف جَلستَكَ معنا اليوم..؟
⭐
📍اجتماعنا كالعادة..
وإلى لقاء آخر إن شاء الله..
أي شيء سيئ يُذكر داخل الرواية من قتل شتيمة أو غيرها هي أفعال سيئة وضِعَت خدمة لأحداث الرواية ولا أشجّع علَيها أبدًا
nabiola_as05