صَباحُ اليوم التالي لَم يَكُن أفضلَ من ليلة الأمس،
حفلةُ جين الموقرة التي انتهت بإحتمالية تعرض الأميرة ليلي للسم القاتل، كنتُ أتمنّىٰ أن لا يكون هذا صحيحًا، لكنّ فحص الأمس الذي اجروه على جسدها كشف لنا ذلك.
إلا أن نوعية السم غريبة.. لا أفهم من أين جاءوا بها حقًا، ولكن مع فحص اليوم سيتضح لنا نوعه بدقة.
:"سيدتي الفاضلة، مولانا ومولاتنا مع الطبيب في المقصورة"
اومِئتُ لوصيفة الأميرة ثم ذهبتُ خلفها
حيثُ الجَميعُ كانوا هناك، كانَ يجبُ أن أذهب لأطمئن بنفسي علىٰ صحتها، لسببٍ ما لا أريد تركها بمفردها حتى مع وجود والديها.
𓏵
:"صباح الخير."
القيتُ تحيّة الصباح ثم رفعت ذراعيّ إحترامًا
ولكن الجناح كان متوترًا، لم تعجبني الأجواء هنا بتاتًا..
تقدّمت منهم ثم نظرتُ للطبيب تارة، ولجلالته جلالتها تارة أخرى، كان الأمير يوتاي موجودًا كذلك ولكن التعابير لا تُبشر بخير.
:"المعذرة، كيفَ كان الفحص؟ هل هناك علاجٌ معين لعلاج السم قبل إنتشاره؟"
لم يُجبني أحد، الطبيب قد وضع أغراضه في الحقيبة الطبية، والأميرة كانت نائمة على ذلك السرير بوجهٍ اصفر واهن ضعيف.
:"حضرة الطبيب؟"
:"لا علاج يا آنسة.. للأسف"
رمشت مصدومة، مستغربة، لا علاج؟ علاجاتٌ كثيرة تقوم بإزالة التأثير السّمي للسموم البطيئة مثل هذه، كيفَ لا يوجد!!
:"إن كنتَ تريد التقصير في أداء واجبك، فهذا ليسَ ذنب الأميرة حضرة الطبيب"
:"سيدتي، المسألةُ ليسَت مسألة تقصير، الأمر فقط أن الأميرة... "
:"الأميرة ماذا!؟ لم تنبس ببنت شفه منذ نصف ساعة!"
هتفَ جلالتهُ بحنقٍ عادمًا المسافة بينهُ وبينَ الطبيبِ الذي ابتلع ريقه بصعوبة قائِلًا.
:"سعادة الأميرة.. مصابةٌ بمسٍ شيطاني يا مولاي، السّم سمٌ شيطاني."
شهقةٌ إنطلَقتْ مِن بَينِ شفتيّ، لم أنتظر أكثر
تقدّمت من سرير الأميرةِ ثم تحسست جبينها بأطراف أصابع يدي وَقد كانت ساخنة جدًا، تلتقط انفاسها بصعوبة.
:"جلالتك، المس الشيطاني حسب معرفتي لا يُعالَجُ إلّا بطريقةٍ واحدة."
قلت امسح علىٰ شعرِ الأميرةِ بِهدوء
ليستطرد الإمبراطور.
:"وهي؟ ماهي؟!"
:"الذهاب إلى الصحراء ومقابلة ساحرةٍ هناك تلقبُ بسيدة الصحراء، متأكدة أن لديها حلًّا."
:"ساحرة؟ أيتها الفاضلة أتسمع اذناكِ ما يخرج من فمكِ؟ ظننتُ انكِ أعقلُ من أن تصدّقي وتؤمني بوجود السحرة!" قالَ الطَبيبُ ساخرًا مني، فنظرت له لبرهة قبلَ أن انهضَ وأوجه حديثي نحو الأمبراطور.
:" في غضون ثلاثة أشهر تقريبًا، إن لم نعطها علاجًا تلتزم به، أؤكد لكم أن الأميرة ستلفظ آخر انفاسها، القرار لجلالتكم."
