الفصل الخامس

الفصل الخامس

1 0

بدأ يوم جديد، وفتحت معه صفحة جديدة من القضية، صفحة أخرى قد تقودهم خطوة نحو الحقيقة.

كان صوت خطواته الواثقة يسبق وصوله إلى المركز. لم يكن في مشيته ما يوحي بالتردد؛ خطوات ثابتة، منتظمة، كأن عقله سبق جسده إلى المكان، وكأن القضية لم تسمح له أصلًا بأن يأخذ قسطًا كافيًا من الراحة.

وقعت عيناه على جون، الذي كان مطأطئ الرأس فوق الطاولة أمام حاسوبه.

توقف خلفه، وألقى نظرة سريعة على الشاشة، ثم بقي للحظات يراقبه بصمت. لم يحتج إلى وقت طويل ليدرك أن الرجل أمامه قد استسلم للنوم.

نقر بأصبعيه على الطاولة ثلاث مرات.

كان ذلك كافيًا ليفزع جون من نومه.

التفت حوله بعينين مثقلتين بالنعاس، قبل أن تقع عيناه على أدريان، الذي لم تتزحزح نظراته عن الحاسوب منذ وقوفه خلفه.

حك جون عينه محاولًا إبعاد آثار النوم عنه، ثم قال:

"متى وصلت أيها المحقق كروس؟"

تجاهل أدريان سؤاله، وأشار إلى الحاسوب.

"أعتقد أنك لم تتوصل إلى أي شيء بما أنك لم تتصل بي."

تنهد جون بخيبة، ومرر أصابعه بين خصلات شعره حتى وصلت إلى رقبته، ثم اعتدل في جلسته.

"لقطات الكاميرا نظيفة."

رفع أدريان حاجبه.

"ماذا تقصد؟"

"كاميرات المراقبة أمام المدخل وفي موقف السيارات لم تلتقط أي شخص غريب تلك الليلة."

سكت جون للحظة، وكأنه يعيد ترتيب ما توصل إليه قبل أن يضيف:

"حتى أنني تفحصت اليوم الذي قبله والذي يليه، لكن لا فائدة."

أردف أدريان بجدية:

"هذا لا يعني أنه لا وجود للمجرم، قد يكون أحد القاطنين في العمارة."

هز جون رأسه بيأس. كان هذا الاحتمال نفسه قد ظل يطارده منذ بدأ مراجعة التسجيلات.

"هذا الذي اعتقدته أيضًا، لكن..."

نظر إليه أدريان منتظرًا تكملة الحديث.

قال جون:

"كاميرا الخاصة بجرس الباب لم تلتقط أي شخص يدخل شقتها تلك الليلة."

قطب أدريان حاجبه، مستوعبًا كلام مساعده.

تابع جون:

"لم يدخل أي شخص الشقة تلك الليلة."

بقي أدريان صامتًا لثوانٍ، وعيناه معلقتان به. لم يكن غياب شخص عن الكاميرا يعني بالضرورة غياب شخص عن المكان؛ الكاميرا كانت تراقب بابًا واحدًا فقط، والجريمة نفسها ما زالت تترك خلفها أسئلة أكثر مما تجيب عنه.

قبل أن يسترسل أي منهما، قاطع حديثهما المحقق المستجد وهو يقترب منهما، مؤديًا التحية العسكرية.

"سيدي، أعتقد أنه يجب أن تسمع هذا."

التفت إليه أدريان منتظرًا التالي.

قال المحقق بينما يفتح هاتفه على تسجيل صوتي:

"جمعت إفادات القاطنين في العمارة، كانت إجاباتهم متقاربة... الآنسة ناتالي كانت متسلطة ومتعجرفة وباردة مع الجميع، لم تكن من النوع الذي يحترم أي أحد، حتى الكبار."

قال جون:

"هذا يجعل حيز الاشتباه أوسع."

المحقق:

"لكن هناك من كانت إجابته..."

تنهد وهو يضع الهاتف أمام أدريان.

"أعتقد أنه يجب سماع ذلك بنفسك."

التقط أدريان الهاتف، وضغط على التسجيل.

