وقفت تتأمل تلك الرسمة الطفولية التي رُسمت أمامها، وابتسامة فخورة ارتسمت على محياها.
كانت رسمة غير مفهومة، مجرد خطوط عشوائية متداخلة، لكنها مليئة بالألوان الزاهية التي جعلت اللوحة تبدو وكأنها تنبض بالحياة. ظلت عينا إيلين تتنقلان بين تفاصيلها الصغيرة، وكأنها تحاول أن تحفظ كل خط فيها، قبل أن ترفع رأسها وتتأمل الأطفال الذين اعتادت أن تناديهم أطفالها.
كان وجودها بينهم يبعث في نفسها راحة وطمأنينة غريبة؛ وكأن الحياة مجرد عالم وردي خالٍ من المشاكل والهموم، عالم لا مكان فيه إلا للضحكات والألوان.
شعرت بحركة عند الباب، فالتفت نظرها نحوه. كانت زميلتها تقف على عتبته، تنظر إليها للحظة، قبل أن تُبعد نظرها نحو الممر.
حوّلت إيلين نظرها إلى النقطة التي جذبت انتباه زميلتها.
وجدته يقف بأريحية في الممر، ينظر إليها من خلال نافذة الصف.
وجهه خالٍ من أي تعابير، لكن نظراته كانت باردة، ثابتة، وكأن وجوده هناك لم يكن مصادفة.
توقفت ابتسامتها تدريجيًا.
لم تتوقع أن ينتهي الحلم الجميل بهذه السرعة، ليتحول إلى كابوس يطاردها أينما ذهبت.
اتجهت نحو الباب، لتقف للحظة أمام زميلتها.
إيلين: «هل يمكنك الاعتناء بهم ريثما أعود؟»
أمسكت زميلتها بذراعها وهي تقول، وقد تملكها القلق:
«هل كل شيء على ما يرام؟ لماذا الشرطة هنا؟»
ابتسمت لها إيلين، لعل ذلك يخفف من قلقها.
«لا يوجد ما يدعو للقلق... سأعود قريبًا.»
تجاوزتها إيلين لتقف أمام أدريان، الذي تابع الحديث منذ البداية.
أدريان: «المحقق كروس، تتذكرين؟ لم تمر فترة طويلة منذ آخر لقاء كان بيننا.»
أردفت إيلين بهدوء:
«هذا ما أريد أن أكتشفه، لماذا تريد مقابلتي بهذه السرعة ولم يمر على لقائنا الكثير؟»
نظر خلفها، حيث تقف زميلة إيلين وقلق يرتسم على وجهها، قبل أن يعود بنظره نحو إيلين.
أدريان: «هل لنا بالحديث في مكان أكثر خصوصية؟»
فهمت مقصده، خاصة عندما لاحظت نظراته تتجه خلفها.
تجاوزته نحو الحديقة، بعيدًا عن آذان متنصتة وعيون مراقبة.
جلست على أحد المقاعد، وجلس هو الآخر على المقعد الذي بجانبها ليكون مقابلًا لها.
أدريان: «لماذا لا نواصل حديثنا الذي لم ننتهِ منه المرة السابقة، آنسة هايز؟»
إيلين: «ما الذي تريد معرفته أيها المحقق كروس؟»
أدريان: «لماذا لا نتحدث عن علاقتك بالآنسة ناتالي؟»
أبعدت عينيها عنه للحظة، وتنهدت بشيء من الانزعاج، قبل أن تعود للنظر إليه وهي تقول:
«لم أكن لأسميها علاقة... كانت أشبه بعداء مستمر.»
كانت الإشارة إلى علاقتها بالعداء ذات وقع كبير في التحقيق.
وكانت إيلين مدركة لذلك.
أما أدريان، فراقبها بصمت للحظات. لم يتوقع منها أن تختار كلمة بهذه الصراحة، خصوصًا وهي تعرف تمامًا إلى أين يمكن أن يقود اعتراف كهذا.
أدريان: «هل تعترفين أن علاقتكما متوترة؟»
إيلين: «أنا متأكدة أنك على علم بهذا، ألم يكن هذا سبب مجيئك إليّ؟»
كانت على وجهها شبه ابتسامة.
لم يعرف ماذا يسمي ذلك.
ثقة؟ شجاعة؟ أم تهور؟
ظل يراقبها للحظات، محاولًا قراءة ما خلف ذلك الهدوء الذي لم يكن يمنحه إجابة واضحة.
أدريان: «أفهم من كلامك أنه لا مانع لك من الحديث عن... عداءكما كما سميته.»
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تسترسل.
إيلين: «متى بدأ هذا... أعتقد منذ انتقالي إلى هذا الحي. في البداية كانت مجرد نظرات متعالية وإلقاء كلام مسيء إلى أن أتى اليوم الذي بدأت تتمادى في إساءتها لي.»
أدريان: «هل تقصدين أنها من بدأت الإساءة لك، هل يمكنك إخباري السبب؟»
إيلين: «ليتني أعرف السبب خلف كل تصرفاتها نحوي... لا أعلم إن كان لإفراغ غضبها أو نوع من الغيرة، أم أنها أرادت الاستقواء على من هم أضعف منها.»
توقفت عينا أدريان عندها.