سادَ الصمتُ ارجاء المكان، دقيقة، إثنتان، ثلاثة، خمس دقائق، ولم أجد إجابةً سوىٰ :"ستتلقىٰ العلاج، لكن ليسَ بالخرافات يا حضرة المستشارة، سأحرص علىٰ إحضار أفضل أطباء الإمبراطورية وسيعالجونها بكل تأكيد!"
لا جدوىٰ، حتىٰ مع انتشار السحرة وعيشهم بينَ البشر، هناك من لا يُصدّق حتىٰ بوجودهم، هذا سيء…حالة الأميرة بحاجةٍ لعلاج وبالتأكيد ليسَ اي علاج، ستكون بحاجة لجرعةٍ من جرعِ تلك المرأة وطقوسًا خاصة لإستخراج روح الشيطان من داخلها.
من المجنون الذي قد يضع سمًا يحمل سحر الشياطين في صحن طفلة!؟ هذه وحشية..
:"مولاي، انا أتفَهّم حقًا قلقك وعدم تصديقك، لكنها الحقيقة، أتمنىٰ لو تعيرني ثقتك لو سمحت!"
:"أعيركِ ثقتي لأنكِ أستاذة جيدة لأبنتي ولأنكِ مستشارة ذكية للأمير يوتاي ولأنّكِ إبنة السيّد تاو زانغ، لكن ليسَ ولأنّكِ تتحدثين بأمور الشعوذة أيتها الفاضلة!"
:"جلالتك، أنا أتحدث حاملةً بينَ كلماتي مفتاح علاج الأميرة، رجاءً يا مولاي الأمر يخص صحتها، في هذه اللحظات يجب أن يؤمن المرء بما لا يؤمنَ به ليجدَ الحل، لا يجب أن نبقىٰ بهذه المحدود—"
:"أيتها المستشارة الفاضلة، يجب أن تتأدبي في حديثكِ مع الإمبراطور." تدخّلَ بين حوارنا الأمير يوتاي، وقد لاحظت بالفعل أنني اتحدّث كما لو أن من هنا من أفراد عشيرتي، تصرفي يزيد الأمر سوءً.
عدت للخلف بضعة خطوات ثم ركعت ورفعت ذراعاي بِإحترام.
:"خالص اعتذاراتي، تجاوزت حدودي، اغفر لي مولاي"
لم ينبس الإمبراطور ببنت شفه، بل لحظته يتقدم الى سرير ابنته حيث تقبع نائمة مع امها التي تحتضنها باكية، انتبهت إلىٰ ان الإمبراطورة كانت نائمة معها، وهي حامل…
هذا سيء، قد نخسر ثلاثة من الأفراد الإمبراطورية، بهذا سيفتح الباب لأخوة الإمبراطور الأمراء الموقرين، شيئًا فَشيئًا سترغب كل أم ان تصبح الإمبراطورة الأم للدولة، قد يشكّل هذا صراعًا وقد يتم سحب احدهم ليقف إلى جانب التمرّدات والحروب الأهلية و—
هاه!!!!؟
كلا! يجب أن يتم معالجة الأميرة وحماية الإمبراطورة الأم.
.
.
.
:"أتفهم قلقكِ علىٰ الأميرة، ومن الجيد أن الإمبراطور يتفهم ذلك، كان رأسكِ سيفصل عن جسدكِ." قال الأمير يوتاي موبخًا إياي، تنهدّتُ مطأطأةً رَأسي، ليكمل. :"من الجيدِ أنّكِ لستِ عبدة عادية، أشكري نسلكِ أيتها الفاضلة."
انه محق..
:"اسفة، انا فقط أردت فعل اي شيء للمساعدة، انا واثقة تمام الثقة أنّ الأميرة بحاجة للسيدة التي في الصحراء، المس الشيطاني ليس شيئًا نعبث به هنا وهناك بالأدوية العادية! كما أن الإمبراطورة تحتضن الأميرة منذ الأمس، سنخسر الأمير والأميرة والامبراطورة!! أتفهمني يا سموك؟ سنقع في حربٍ سببها تقاتل الامراء علىٰ عرش اخيهم!!"
كاد صوتي ينقطع، أخذت التقط أنفاسي بصعوبة انظر نحوه، كان يفسّرني، لترتسم ابتسامة جانبية عند ثغره، مال برأسه قليلاً يربت على رأسي.
:"تخافينَ كثيرًا علىٰ أرواح الناس، لكن أؤكد لكِ أن الأمراء قد يتقاتلون لكن من سيمسك بهم هنّ السيدات الموقرات، محظيات الأمبراطور الراحل، مع ذلك سأعطيكِ ثقتي، ماذا ستفعلين؟"
نظرت له متفاجئة، لتتحول تعابيري المتفاجئة إلىٰ ابتسامة عريضة. :"أشكرك من كل قلبي، أتمنىٰ ان تساعدني وتحاول إقناع مولانا، يجب أن نعالجها في أسرع وقت!"
همهم ثم رفع بصره يمسك ببصري، عينيه اخترقت عينيّ وتعابير وجهه تبدّلت إلىٰ أخرىٰ حادّة جدّية ليتفوّه مذكّرًا إياي.
:"سأفعل بالطبع ولكن في حال رفض، فإن أيّ تحرّكٍ منا أو منكِ تحديدًا سيعد خيانة، حذارِ أن تصلِي إلىٰ هذا الحد أيتها الفاضلة."
بقيت صامتة لبرهة، نتبادل النظرات بيننا، ولم ينطق أحدنا بأي رد آخر كأنّ هذه نهاية الكلام فحسب. اي تحرّكٍ بعد الرفض يُعدّ خيانة، والخائن لو كانَ نبيلًا يُعدَمُ مَع أفراد عشيرتهِ وَإن كانَ عبدًا يُعدَمُ مَع أفراد عائلته.
ستكون نهاية فظيعة…
.
.
.
.
خرجتُ من مقصورة الأميرةِ وسرتُ بِهدوءٍ مطلقةً تنهيداتٍ بين فينة وأخرىٰ وأنا أفكرُ فيمَ قد يستطيعُ الأميرُ فعله. لطالما عُرِفَ بِتأثيرهِ القَوي علىٰ الإمبراطور، جعله يحكم ثلاث ولاياتٍ بالفعل كيف لا يثق به؟.
أتمنىٰ أن يجدَ شيئًا ما..
:"مرحبًا، أيتها الفاضلة" رمشت لبرهة، رفعت رَأسي حيثُ صاحبة الصوت، وقد كانت الإمبراطورة الأرملة.
:"صاحبة الجلالة" ركعت رافعةً ذراعيّ بإحترام، لأسترسل. :"كنتُ شاردةً ولَم أنتبِه، اعذريني يا مولاتي."
:"علىٰ المَرءِ دومًا أن يكونَ منتبهًا داخل أسوار هذا القصر، من يعلمُ مَتىٰ سيجابه الموت." اومِئتُ لها ثم رفعت نظرِي قليلاً أواجه عينيها، نظرت لي بتفاجؤ، كانوا محظيّات الأمبراطور الراحل هنا كذلك ينظرن لي.
هل اقترفت خطئًا برفع رأسي؟.
:"شكلكِ مميز، لا أعتقد أن السيد والسيدة زانغ يتسمونَ بهذا الشكل صحيح؟" سألت المحظيّة صاحبةُ الشعر الرمادي، اعتقد انها كانت الحكيمة. اومِئتُ لها ومازلت علىٰ وضعي اجيبها. :"صحيح، انا اشبه أسلافي بشكلٍ كبير جلالتكِ."
:"واه، يمكننا القول أنه شكل زانغ الحقيقي!" اومِئتُ للمحظيّةِ الأخرىٰ بِهدوء وقد نهضت من علىٰ الأرض لأقف بِإحترام. غادَرت الإمبراطورة الأرملة وقد رفعت ذراعيّ انحني لها. لاحظت شيئًا ما كذلك، كونَ المحظيّات يبدونَ شاباتٍ أكثرَ من الإمبراطورة الأرملة، حتى ابنتها التي ضلّت صامتة كانت تبدو في بداية الثلاثينات.
الإمبراطورة الأرملة تبدو في الأربعينات إلى الخمسينات ومع ذلك تحافظ على شكلها الشاب وكأنها امرأة في العشرين، ولكن المحظيّات.. كأنهن في العشرين حقًا.