صدح صوت المحقق من مكبر الصوت:

"هل يمكنك إخباري عن الآنسة ناتالي بما أنك أكثر شخص يلتقي بها؟"

خرج صوت رجل كبير في السن، بدا عليه شيء من الضيق، وقال:

"ماذا تريدني أن أخبرك؟ لا أعتقد أنه فاتك معلومة أنها كانت وقحة مع الجميع، لا ترد التحية ولا تهتم لقواعد العمارة، حتى أنها تركن سيارتها في أي مكان دون أن تبالي بأحد، كما أنها سليطة اللسان."

سكت للحظة قبل أن يكمل:

"سأستغرب إن كان لا يوجد من لا يريد موتها، حتى والدتها لم تسلم من لسانها. أتذكر يومها أنها تشاجرت مع والدتها قبل ذهابها للعمل."

تدخل صوت المحقق بسؤاله:

"هل شهدت الشجار بنفسك؟"

أجابه قائلًا:

"أكيد. وقتها تلقيت شكوى من أحد الساكنين بوجود من رمى القمامات بإهمال أمام المدخل... بينما كنت أنظف، خرجت ناتالي تمشي بسرعة تلحقها والدتها، حتى أنني أتذكر كيف دفعت والدتها بعيدًا عنها عندما أمسكت بيدها."

"هل تعرف ما كان سبب الشجار؟"

"كنت بعيدًا عنهما، لهذا لم ألتقط حديثهما."

قال المحقق وهو ينهي الاستجواب:

"شكرًا على وقتك سيدي."

"انتظر."

أتى صوت الرجل وهو يوقفه فجأة، كمن تذكر شيئًا في اللحظة الأخيرة.

"لا أعلم إن كان يستحق الذكر... صحيح أن ناتالي كانت تتشاجر مع الجميع، لكن هناك من كانت كثيرة الشجار معها."

توقفت أنفاس جون للحظة، بينما رفع أدريان عينيه عن الهاتف.

قال الرجل:

"القاطنة بالطابق الخامس، رغم أنني أشهد لها كم أنها لطيفة وهادئة مع الجميع، لكن لسبب ما كانتا تتناقران كل يوم تقريبًا."

ساد الصمت للحظات.

تلاقت نظرات أدريان مع جون.

لم تكن تلك الجملة دليلًا على شيء، لكنها كانت خيطًا جديدًا لا يمكن تجاهله. وفي قضية كهذه، كان كل خيط يستحق أن يُختبر قبل أن يُهمل.

تجاوز أدريان جون نحو المخرج، بينما التقط جون سترته على عجل ليلحق به.

وقف أدريان أمام سيارته، ثم التفت إلى جون وقال:

"أريدك أن تأخذ أقوال والدة ناتالي."

ركب سيارته، وقبل أن يغلق الباب، أطل من النافذة وهو يوجه أوامره:

"لا تنسَ تأكد من صحة كلامها."

أنهى كلامه وانطلق لوجهته.

...

دخل المستشفى بخطى ثابتة، يبحث عن ضالته بين الممرات الهادئة ورائحة المطهر التي ملأت المكان. كان صوت الأجهزة الطبية يأتي من بعيد، مختلطًا بخطوات متقطعة للمرضى والعاملين.

وبعد دقائق، وجدها تجلس بوهن على أحد المقاعد.

كانت مطأطئة الرأس، ويداها متشابكتان في حجرها، كأن جسدها لم يعد يملك طاقة لحمل الحزن الذي أثقله.

وقف أمامها، مما لفت انتباهها، فرفعت رأسها نحوه.

أخرج شارته وكشفها أمامها.

اتسعت عيناها للحظة، قبل أن يغلبهما الحزن من جديد.

نطق جون برسمية:

"أعلم أن هذا صعب عليك، لكن عليّ أخذ إفادتك سيدتي."

جلس بجانبها وأخرج هاتفه يسجل إفادتها.

"فيونا كين، صحيح؟"

أومأت برأسها، ليكمل:

"هل يمكن إخباري أين كنت ليلة وقوع الجريمة؟"

التفتت له فيونا، وبدا الانزعاج واضحًا رغم ضعف صوتها.

"لقد أدليت بإفادتي بالفعل، لماذا لا تكفون عن طرح نفس السؤال عني؟"

أردف جون بجدية:

"أخشى أنني مجبر على إعادة طرح السؤال عليك، فهذا مهم للتحقيق. فالإفادة الخطية تختلف عن الإفادة المباشرة، أتمنى أن تجيبي على سؤالي."

