منذ اختفاء أمل، لم يعد غريب هو نفسه.
كان جالسًا في الصالة، ينظر إلى أطفاله العشرة.
قبل أيام كان وجودهم حوله يزعجه...
الصوت عالي.
الضحك كثير.
الأسئلة ما تخلص.
أما الآن...
كان يتمنى يسمع أصواتهم طول اليوم.
اقتربت ليالي منه وهي مستغربة.
— بابا؟
رفع غريب رأسه.
— هلا يا روحي.
توقفت ليالي مكانها.
— شنو؟
ابتسم غريب.
— شبيج؟
— ناديتني "يا روحي".
ضحك غريب.
— إي، لأنج روحي.
نظرت ليالي إلى نورة من بعيد.
نورة كانت واقفة عند باب المطبخ وتحاول تخفي ابتسامتها.
اقتربت ليالي أكثر.
— بابا، أنت زين؟
— زين.
— متأكد؟
— إي.
ثم مد غريب يده لها.
— تعالي.
جلست ليالي بجانبه.
وضع يده على رأسها.
— سامحيني.
استغربت.
— على شنو؟
— على كل مرة خليتج تحسين إني ما أفهمج.
سكتت ليالي.
ثم قالت:
— بس أنت دوم تصرخ عليه.
تنهد غريب.
— أدري.
ثم ابتسم.
— بس مو لأنج ما تعنين لي.
ليالي نظرت إليه.
— أجل ليش؟
قال غريب:
— لأنج تعنين لي أكثر مما تتخيلين.
لم تعرف ليالي ماذا تقول.
فقط ابتسمت.
دخلت ملوك وهي تحمل جهازها.
— بابا؟
التفت إليها غريب فورًا.
— تعالي يا قلب أبوچ.
وقفت ملوك.
— شنو صاير اليوم؟
ضحك غريب.
— ليش؟
— لأنك دا تحچي حلو.
— ما يصير أبوچ يحچي حلو؟
— يصير... بس غريب.
ضحك الجميع.
قال غريب:
— تعالي يا روحي، قستي السكر؟
ابتسمت ملوك.
— إي.
— زين.
ثم احتضنها.
— الله يحفظج إلي.
سكتت ملوك، ثم قالت:
— بابا...
— نعم؟
— لا تبچي.
ابتعد غريب عنها بسرعة.
— منو گال أبچي؟
— عيونك.
سكت غريب.
ثم مسح عينه.
— ما بيه شي.
دخل بدر بهدوء.
نظر غريب إليه.
— تعال يا بعد قلبي.
اقترب بدر.
احتضنه غريب بقوة.
— شلونك حبيبي؟
— زين.
— تعبت اليوم؟
— لا.
— إذا تعبت، تكلي.
— حاضر.
ثم قال غريب:
— وأريدك تعرف شغلة.
رفع بدر رأسه.
— شنو؟
— أبوك يحبك.
ابتسم بدر.
— أعرف.
— تعرف؟
— إي.
— شلون؟
— لأنك كل يوم تسأل عني.
سكت غريب للحظة.
ثم ابتسم.
— ذكي.
من بعيد قال مشاري:
— وأنا؟
التفت غريب إليه.
— تعال هنا يا مشاغب.
ركض مشاري نحوه.
حمله غريب.
— شنو تريد؟
— أريد حضن.
— حضن؟
— إي.
احتضنه غريب.
— هذا حضن لو تريد غيره؟
— أريد أكبر!
ضحك غريب.
— بعد أكبر؟
— إي!
ضغط عليه غريب أكثر.
— هذا؟
ضحك مشاري.
— إي!
صرخ ريان من بعيد:
— وأنا هم!
— تعال يا روحي.
ركض ريان.
ثم جاء مشعل.
ثم شوق.
ثم منار.
وخلال ثوانٍ...
تجمع الأطفال حول غريب.
نورة وقفت عند الباب تراقب المشهد.
كان غريب محاصرًا بأطفاله.
قبل أيام كان يطلب منهم الهدوء.
أما الآن فكان يقول:
— تعالوا يم أبوكم.
ليالي ضحكت:
— شبيك اليوم؟
قال غريب:
— ما بيه شي.
منار قالت:
— لا، أكو شي.
— شنو؟
— صرت حنون.
ضحك غريب.
— يمكن.
ثم نظر إليهم جميعًا.
— يمكن تأخرت عليكم.
سكت الأطفال.
قال غريب:
— بس أريدكم تعرفون...
أخذ نفسًا عميقًا.
— أنتم قلب أبوكم.
نظر إليهم واحدًا واحدًا.
— أنتم روح أبوكم.
ثم ابتسم.
— أنتم عمر أبوكم كله.
بدأت عيون نورة تدمع.
أما الأطفال، فبقوا ساكتين.
ثم قالت ليالي:
— وأمل؟
تغيرت ملامح غريب.
سكت للحظة.
ثم قال:
— أمل روحي الثانية.
وضع يده على صدره.
— وكل ما أتنفس، أدعي ترجعلي.
اقتربت نورة منه.
— غريب...
نظر إليها.
قالت:
— أمل راح ترجع.
هز رأسه.
— راح ترجع.
ثم نظر إلى أطفاله.
— ومن اليوم...
ابتسم.
— ما أريد أخلي أي واحد منكم ينام وهو يفكر أن أبوكم ما يحبه.
ركضت شوق نحوه واحتضنته.
ثم تبعتها ملوك.
وبعدها ريان ومشاري ومنار وبدر ومشعل وليلى.
حتى ليالي، التي كانت أكثر واحدة تختلف معه، اقتربت واحتضنته.
ضحك غريب وسط أطفاله.
— شوي شوي يا جماعة، راح تخنقوني!
قال مشاري:
— مو أنت گلت تريدنا قريبين؟
ضحك غريب.
— إي، بس مو تقتلون أبوكم!
ضحك الجميع.
وفي تلك اللحظة...
رن هاتف غريب.
توقف عن الضحك.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
ابتعد عن الأطفال وأجاب.
— ألو؟
جاء صوت راشد:
— حلوة العائلة وهي مجتمعة.
تجمد غريب.
نظر إلى أطفاله.
ثم قال بصوت منخفض:
— راشد...
ضحك راشد.
— واضح أن أمل غيرتك.
شد غريب على الهاتف.
— لا تدخل أطفالي بالموضوع.
— بالعكس...
سكت راشد لحظة.
ثم قال:
— أمل هي السبب اللي خلاك تعرف قيمة أطفالك.
تغير وجه غريب.
— وينها؟
— بعدني محتاجك.
— شتريد؟
— قريب تعرف.
انقطعت المكالمة.
بقي غريب واقفًا وحده.
ثم نظر إلى أطفاله.
كانت ابتسامته قد اختفت.
لكن هذه المرة...
لم يكن خوفه على أمل وحدها.
كان يعرف أن راشد بدأ يقترب من عائلته كلها.
الكاتبة لميس