استغرب تلك العلاقة الودّية بينما يمكن أن تتولد الغيرة بينهن ومنافسةٌ للحصول على مكانٍ في قلب الإمبراطور، عدا الإمبراطورة فهي الوحيدة التي حصلت عليه بالفعل.
:”ربما يحصل صراع على العرش بين الأمراء لكن من سيمسك بهم هنّ السيدات الموقرات، أمهاتهم.“ كنّ ليستفدنَ من العرشِ لو كان لهن يدٌ في محاولة قتل الأميرة والامبراطورة فعندما لا يكون للإمبراطور وريث، يصبح أخاه هو الوريث للعرش.
لكنّ كلام الأمير يجعلني ابعدهن من حساباتي وشكوكي، يجبُ أن أفكرَ أكثر، لا يمكن أن اتهمَ أحدًا دون دليل.. كما أن ذلك الغول لديه أعين وحلفاء كثر في القصر، لا أعرف فيمن يجب أن أشك.
”وجد الحارس جونهي مقتولًا عندَ البوابة!“
صحيح، تذكرت ذلك الآن.. الحارس جونهي المغدور..
ذلك المقنع!!!
تبًا، كيفَ لَم أفكر فيه، لكن سيكون إيجاده صعبًا وهو قد زيّفَ هويته ودخ—
لحظة.. كيف دخل أساسًا واسمه غير موجودٍ علىٰ القائمة؟.
ذلك المقنع، كما لو انه ميتٌ عائد للحياة فقط لتنفيذ هذه المهمة الشنيعة، سحقًا…
يجب وضعه في حسابات الدولة والبحث عنه في كل شبر، سيكونُ من السيء تركه يسرح ويمرح هكذا، في النهاية هو إنسان وليس بساحر أو مشعوذ ليختفي فجأة..
أو ربما هو كذلك!
نسيت ذلك… هل هو ساحر ام بشري؟!.
:"أيتها المستشارة الفاضلة!" رفعت نظري نحو المنادي، لأجدهُ الأمير تشين جين، احد إخوة الإمبراطور. رفعت ذراعيّ كلاهما ثم ركعت بِإحترام. :"وه وه، لا تتحمسي فأنتِ كذلك في منصبٍ يسمح لكِ بالإنحناء فقط لا الركوع مثل بقية الخدم هنا." قال يقصد الخدم والمخصيين الذينّ ركعوا له، تنهدّت لأنهض ثم قلت.
:"انا كذلك احد العبيد لَكنّي فقط مطرزة باللولؤ والمرجان، هذا الفرق فقط."
:"تعرفين، لقد انجذبت حقًا لشخصيتكِ هذه، تعحبينني يا آنسة" كيف له قول ذلك أمام الجميع فقط هكذا؟ دونَ التفكير بالعواقب، كونه أمير لا يجب عليه حتى الحديث مع إمرأة مهما كانت بهذه الطريقة..
:"شكرًا للمجاملة سموّك."
:"اتحدث بجدية، اكره المجاملات، أعني إنّ كنت ستكذب على أحدهم.. لمَ تتحدث من الأساس؟ قل الحقيقة فقط." همهمت مبتسمة، ثم طلبت الإذنَ وغادرت المكان دونَ ردٍ علىٰ كلامه، لا أريد فقدان رأسي لو تجاوزت بعض الحدود..
.
.
.
لنصف ساعة… نصف ساعة كافية لتجعلني أشعر به يطاردني إلى حيث اذهب، لا أفهم حتّىٰ ما يريده مني. تنهدّت ثم إلتفتُّ له ليتوقفَ ناظرًا لي بإبتسامة.
إبتسمت بتكلف ثم انحنيت ارفع ذراعي، لابد انه يريد كسر ظهري من الانحناءات. :"أتحتاج أي شيء سموّك؟ أامر وسأنفذ"
:"لن أمانع، تعالي معي.."
:"بالتأكيد، إلى صالة العرش؟ أهو إجتماع؟"
:"كلا، إلى مقصورتي يا حضرة المستشارة."
مقصورته، مقصورة الجاردينيا؟ أليسَ من السيء الذهاب معه هكذا؟ مؤكدٌ أنه جنّ جنونه.
-
️
ارائكم؟🔥
Rubyjan