تنهدت بقلة حيلة.

"نقلت والدتي إلى مستشفى بعد أن سقطت مريضة."

"هل تتذكرين الوقت بالضبط؟"

ترددت للحظة، وكأنها تحاول استعادة تفاصيل تلك الليلة من بين الفوضى التي تركها الحزن في ذاكرتها.

"لا أتذكر، لكن أعتقد أنها قبل منتصف الليل بقليل."

أومأ جون برأسه قبل أن يواصل أسئلته.

"لقد وقع شجار بينك وبين ابنتك ذلك اليوم، هل يمكنك إخباري بما حدث؟"

تنهدت بحسرة، ومسحت وجهها بكلتا يديها.

بدا السؤال وكأنه فتح جرحًا لم يكن قد التئم أصلًا. ارتجفت شفتاها قليلًا، وامتلأت عيناها بالدموع بينما بدأت تروي له ما حدث.

قالت فيونا:

"سمعت يومها أنها انفصلت عن حبيبها، لم أتمالك نفسي ولمتها عن ذلك."

سكتت للحظة، وشعرت بغصة في حلقها.

"كنت رافضة علاقتها بحبيبها منذ البداية، لكن هذا لم يثنها من مواعدته. لهذا عندما سمعت بانفصالهما نهرتها... فكرة أنها ضيعت وقتها مع شخص مثله عوض التقاء بشخص يلائمها وزواج أغضبتني."

شهقت باكية وهي تحكي ما اقترفته وقتها بحق ابنتها.

"شعرت أنني قسوت عليها، فلحقتها لأشرح لها سبب غضبي، لكنها تصدت لي."

نظر جون إليها للحظات، ثم سأل:

"هل قمت بالاتصال بها من وقتها أو التقيت بها؟"

خفضت فيونا عينيها، وكأن السؤال أصابها في مكان أكثر ألمًا من سابقه.

"كان ذلك سيخفف وطأة الحزن علي."

كانت إجابتها كافية لتخبره أن تلك كانت آخر مواجهة لهما قبل أن تفارق ابنتها إلى الأبد.

لم يرد جون إطالة الحديث أكثر. أوقف التسجيل، ونهض بهدوء، تاركًا لها مساحة تنفرد فيها بنفسها وتفرغ ما يحمله قلبها من أحزان.

اتجه إلى غرفة المراقبة، عازمًا على فحص كاميرات المستشفى لعلها تكون شاهدًا على كلامها.

وقف باعتدال بعدما كان منحنيًا أمام الحاسوب، يراقب بدقة كل زاوية من زوايا المستشفى. انتقل بين التسجيلات واحدة تلو الأخرى، يطابق الوقت مع ما أخبرته به فيونا.

لم يكن يبحث عن شيء معقد.

كان يبحث فقط عن الحقيقة.

وبعد دقائق، استقام في مكانه.

كانت روايتها مدعومة بما يظهر أمامه.

أخرج هاتفه واتصل بأدريان.

لم يطل الانتظار، حتى جاءه صوته:

"تحدث، أنا أسمعك."

أردف جون بجدية، بينما عيناه لم تفارقا شاشة الحاسوب:

"فيونا كانت في المستشفى ولديها دليل قوي يشهد على ذلك، أما عن الشجار، كان مجرد شجار بين كل أم وابنتها."

"فهمت."

كانت الكلمة الوحيدة التي نطق بها قبل أن ينهي المكالمة.

أعاد الهاتف إلى جيب سترته، ثم رفع بصره نحو التي كانت تجلس أمامه بكل هدوء، تتابع المحادثة منذ بدايتها.

لم يتغير هدوء ملامحها.

أما أدريان، فمال برأسه قليلًا، وارتسمت ابتسامة خفيفة على ملامحه.

لم تكن ابتسامة رضا، ولا ابتسامة اكتشاف حل القضية.

لقد بدأت دائرة الاشتباه تضيق، وبات هناك شخص آخر يستحق أن تُطرح عليه الأسئلة.

وكانت الخطوة التالية واضحة أمامه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بصمة في الذاكرة

المؤلف ikami281
2026/09/15 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة