الشقة المجاورة

الشقة المجاورة

10 0

ارتسمت ابتسامة على محيّا إيلين وهي تلتقط كلمات الفتاة العابسة:

«سآتي غدًا باكرًا لنكمل اللعب.»

وضعت إيلين يدها على فمها، متظاهرة بالدهشة، بينما جلست قرفصاء أمامها.

«هل ستتخلّين عن نومك من أجل اللعب معي؟»

هزّت الفتاة رأسها بثقة مفرطة، فهزّت براءتها قلب إيلين تأثرًا. مرّرت يدها على شعرها، وقالت بابتسامة مشرقة:

«يسعدني سماع ذلك، يا زهرتي، لكنني أريدك أن تنالي كفايتك من النوم... سيسعدني ذلك أكثر. ستجدينني بانتظارك متى ما أتيتِ.»

استقامت إيلين في مواجهة الأم التي كانت تراقب المشهد منذ بدايته بابتسامة هادئة.

«ألقاكِ غدًا، سيدتي.»

هزّت الأم رأسها، ثم أخذت بيد ابنتها وغادرت المكان.

ظلّت إيلين تتابعهما بعينيها حتى غابتا عن الأنظار، فخَلَت ساحة الروضة من الجميع تقريبًا. رفعت نظرها نحو أشجار الكرز، تتأمل أغصانها المتمايلة بهدوء.

لامست نسمات باردة وجهها، فتركت احمرارًا خفيفًا على خديها. أمالت رأسها قليلًا، وتمتمت كمن يحدث نفسها:

«لقد حلّ الربيع.»

أخرجتها نقرة على كتفها من خلوتها. التفتت إلى زميلتها، فوجدتها تبتسم لها.

«انتهى يوم آخر... ما رأيكِ بعشاء خفيف يزيح عنّا تعب اليوم؟»

أجابتها إيلين بهدوء لطالما عُرفت به:

«سيكون ذلك رائعًا.»

...

خرجتا من المطعم الصغير بعدما ملأتا بطنيهما بالطعام. وضعت زميلتها يدها على بطنها وقالت:

«لماذا لا أملّ من هذا المطعم؟»

ضحكت إيلين.

«ومن يجرؤ على الملل منه؟»

«أوافقكِ الرأي، فطعامهم لذيذ.»

وما إن التقطت عيناها سيارة أجرة تقترب، حتى التفتت إلى إيلين وقالت:

«أعتقد أن هذا سيكون ختام لقائنا اليوم... أراكِ غدًا، إيلين.»

ودّعتها إيلين ملوّحة بيدها، وظلّت تراقبها وهي تستقل سيارة الأجرة وتبتعد عن المكان، حتى اختفت عن أنظارها.

تنهدت بتعب، ثم بدأت تجرّ قدميها عائدة إلى منزلها.

سارت في الطريق متأملة وجوه المارة؛ تقرأ تعابيرهم، وتراقب حركاتهم، وتحاول تخمين ما حمله يومهم من أحداث. لطالما كانت تلك عادتها؛ قراءة الوجوه، ودراسة ردود أفعال من حولها، وتحليل لغة أجسادهم.

كانت ترى في ذلك الطريقة الأكثر أمانًا لمعرفة حقيقة مشاعر الآخرين، فالكلمات قد تخون أصحابها، أما التفاصيل الصغيرة التي تظهر على الوجوه والأجساد، فغالبًا ما تفضح ما يحاولون إخفاءه

ضمّت ذراعيها حول جسدها حين لفحتها برودة الليل، ثم أسرعت في خطواتها رغبةً في الوصول إلى منزلها والاحتماء بدفئه.

لكنها انحرفت عن طريقها ودخلت إلى البقالة بعدما تذكرت حاجتها إلى شراء بعض الأغراض لملء ثلاجتها.

دفعت الحساب، وحملت كيس مشترياتها، ثم غادرت المحل بعدما حيّت الموظفة بابتسامة.