وصف نفسها بالضعف كان أكثر غرابة مما سمعه حتى الآن.
لم يبدُ عليه أنه أعطى الكلمة أكثر من حجمها، لكنه احتفظ بها في ذهنه.
ثم خطر له سؤال آخر جعله ينسى كلامها للحظة.
أدريان: «لقد قلتِ إنك لم تسمعي أي شيء ليلة وقوع الجريمة.»
إيلين: «أجل، هذا ما قلته.»
ضاقت عيناه وقد داهمته الشكوك.
كيف لا تسمع أي شيء من صراخ، أو حتى ضجة خفيفة؟
خصوصًا إذا صحّ استنتاجه بخصوص وقوع شجار بين ناتالي والقاتل.
راقب وجهها وهو ينتظر أي تغير في ملامحها، لكنه لم يجد ما يريده.
كانت تنظر إليه بثبات، وكأن السؤال لم يحمل لها أي مفاجأة.
قاطع أفكاره صوت هاتفه معلنًا عن تلقي اتصال.
أدخل يده في جيب سترته وسحب هاتفه.
أجاب عن المكالمة.
أدريان: «تحدث، أنا أسمعك.»
أتاه صوت جون يتلو عليه آخر ما توصل إليه.
«فهمت.»
قالها دون أن يبعد عينيه عن إيلين، التي تابعت المكالمة منذ بدايتها.
لم يغب عنه شيء في طريقة نظرها إليه أثناء الحديث، لكن ذلك لم يمنحه تفسيرًا واضحًا.
أنهى المكالمة وأعاد هاتفه إلى مكانه السابق.
نطق أدريان بجدية لا تقبل المزاح:
«آنسة هايز، تعلمين أن كلامك لا يخدم مصلحتك.»
سكت للحظة، يعاين تعابيرها التي لا تُفسر.
ضمت يديها إلى حجرها، بينما تتابع حديث أدريان.
كانت مدركة لخطورة موقفها، لكن ما بيدها حيلة.
أدريان: «لا يوجد ما يدعم حجة غيابك، إضافة أن علاقتك بالضحية سيئة. دعيني أخبرك بظنوني.»
ساد الصمت بينهما، جعل إيلين تبلع ريقها بتوجس، تنتظر إكمال حديثه.
انحنى للأمام ليتكئ بكوعه على ركبتيه، يشبك أصابعه مع بعضها.
تابعت كل حركة منه، وهي عالمة أن القادم أكبر.
أدريان: «إما أنك لم تكوني متواجدة في شقة تلك الليلة، وهذا يعني أن حجة غيابك خاطئة من البداية، أم أنك كنت متواجدة في شقة الضحية... أعتقد أنك تعرفين ما أعنيه بكلامي.»
ارتسمت نصف ابتسامة على وجهه، تظهر مدى ثقته بقدراته.
كان يقصد أن يضعها أمام احتمالين، وأن يراقب ما ستفعله حين تشعر أن الدائرة تضيق حولها.
أدريان: «لا تقلقي، سواء كنت أنت وراء موت ناتالي أو أحد غيرك ف...»
سكت فجأة، يقطب حاجبيه بينما يتابع تحركات عينيها.
للحظة، بدا له أن هناك شيئًا لا يتطابق مع الصورة التي رسمها عنها.
ليس الخوف.
ولا الارتباك.
بل الطريقة التي كانت تتابع بها وجهه.
رفع يده أمام فمه مكمّلًا حديثه:
أدريان: «سأتأكد من أن أعثر على الدليل وأزج به إلى السجن.»
رفعت حاجبها بحيرة وعجز، بينما تنظر إلى عينيه.
اتسعت عيناه في إدراك مفاجئ.
نهض فجأة، متقدمًا منها تحت نظراتها المرتبكة.
اقترب منها، ثم انحنى ناحيتها حتى أصبح قريبًا من أذنها، وهمس ببطء:
أدريان: «لقد فهمت سبب وصف نفسك بالضعف.»
ابتعد عنها قليلًا، ليكون وجهه مقابل وجهها.
كان الضياع جليًا على ملامحها.
لكن هذه المرة لم يمر عليه كغيره من ردود أفعالها.
راقب عينيها، ثم نظر إلى شفتيها اللتان ترتجفان، قبل أن يعود بنظره إلى عينيها.
لم يكن متأكدًا في البداية.
لكنه تذكر شيئًا صغيرًا.
كل مرة كان يتحدث فيها، كانت عيناها تستقران على وجهه.
حين ابتعد بنظره عنها أثناء المكالمة، بقيت تتابع حركته بدل أن تستمع إلى ما يقوله.
وحين اقترب منها الآن، لم تكن المسافة هي ما أربكها.
كان شيء آخر.
اختبر شكه في اللحظة الأخيرة.
رفع إصبعه مشيرًا إلى شفتيه، وقال بتأنٍ، متعمدًا أن يجعل كلماته واضحة:
أدريان: «أنت صماء، آنسة هايز.»
توسعت عيناها بينما تقرأ شفتيه.
رفعت عينيها نحو عينيه عندما كشف الستار عن سرها.
وللمرة الأولى، لم يجد أدريان في عينيها ذلك الهدوء الذي اعتاد رؤيته.
بل وجد حقيقة أخرى لم تكن في بال أي أحد.
ikami281