سار جون بخطى هادئة نحو أدريان، بينما كان يتفحص الملفات التي بيده.
وقف أمام مكتب أدريان، ووضع الأوراق أمامه، ثم قال:
جون: «هذه المعلومات التي توصلت إليها حاليًا.»
التقط أدريان الأوراق، وأخذ يتمعن في سطورها بعينين ثابتتين، بينما بدأ جون يعرض ما توصل إليه.
جون: «ديفيد مور، 28 سنة، فوتوغرافي حر... كان على علاقة بالآنسة كين لمدة سنتين حسب المعلومات التي جمعتها، انتهت علاقتهما قبل أيام من وقوع الجريمة.»
رفع أدريان نظره عن الأوراق، وقد بدا الاهتمام واضحًا في عينيه.
أدريان: «انفصلا، ماذا كان السبب؟»
جون: «لم أجد إجابة محددة للأسف.»
أدريان: «ألم يتواصلا بعد ذلك؟»
قدم جون الورقة التي بيده، وقال:
جون: «هذه المعلومات التي أرسلت لي تخص الاتصالات التي وردت لناتالي.»
تفحص أدريان الورقة، ليكمل جون:
جون: «تظهر الوثيقة بوضوح أن السيد مور كان على اتصال مستمر بناتالي حتى بعد انفصالهما، لكن كانت كلها مكالمات مرفوضة.»
أردف أدريان، بينما التقطت عيناه شيئًا في التقرير:
أدريان: «آخر مكالمة كانت قبل يوم الجريمة بيوم.»
أومأ جون مؤكدًا كلامه.
ألقى أدريان الأوراق أمامه، وقال:
أدريان: «قم باستدعائه.»
جون: «لقد قمت بذلك بالفعل، سيكون هنا في أي لحظة.»
تنهد أدريان، ثم جلسّ بارتياح على مقعده. أدار كرسيه ليصبح مواجهًا للوحة التحقيق، وظل للحظات يحدق في الأسماء والصور والخيوط المعلقة أمامه.
أخذ ينقر بأصبعه على سطح مكتبه، بينما كانت أفكاره تغوص في تفاصيل الجريمة.
هل يمكن أن يكون ديفيد هو القاتل؟ أم أن هناك شخصًا آخر وراء كل هذا؟
لا تزال الشبهات تحيط بإيلين، لكن لا دليل يثبت جرمها.
هناك شيء ناقص.
لا سلاح للجريمة.
لا بصمات.
لا أثر يوصلهم إلى المجرم.
وكان ذلك أكثر ما يزعجه.
---
في غرفة الاستجواب
كان ديفيد يجلس بهدوء، يتفحص كل شبر من الغرفة بعينين متوترتين، بينما يشبك يديه تحت الطاولة.
كانت الغرفة باردة، تبعث الوحشة في النفوس، والجدران الخالية من أي تفاصيل تقريبًا تزيد شعوره بعدم الارتياح.
فتح الباب، معلنًا عن وصول جون محملًا بحاسوبه.
جلس أمام ديفيد، وفتح حاسوبه، بينما يقول:
جون: «حسنًا سيد مور، أنت هنا لتجيب على بعض من أسئلتنا، أتمنى أن تكون صريحًا معنا.»
انحنى ديفيد قليلًا إلى الأمام، وقد انعقد حاجباه في حيرة.
ديفيد: «عفوًا، هل يمكنني أن أسأل عن سبب استدعائي؟»
تأمل جون توتره للحظات، ثم قال بهدوء رسمي:
جون: «لا تقلق، إنه مجرد استجواب روتيني، تم استدعاؤك بما أنك كنت على علاقة بالضحية.»
عقد ديفيد حاجبيه باستنكار.
ديفيد: «ضحية؟»
ظل جون صامتًا، يتمعن في تعابير الجالس أمامه. ثم نقل نظره إلى الزجاج الذي يفصل بين غرفة الاستجواب وغرفة المراقبة.
كان أدريان يجلس خلف الزجاج، يتابع التحقيق بصمت، ملتقطًا كل كلمة وكل حركة تصدر عن ديفيد.
رفع أدريان حاجبه قليلًا، وتمتم:
أدريان: «لا يعلم بما حدث أم أنه...»
قطع جون أفكاره حين قال برسمية:
جون: «ناتالي كين، حبيبتك السابقة... تم إيجادها مقتولة في شقتها.»
وقف ديفيد بغتة، وكأن الكلمات احتاجت لحظات حتى تستوعبها أذناه.
ديفيد: «هذا مستحيل... قبل أيام كانت بخير.»
جون: «فلتَهْدأ سيد مور، نحن بحاجة لسماع أقوالك، أريدك أن تجلس وتجيب عن أسئلتي.»
جلس ديفيد من جديد، لكن علامات الصدمة ظلت مرسومة على وجهه. كانت عيناه شاردتين للحظات، وكأن عقله يحاول استيعاب حقيقة أن المرأة التي كان يتحدث عنها قبل أيام أصبحت الآن جثة.
نقر جون على لوحة المفاتيح، بينما يقول:
جون: «سيد ديفيد مور، 28 سنة، فوتوغرافي حر، هل هذا صحيح؟»
أومأ ديفيد مؤكدًا كلامه.
جون: «لقد انفصلت عن الضحية.»
أومأ للمرة الثانية.
جون: «هل يمكنك إخباري السبب وراء ذلك؟»
مرر ديفيد يديه بين خصلات شعره ذهابًا وإيابًا، بينما كان مطأطئ الرأس. بدا عليه التردد، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة.
تنهد بقوة قبل أن يرفع رأسه، وهو يقول:
ديفيد: «لقد تم الانفصال من طرفها، كان مجرد انفصال عادي بعد أن تخلل علاقتنا بعض البرود.»
جون: «هل تواصلت بها بعدها؟»
أومأ ديفيد نافيًا.
توقفت أصابع جون فوق لوحة المفاتيح للحظة.
ليكمل ديفيد بعد لحظة من الصمت:
ديفيد: «اتصلت بها عدة مرات بعدها، لكن لم تكن تجيب.»
أومأ جون بينما يسجل إفادته، دون أن يرفع عينيه عن الشاشة.
جون: «السيدة كين لم تكن راضية على علاقتك بابنتها، هل لك علم بذلك؟»
أومأ ديفيد، بينما يقول:
ديفيد: «من كان سيقبل بفوتوغرافي حر لابنته؟»
قالها ديفيد ساخرًا، لكن سخريته لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما خفتت نبرته ليكمل بجدية يتخللها بعض الحزن:
ديفيد: «كنا من عوالم مختلفة، فكما تعلم أنها تعمل في شركة معروفة وتملك من المال ما لا أملكه.»
أومأ جون برسمية، بينما يتابع استجوابه:
جون: «هل يمكنك إخباري أين كنت قبل أربعة أيام؟»
تنقلت عينا ديفيد في الغرفة، وكأنه يسترجع تفاصيل ذلك اليوم في ذهنه بحثًا عن إجابة.
ديفيد: «كان لدي عمل ككل مرة حتى المساء، بعدها اجتمعت بأصدقائي وتناولنا الطعام.»
جون: «متى افترقتم؟»
ديفيد: «أعتقد أنه كان بعد منتصف الليل.»
جون: «بعدها؟»
ديفيد: «اتجهت إلى المنزل.»
جون: «هل كان هناك من رافقك؟»
هز رأسه نافيًا.
سجل جون آخر ما توصل إليه، ثم رفع عينيه عن الحاسوب ليتأمل ديفيد للحظات.
أما خلف الزجاج، فظل أدريان يراقبه بصمت. لم يكن يبحث عن إجابة مباشرة بقدر ما كان يبحث عن شيء صغير؛ ارتباك، تناقض، نظرة زائغة... أي ثغرة قد تقوده إلى الحقيقة.
انتهى التحقيق، ليخرج ديفيد بخطى ثقيلة مغادرًا المكان.
وقف أدريان يراقبه وهو يغادر، ثم وقف جون بجانبه وعيناه معلقتان بديفيد حتى اختفى عن أنظارهما.
جون: «هل تعتقد أنه يقول الحقيقة؟»
أدريان: «سواء كان يقول الحقيقة أم لا، سنعرف ذلك قريبًا.»
قالها وهو يتجه إلى مكتبه، ليتبعه جون، متمنيًا أن تحل هذه القضية قريبًا.
---
مر يومان على استجواب ديفيد، ولا جديد في التحقيق.
قام جون خلال اليومين بالتحقق من جهة ديفيد، فتتبع تحركاته وحاول التأكد من أقواله.
لم يجد إلا كاميرا المطعم التي سجلت مغادرته في منتصف الليل، لكن لم يتم إيجاد أي دليل يثبت أنه عاد إلى منزله تلك الليلة.
وهذا لم يبعده عن دائرة الاشتباه.
كان أدريان يقلب بعض الأوراق على مكتبه عندما اخترق صوت جون أجواء المكان.
جون: «المحقق كروس... أيها المحقق كروس!»
صرخ بها جون بينما يركض نحو مكتب أدريان.
عقد أدريان حاجبيه بانزعاج، وقال:
أدريان: «كف عن الصراخ.»
توقف أدريان عن الكلام، بينما كان يتأمل وجه جون.
مد يده نحوه بالملف.
التقط أدريان الملف، وأخذ ينتقل بين سطوره بسرعة، إلى أن توقفت عيناه عند نتائج التقرير.
توجد آثار ضغط حول الرقبة تتوافق مع الخنق باليد.
توجد إصابات سطحية في الرقبة، مثل كدمات وآثار ضغط، لكنها ليست قاتلة.
لا توجد علامات تدل على أن الخنق استمر حتى الاختناق والموت.
تقدير زمن الخنق يشير إلى أنه حدث قبل الوفاة بعدة ساعات.
الوفاة نفسها حدثت لاحقًا بسبب الطعنة في البطن والنزيف الناتج عنها.
لذلك يستنتج الطبيب الشرعي أن ناتالي تعرضت للخنق في حادثة منفصلة عن الاعتداء الذي أدى إلى موتها.
ظل أدريان صامتًا للحظات، يعيد قراءة السطور وكأنه يحاول ترتيبها داخل ذهنه.
أما جون، فنطق بينما يلتقط أنفاسه:
جون: «هل هذا يعني أنها تعرضت لاعتداء قبل أن تقتل بساعات؟»
رفع أدريان نظره عن الأوراق.
تغيرت ملامح وجهه قليلًا، بينما بدأ استنتاج واحد يتشكل في ذهنه.
أيًّا كان المعتدي عليها...
سيوصلنا إلى الحقيقة.
ikami281