كادت تصطدم بأحد المارة، لكنها توقفت في اللحظة الأخيرة، وانحنت قليلًا معتذرة بخجل، قبل أن تتابع طريقها.

ومع ازدياد التعب في جسدها، أسرعت نحو المنزل مستجيبة لرغبة عضلاتها في الراحة.

توقفت أمام البناية التي تقطن فيها وهي تلهث قليلًا. أرجعت رأسها إلى الخلف، محاولةً تخفيف الألم المتسلل إلى رقبتها، لكن منظر النجوم البعيدة، المحجوبة جزئيًا عن أضواء المدينة، استوقفها.

رفعت عينيها إليها، وظلّت تتأملها طويلًا، حتى بدأ ثقل كتفيها يتحول إلى ألم مزعج، فأجبرت نفسها على متابعة السير.

خطت نحو مدخل البناية، وأدخلت كلمة المرور، فانفتح الباب أمامها. ضغطت على الزر، وانتظرت حتى وصل المصعد.

توقف المصعد في الطابق الخامس، فخرجت منه واتجهت نحو شقتها.

وضعت يدها على المقبض، ففتح الباب بعدما تعرّف إلى بصمتها.

وما إن دخلت حتى استقبلها دفء لطيف لطالما أحبّته.

وضعت الأكياس في المطبخ، ثم شرعت في ترتيب مشترياتها في أماكنها المعتادة. وحين انتهت، اتجهت إلى غرفتها، وألقت حقيبتها في أقرب مكان، ثم خلعت معطفها وهي تحمل منامتها نحو الحمام.

بعد حمام دافئ، آوت إلى سريرها، مستسلمةً لأحلامها.

...

حلّ الصباح بشمسه المشرقة، معلنًا عن بداية جديدة... وقصة جديدة.

تمدّدت إيلين بكسل، قبل أن تستقيم بعد معركة طويلة بين عقل يأمرها بمواصلة النوم، وضمير مهني يذكّرها بواجباتها.

اتجهت إلى الحمام، وغسلت وجهها محاولةً إبعاد آخر أطياف النوم عن ملامحها. ثم غيّرت ملابسها، وتناولت فطورها، قبل أن تقرر مغادرة المنزل.

خرجت وأغلقت الباب خلفها، لكنها لم تكد ترفع عينيها حتى تجمّدت خطواتها.

استقبلها مشهد لم يكن من المفترض أن تراه في بداية يوم عادي.

نقلت عينيها بين الواقفين أمام الشقة المجاورة لشقتها؛ رجال شرطة، ووجوه متوترة، وحركة غير مألوفة في ممر ضيق اعتادت أن يعمّه الهدوء.

تقدمت بخطوات متعثرة، مدفوعة بفضول امتزج بشعور غامض بالقلق.

تجاوزت الواقفين حتى وقفت عند عتبة الشقة، حيث كان ضابطان يحرسان المدخل.

ومن مكانها، التقطت عيناها بقعة دماء واسعة تمتد على أرضية الصالة.

كان الأثاث مبعثرًا، ورجال الشرطة ينتشرون في أرجاء المكان، يبحثون عن إجابة بين الفوضى والصمت.

رفعت إيلين نظرها، فاصطدمت بعينين باردتين تحدّقان فيها من داخل الشقة.

شعرت بشيء ينقبض في صدرها. تراجعت أنفاسها للحظة، ثم زفرت ببطء، بعدما تسللت إلى أنفها رائحة الدماء.

أبعدت نظرها عن تلك العينين اللتين شعرت بأنهما تلتهمانها، ثم بدأت تجرّ قدميها مبتعدة عن المكان.

عن الشقة.

عن البناية.

وعن الحي بأكمله.

لكنها لم تكن تعلم أن ما تركته خلفها لم يكن مجرد جريمة وقعت في شقة مجاورة...

بل قضية ستجد طريقها إليها، مهما حاولت الابتعاد عنها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بصمة في الذاكرة

المؤلف ikami281
2026/09/15 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة