مرّت ثلاثة أيام...
ليالي بعدها بالمستشفى.
كانت حالتها مستقرة، لكن التعب كان واضح عليها.
كل ما تصحى من النوم، تبقى ساكتة كم دقيقة، وبعدين تتذكر اللي صار.
وفي كل مرة كانت تبچي.
غريب كان جالس يمها.
ما تركها تقريبًا.
كل ما تشوفه، كان يبتسم إلها رغم التعب اللي بوجهه.
— بابا...
— نعم يا روحي؟
— أريد أرجع للبيت.
غريب مسح على شعرها.
— ترجعين أول ما الطبيب يسمح.
ليالي سكتت.
وبعدها قالت بصوت صغير:
— بابا... أني خفت.
غريب نزل عيونه.
— أعرف.
— چنت أحس ما أگدر أتنفس...
غريب قرب منها أكثر.
— خلاص يا روحي، لا تتذكرين.
ليالي:
— بس أتذكر.
غريب مسك إيدها.
— أني آسف.
ليالي:
— على شنو؟
غريب:
— على كل مرة عصبت عليچ.
سكت.
— وعلى كل مرة خليتچ تحسين إن أبوچ ما يحبچ.
ليالي دمعت عيونها.
غريب:
— سامحيني.
ليالي ابتسمت رغم دموعها.
— أسامحك.
غريب طبطب عليها.
— من هسة ورايح... إذا عصبت، ذكّريني بهاليوم.
ليالي:
— شلون؟
غريب:
— گوليلي: "بابا، وعدتني."
ليالي:
— ووعدتني شنو؟
غريب:
— ما أعصب عليچ بدون سبب.
ليالي:
— وعد؟
غريب:
— وعد.
حضنها بحذر.
— أنتي روح أبوچ.
***
لكن في مكان آخر...
كان فارس يراقب البيت.
وكان ينتظر شخصًا معينًا.
الطفل اللي اختاره هالمرة...
كان بدر.
بدر، الطفل الهادئ اللي دائمًا يحاول يعتمد على نفسه.
وفي مساء اليوم نفسه...
اختفى بدر.
***
كانت نورة بالصالة.
تلفتت حولها.
— بدر؟
ما رد.
— بدر!
فتشت غرفته.
ما لقيته.
قلبها بدأ يدگ بسرعة.
اتصلت بغريب.
— ألو؟
غريب:
— هلا نورة.
نورة بصوت مرتجف:
— غريب...
— شبيچ؟
— بدر...
سكتت.
— بدر اختفى.
غريب تجمد.
— شنو؟
— ما أعرف وينه.
غريب قام من مكانه.
— شلون اختفى؟
نورة:
— ما أعرف!
غريب:
— أني جاي.
***
بعد دقائق وصل غريب للبيت.
دخل بسرعة.
— وين آخر مرة شفتيه؟
نورة:
— كان بغرفته.
غريب طلع لغرفته.
سرير بدر مرتب.
شنطته موجودة.
غريب مسك ملابس ابنه بيده.
وبصوت مكسور قال:
— هذا ابني...
نورة بكت.
غريب:
— هذا بعده طفل.
ثم التفت إليها.
— وتعرفين حالته.
سكت.
— شلون قدر فارس ياخذه؟
نورة:
— غريب...
غريب:
— لا.
— ما راح أخسر واحد ثاني.
وفجأة...
رن هاتفه.
رقم مجهول.
غريب رد.
— ألو؟
صوت فارس:
— تعال.
غريب:
— وين ابني؟
فارس:
— إذا تريد تعرف، تعال للمكان اللي راح أرسله.
غريب:
— إذا صارله شي...
فارس:
— لا تتأخر.
وانقطع الاتصال.
***
وصل غريب للمكان.
دخل وهو يصرخ:
— بدر!
ماكو جواب.
— بدر!
سمع صوتًا خافتًا من آخر الممر.
— آه...
غريب توقف.
صوت ثاني.
— بابا...
غريب ركض باتجاه الصوت.
— بدر!
شاف ابنه جالسًا على الأرض، وكان واضح عليه التعب والخوف.
غريب ركع يمه.
— يا بعد أبوك...
بدر حاول يبتسم.
— بابا...
غريب ضمه.
— أني يمك.
وفجأة ظهر فارس.
وقف أمامهم.
غريب رفع عيونه.
— فارس...
فارس:
— هسة أگلك الحقيقة كاملة.
غريب:
— بعد شنو؟
فارس:
— لأنك هسة مستعد تسمع.
غريب:
— احچي.
