كان الصبح هادئًا في بيت غريب...
بيت كبير، مليان أصوات الأطفال وحركتهم، لكن خلف هذا الهدوء كانت تعيش عائلة كل واحد من أفرادها يحمل حكاية مختلفة.
في المطبخ، كانت نورة واقفة تحضر الفطور، وبين فترة وفترة ترفع صوتها:
— ليالي! ليلى! يلا للفطور!
جاء صوت ليالي من الطابق العلوي:
— يمّه خمس دقايق!
ابتسمت نورة.
— كل يوم خمس دقايق!
دخل غريب إلى المطبخ، نظر إلى الساعة ثم قال بصرامة:
— إذا ما نزلوا خلال دقيقتين، كل واحد يرجع لغرفته.
نورة التفتت له:
— غريب، خليهم ياكلون أول.
— أعرفهم... إذا خليتيهم على راحتهم، ما راح نلحق على شي.
وقبل أن تكمل نورة كلامها، نزلت ليالي، 15 سنة.
كانت ليالي تحب الخروج والحياة خارج البيت، وكانت أكثر وحدة تشعر أن أبوها يبالغ بالسيطرة عليها.
لكن نورة لاحظت أنها توقفت فجأة وهي تنزل الدرج.
— ليالي؟
— ما بيه شي يمّه.
كانت ليالي تعاني من الربو، وغريب يعرف أن ضيق النفس يتعبها، لذلك كان دائمًا يسألها إذا أخذت بخاخها معها.
قال غريب بجدية:
— البخاخ وياج؟
تنهدت ليالي:
— إي يابه، وياي.
— زين.
كلمته كانت قصيرة، لكن نبرة صوته كشفت خوفه.
بعدها نزلت ليلى، 14 سنة، وهي تفرك عيونها.
نورة حطت لها الفطور:
— ليلى، لا تتركين الفطور اليوم.
— ما أشتهي.
غريب نظر إليها:
— تاكلين.
ليلى سكتت.
كانت تعاني من فقر الدم، ونورة دائمًا تحاول تهتم بأكلها، بينما غريب يتعامل مع الموضوع بطريقة مباشرة وكأنه يعطي أوامر، رغم أن سبب شدته خوفه عليها.
دخلت ملوك، 13 سنة وهي تحمل جهاز قياس السكر.
— يمّه، السكر...
توقفت نورة عن الكلام فورًا.
— تعالي حبيبتي.
ملوك كانت مصابة بـ السكري من النوع الأول، ولهذا كانت نورة حريصة جدًا عليها، وغريب كذلك، لكنه لم يكن يظهر خوفه بسهولة.
اقترب غريب منها:
— قستي؟
— إي.
— وشنو النتيجة؟
أجابته.
هز رأسه وقال:
— تمام.
ملوك ابتسمت؛ كانت تعرف أن كلمة "تمام" من أبوها تعني: أنا مطمئن عليج.
أما منار، 12 سنة، فكانت أكثر طفلة تتعرض للأسئلة من غريب:
— شنو أكلتي؟
— ما أكلت شي.
— متأكدة؟
— إي!
كانت منار تعاني من حساسية شديدة تجاه بعض الأطعمة، لذلك كان غريب يخاف عليها من أي شيء قد يسبب لها حساسية.
نورة تدخلت:
— غريب، لا تخوفها، هي تعرف شنو ممنوع عليها.
— أخاف عليها.
قالها غريب بهدوء.
سكتت نورة.
كانت تعرف أن وراء شدته خوفًا كبيرًا.
دخل بدر، 11 سنة، وهو يحمل حقيبته.
— صباح الخير.
ابتسمت نورة:
— صباح النور حبيبي.
بدر كان يعاني من الصرع، وكانت العائلة كلها تعرف كيف تتصرف إذا تعرض لنوبة.
غريب دائمًا يتأكد أن أحدًا معه، خصوصًا خارج البيت.
— بدر، اليوم لا تروح وحدك.
— أدري يابه.
— مو لأنك ضعيف... لأنك مسؤولية ببالنا.
نظر بدر إلى أبوه وابتسم.
بعده دخل مشعل، 10 سنوات.
كان مشعل يعاني من ضعف في السمع، لذلك كان أحيانًا لا يسمع عندما يناديه أحد.
نورة اقتربت منه ولمست كتفه حتى ينتبه.
ابتسم لها.
أما غريب، فكان يحاول دائمًا أن يتعلم الطريقة التي يتواصل بها مشعل معه.
قال له:
— جاهز للمدرسة؟
مشعل قرأ حركة شفتيه ثم ابتسم وهز رأسه.
ابتسم غريب أيضًا.
كانت لحظة صغيرة، لكنها بالنسبة لمشعل كانت كبيرة.
ثم جاء ريان، 9 سنوات.
كان ريان يعاني من مرض قلبي خلقي، لذلك كان غريب أكثر أب يخاف على طفله من الحركة الزائدة.
— ريان، لا تركض.
— بس يابه...
— قلت لا تركض.
نورة نظرت إلى غريب:
— خليه يلعب شوي، الدكتور قال يقدر.
غريب سكت.
كان يعرف، لكنه لا يستطيع منع خوفه.
اقترب من ريان وربت على كتفه:
— بس لا تتعب نفسك.
— حاضر.
بعده جاء مشاري، 8 سنوات، وهو يسأل:
— يمّه شنو الغدا؟
ضحكت نورة:
— أول شي فطور، بعدين نفكر بالغدا.
مشاري كان يعاني من حساسية غذائية، لذلك كانت نورة تنتبه جدًا لما يأكله، خصوصًا خارج البيت.
غريب قال:
— وأي شي تاكله برا البيت، تخبرني.
— حاضر يابه.
أما شوق، 7 سنوات، فكانت تجلس بهدوء قرب نورة.
كانت تعاني من ضعف في النظر، وكانت تستخدم الوسائل المساعدة التي تناسب حالتها.
نورة رتبت شعرها وقالت:
— شوق، خليني أساعدج.
لكن شوق ردت:
— لا يمّه، أگدر وحدي.
ابتسمت نورة.
— زين، وأنا يمج إذا احتجتي.
ومن آخر الممر جاء صوت صغير:
— يمّه!
كانت أمل، 5 سنوات.
ركضت نحو نورة، لكن غريب أوقفها قبل أن تصل.
— شوي شوي أمل.
ضحكت أمل.
كانت أمل تعاني من مشكلة تنفس مزمنة، ولهذا كانت نورة وغريب ينتبهان عليها أكثر من البقية.
حملتها نورة وقالت:
— صباح الخير يا روح أمج.
ضحكت أمل وحطت رأسها على كتف أمها.
غريب وقف ينظر إليهم.
عشرة أطفال...
عشرة أرواح مختلفة...
وكل واحد منهم يحتاج نوعًا مختلفًا من الحب.
غريب لم يكن رجلًا يعرف كيف يقول "أحبكم".
كان يعبّر عن حبه بالأوامر، بالخوف، بالسؤال، وبمحاولته حماية كل واحد منهم.
أما نورة، فكانت تحاول أن تجعل أطفالها يفهمون أن قسوة أبيهم الظاهرة لا تعني أنه لا يحبهم.
وفي ذلك الصباح، لم يكن أحد يعرف أن هدوء البيت لن يستمر طويلًا...
وأن أصغرهم...
أمل...
ستكون بداية الدوامة التي ستغيّر حياة العائلة كلها.
الكاتبة لميس