أول خيوط

أول خيوط

8 0

مشى أدريان بخطوات متزنة، متجاوزًا الجميع إلى أن وصل إلى عتبة الباب. كان ضجيج الحركة داخل الشقة يتناقض مع الصمت الثقيل الذي خيّم على الممر، بينما انتشرت رائحة الدم في المكان رغم محاولات التهوية.

رفع الضابطان يديهما كتحية عسكرية، ليومئ لهما ببرود كردٍّ لهما.

تقدّم منه مساعده ما إن لمحه من بعيد.

 «لقد وصلت، أيها المحقق كروس.»

مدّ يده بقفازات وأغطية الأحذية الواقية. تناولها أدريان وارتداها قبل أن يتوغل في المكان، متفاديًا آثار الدماء والأدلة المنتشرة حوله.

قال بجدية، بينما يتفحص المكان بعينيه:

 «إذا ما القضية؟»

نطق المساعد جون وهو يتلو عليه الحقائق التي تكشّفت أمامهم:

 «شابة في العمر 26 سنة، تعيش مع والدتها وأخيها... طُعنت ثلاث طعنات، ووجدنا عليها علامة الضغط على رقبتها.»

وقفا أمام الرسم الذي حدّد موضع الجثة على الأرض. كانت البقعة الداكنة قد جفّت عند أطرافها، بينما بقيت في وسطها آثار رطبة، انعكست عليها أضواء المصابيح البيضاء التي نصبها رجال الأدلة الجنائية.

جلس أدريان قرفصاء، مثبتًا نظره على بقعة الدماء التي تركتها الضحية خلفها. لم يكتفِ بالنظر إليها، بل راح يتتبع امتدادها، متأملًا المسافات بين القطرات واختلاف أحجامها.

 «من وجدها؟»

أجابه جون بينما ينظر خلفه:

 «أخوها... وجدها خامدة ما إن دخل إلى المنزل بعد عودته من العمل على الساعة الثالثة صباحًا.»

نقل أدريان نظره إلى حيث استقرت عينا مساعده، ثم تقدّم بخطوات ثابتة نحو الشاب.

كان الأخ جالسًا على أحد المقاعد القريبة من الجدار، مطأطئ الرأس، ويداه متشابكتان فوق ركبتيه. بدا كأنه يحاول التمسك بشيء يمنعه من الانهيار؛ إلا أن ارتجاف أصابعه وشرود عينيه كانا يفضحان عجزه عن استيعاب ما حدث.

رفع الشاب نظره عندما اقترب منه أدريان، فبدت عيناه محمرتين، ووجهه شاحبًا كأن النوم والدموع قد غادراه منذ اللحظة التي أضاء فيها المصباح.

أخرج أدريان شارته ورفعها أمام الشاب.

 «أخبرني بما حدث؟»

تنهد الشاب، بينما مرّر أصابعه بين خصلات شعره البنية. كان يحاول ترتيب كلماته، لكن المشهد الذي علق في ذاكرته ظل يتقدم على كل محاولة للكلام؛ الظلام، ثم ذلك الشيء الملقى على الأرض، وبعدها وجه أخته الغارق في الدماء.

 «كنت عائدًا من العمل في المطعم، دخلت المنزل فكان مظلمًا ككل مرة أدخل فيه في هذا الوقت عندما...»

سكت للحظة، بينما تسارعت وتيرة تنفسه. ابتلع ريقه بصعوبة، ثم رفع عينيه نحو أدريان قبل أن يكمل بكلمات متعثرة:

 «عندما لمحت شيء في الظلام لم أستبين ما هو حتى... حتى أنرت الأضواء و... ووجدتها غارقة في الدماء.»

قال آخر كلماته، وقد غرقت عيناه بالدموع وتغيّر صوته. حاول أن يشيح بوجهه، لكنه لم يستطع منع الصورة من العودة إلى ذهنه؛ أخته التي لم تجبه، والدماء التي امتدت تحت جسدها، والبرودة التي تسللت إلى أطرافه حين أدرك أنها لم تعد تسمعه.

لم يرحم حاله، وسأله بجدية:

 «ألم تلاحظ أم تلمح أي شخص غريب؟»

هزّ الشاب رأسه نافيًا، ثم مسح سريعًا على وجهه بظهر يده.