فارس أخذ نفسًا عميقًا.
— أني ما كرهتك من فراغ.
غريب سكت.
فارس:
— وإنت وراشد كنتوا أقرب اثنين إليّ.
غريب:
— أعرف.
فارس:
— بس صار شي بطفولتنا.
— شي غيّر كلشي.
غريب:
— شنو؟
فارس:
— كان أكو طفل.
غريب:
— الطفل اللي بالصورة؟
فارس:
— إي.
غريب:
— منو؟
فارس:
— الطفل كان يعيش بيننا، وكانت عائلتك تعرف قصته.
غريب:
— وأمي؟
فارس:
— أمك كانت تعرف أكثر من الكل.
غريب:
— شنو كانت تعرف؟
فارس:
— كانت تعرف إن الطفل مرتبط بعائلتنا بطريقة ما كنت تعرفها.
غريب:
— شلون؟
فارس:
— لأن راشد كان أول واحد اكتشف الحقيقة.
غريب نظر له.
— ولهذا راشد صار ضدي؟
فارس:
— راشد حاول يحميك.
غريب:
— وأنا؟
فارس:
— أنت كنت بعيد عن كلشي.
سكت فارس لحظة.
ثم قال:
— يومها صار خلاف كبير بيننا.
— أنت ما كنت تعرف السبب.
— وراشد عرف.
— وأنا اعتقدت إنك اخترت راشد عليّ.
غريب:
— ولهذا كرهتني؟
فارس:
— إي.
غريب:
— بس هذا مو سبب يخليك تخطف أطفالي!
فارس سكت.
غريب:
— ليش أمل؟ ليالي؟ بدر؟
فارس:
— لأنني كنت أريدك تشعر بالخوف اللي شعرت بيه أنا.
غريب:
— فارس، أطفالي ما إلهم ذنب.
فارس نظر إلى بدر.
وبقي ساكتًا.
غريب:
— هسة عرفت إنك غلطان؟
فارس:
— يمكن.
غريب:
— يمكن؟
فارس:
— ما أعرف بعد.
غريب ضم بدر.
— أني ما أريد منك شي.
— بس رجعلي أطفالي، وانتهت السالفة.
فارس:
— بعد طفل واحد...
غريب رفع عيونه بسرعة.
— شنو؟
لكن فارس استدار.
— بعدين راح تعرف.
غريب:
— فارس!
فارس غادر.
غريب بقي مع بدر.
— يلا يا روحي، نروح للمستشفى.
بدر:
— بابا...
— نعم؟
— لا تتركني.
غريب حضنه.
— مستحيل.
***
في المستشفى...
بقى غريب بجانب بدر.
كان كل شوي يمسك إيده.
— سامحني يا ابني.
بدر:
— ليش؟
غريب:
— لأن ما قدرت أحميك.
بدر:
— مو ذنبك.
غريب دمعت عينه.
— بس أني أبوك.
بدر:
— وأنت جيت.
غريب سكت.
ثم حضنه.
— أهم شي إنك رجعت إلي.
***
مرّ أسبوع...
وبعد متابعة الأطباء، تحسنت حالة بدر وليالي.
وفي يوم خروجهم من المستشفى...
خرجت العائلة كلها تقريبًا.
نورة كانت تمسك يد ليالي.
وغريب يمشي بجانب بدر.
فجأة قال غريب:
— من اليوم...
كل الأطفال سكتوا.
— ما أريد أحد منكم يخاف يحچي وياي.
ليالي:
— حتى إذا غلطنا؟
غريب:
— حتى إذا غلطتوا.
ملوك:
— حتى إذا سوينا مشكلة؟
غريب:
— حتى إذا سويتوا عشر مشاكل.
مشاري:
— عشرة؟
غريب ضحك.
— لا تتحمس.
ضحكوا كلهم.
لكن...
قبل لا يركبون السيارة، وصل إشعار لهاتف غريب.
فتح الرسالة.
كانت من فارس.
"خلصت من أطفالك..."
غريب تجمد.
ثم ظهرت رسالة ثانية:
"باقي واحد."
غريب رفع عيونه بسرعة.
عدّ أطفاله.
واحد...
اثنين...
ثلاثة...
أربعة...
خمسة...
ستة...
سبعة...
ثمانية...
تسعة...
تسعة فقط.
غريب صرخ:
— وين أمل؟!
الجميع تجمد.
نورة:
— أمل كانت وياي!
لكن...
المكان اللي كانت واقفة بيه أمل...
كان فارغًا.
غريب ركض.
— أمــــــــل!
وانتهت...
الكاتبة لميس