 «سيتم استدعاؤك إلى المركز لكتابة إفادتك.»

قالها أدريان قبل أن يلتفت إلى جون ويقول:

 «تحقق من حجة غيابه.»

 «حسنًا.»

عاد أدريان بنظره إلى أرضية الشقة، فلفت انتباهه مسار القطرات التي امتدت من المطبخ نحو مدخل الشقة، وصولًا إلى المكان الذي وُجدت فيه الجثة.

تقدم قليلًا، متتبعًا القطرات بعينيه. بعضها كان متفرقًا، وبعضها الآخر بدا أكثر كثافة، وكأن الضحية كانت تفقد قوتها تدريجيًا وهي تحاول الوصول إلى الباب.

توقفت عيناه عند آخر امتداد للمسار، ثم ضيّق نظره قليلًا. لم تكن تلك الآثار مجرد دماء متناثرة؛ لقد كانت دليلًا على أن الضحية تحركت، وحاولت الوصول إلى مكان ما قبل أن تسقط.

تمتم بصوت خافت، وقد استقر في ذهنه احتمال جديد:

 «لقد أحدثت بعض الجلبة قبل أن تموت.»

رفع نظره نحو المدخل، لتقع عيناه على تلك الواقفة عند عتبة الباب، شاردة في بقعة الدماء.

كانت إيلين تقف دون أن تتقدم إلى الداخل. شحب وجهها قليلًا، وبقيت عيناها معلقتين بالأرض، كأنها تحاول فهم ما تراه أو استيعاب حقيقة أن الشقة المجاورة لم تعد كما كانت.

ظل أدريان يتأملها لفترة من الوقت، حتى التقت عيناها بعينيه الباردتين.

أبعدت نظرها عنه وغادرت المكان، بينما ظل أدريان واقفًا في موضعه، واضعًا يده في جيبه، محدثًا نفسه:

هناك من تأثر بالمشهد.

توقف لحظة وهو يتابع ابتعادها بعينيه.

لم تكن مصدومة.

لم يكن متأكدًا من ذلك تمامًا؛ فملامح البشر كثيرًا ما تخفي أكثر مما تكشف. لكن رجفة شفتيها، والطريقة التي تهرب بها نظرها، لفتتا انتباهه.

أخرجه جون من تحليلاته، وهو يقول:

 «لقد تم رفع البصمات من الباب، المطبخ... كما تم فحص الحمام، لكن...»

نطق أدريان مستفسرًا:

 «لكن ماذا؟»

 «لم نجد سلاح الجريمة.»

 «هذا متوقع.»

كان هذا ما نطق به بينما يخرج من الشقة، بعد أن خلع القفازات ووضعها في الكيس المخصص للنفايات الملوثة.

تبعه جون وهو يكمل تقريره:

 «لقد اختفى أحد السكاكين من المطبخ.»

التفت إليه أدريان بنظرة حازمة.

 «لا تقفز لاستنتاجاتك.»

«آسف.»

قاطعهما صوت امرأة وهي تجري في الممر، متجهة نحو الشقة. كانت تلهث، وشعرها مبعثرًا، وملامحها مشدودة بالخوف.

توقفا ينظران إليها.

قال جون:

 «أعتقد أنها والدتها.»

لم يتلقَّ إجابة من أدريان، بل ظل واقفًا يتفحص المرأة التي منعها رجال الشرطة من الدخول إلى مسرح الجريمة. كانت تحاول التقدم، لكن أحد الضباط وقف في طريقها، بينما راحت تحدق في باب الشقة بعينين غارقتين في الذعر.

قال أدريان:

 «اجمع لي إفادات الجيران وتفحص كاميرات المراقبة... متى سيتم تشريح الجثة؟»

 «غدًا... هل ستذهب؟»

رفع أدريان عينيه إليه.

 «أكان هذا سؤالًا؟»

أدرك جون خطأه، فحاول تدارك الموقف بقوله:

 «سأقوم بأخذ أقوال زملائها في العمل.»

 «هذا واضح.»

رمقه جون بنظرة منزعجة، بينما تبعه تاركين خلفهما قلبًا يتألم من فراق فلذة كبده، وعقلًا يتتبع مسار المجرم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بصمة في الذاكرة

المؤلف ikami281
2026/09/15 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة