لم أكن أعرف أن بعض الكتب لا تُقرأ...
بل تختار قارئها.
في تلك الليلة، كنتُ أظن أن أكبر مشكلة في حياتي هي أنني عدتُ إلى المنزل متأخرة، وأن أمي ستغضب مني.
لم أكن أعرف أنني كنتُ أحمل في حقيبتي شيئًا سيقلب حياتي رأسًا على عقب. كتابًا لم يكن من المفترض أن يكون موجودًا، لم أسمع عنه من قبل، ولم أعرف من أين جاء — ومع ذلك كان يحمل اسمي بين صفحاته.
**ليلى.**
كان اسمي مكتوبًا في الصفحة الأولى، بحبرٍ يشبه لون الصدأ القديم.
حدّقتُ فيه طويلًا، ثم ضحكتُ بتوتر. ربما كانت مزحة سخيفة من إحدى زميلاتي.
لم أكن أعرف وقتها أن الصفحة التالية لن تحتوي على كلمات... بل ستفتح لي بابًا إلى عالم لا أعرف فيه من هو الصديق ومن هو العدو. عالمٌ لا يكفي فيه أن تكوني ذكيةً حتى تنجي، ولا قويةً حتى تبقي على قيد الحياة.
ومنذ اللحظة التي فتحتُ فيها ذلك الكتاب...
لم تعد حياتي كما كانت.
---
# الفصل الأول: البداية العادية
لو سألتني وقتها من أكون، لأجبتُك بلا تردد: لا أحد.
فتاة شاحبة تنام أكثر مما تعيش، تمرّ الأيام من فوقها كما يمرّ الغبار على نافذة لا يفتحها أحد. لم أكن جميلة بما يكفي ليلتفت إليّ أحد، ولا ذكية بما يكفي ليتذكرني معلم، ولا حتى سيئة بما يكفي ليُعاقبني أحد بجدّية.
كنتُ مجرد... ليلى.
النوم كان الشيء الوحيد الذي أتقنته بامتياز. أنام في القسم، أنام في المنزل، وحتى وأنا مستيقظة وسط ضجيج المدرسة، كان جزء مني دائمًا هناك، في مكانٍ آخر، بعيدًا.
ظننتُ في البداية أنني كسولة فحسب. حتى اكتشفتُ أن جسدي يفتقر إلى الحديد وعدد من الفيتامينات — نتيجة حتمية لسنوات من العيش على أكل الشوارع والحلويات، وتجاهل أي شيء يشبه الطعام المفيد. كان هذا يفسّر النعاس الدائم، وتساقط شعري، والتعب الذي يجلس على صدري كصخرة لا تُرفع.
أما ملامحي، فلم تكن استثنائية بأي شكل: شعر أسود، عينان متوسطتا الحجم ببؤبؤين داكنين، وأنف صغير متناسق — الشيء الوحيد الذي كنتُ أظن أنه جميل في وجهي.
لم أكن أعرف، وأنا أشتكي من رتابة حياتي تلك، أنني سأتوسل يومًا لاستعادتها.
---
دقّ الجرس معلنًا نهاية الحصة، فانفضّ الطلاب من القسم كأسراب طيور هربت من صوت رصاصة. لم يتبقَّ أحد سواي، غارقة في نصف نوم لم أكمله بعد.
تثاءبتُ، وصفعتُ وجنتي بخفة لأوقظ نفسي، ثم جمعتُ أدواتي بحركات كسولة. توجهتُ نحو الباب، ورجلي اليمنى بالكاد تجاوزت العتبة...
حين اصطدم بي شيء.
لا، ليس شيئًا — بل جسد فتاة قفزت أمامي فجأة، بوجهٍ مضاء بابتسامة واسعة جدًا، أوسع مما ينبغي لوجه بشري أن يبتسم، ونادت باسمي بصوتٍ حادّ يخترق الأذن:
**آية: ليلى... ليلى!**
تجمّدتُ للحظة. كانت حدقتاها متسعتين بشكل غريب، ووجنتاها محمّرتين كأنها ركضت لتصل إليّ، وبشرتها بيضاء شاحبة تكاد تلمع تحت ضوء الممر. شيء في تلك الابتسامة جعل شعر ذراعيّ يقف — لم أكن أعرف وقتها أنها كانت أول علامة، أول خيط رفيع يشدّني نحو ما كان قادمًا.
تراجعتُ خطوة بلا وعي مني، ثم تراجعتُ أخرى داخل القسم.
**ليلى: ماذا تريدين؟ ألا تعرفين أن هذه استراحة؟**
لم أقصد أن يخرج صوتي بهذه الحدّة، لكن التعب لا يترك مجالًا للطف.
اختفت الابتسامة من على وجهها في جزء من الثانية، وكأن أحدًا أطفأ مصباحًا. نظرت إليّ ببرود مفاجئ لا يشبه حماسها قبل ثانية واحدة فقط.
**آية: ليس من الجيد التحدث معي هكذا.**
وقبل أن أفهم ما تقصده، دفعتني بكلتا يديها بقوة لم أتوقعها من جسدها النحيل.
سقطتُ على الأرض، ارتطم رأسي بالبلاط، وسمعتُ صوت الباب يُغلق خلفها بعنف يشبه صفعة.
حاولتُ أن أفتحه، فلم يتحرك قيد أنملة، وكأن يدًا خفية تسنده من الخارج.
جلستُ على الأرض، أفرك مؤخرة رأسي، أحدّق في الباب المغلق وأنا أفكر: من هذه الفتاة؟ ولماذا شعرتُ، للحظة، أن ابتسامتها لم تكن موجهة لي أنا... بل لشيءٍ آخر بداخلي؟
انتظرتُ حتى انتهت الاستراحة على مضض، ثم خرجتُ بصمت حين فتحت الأستاذة الباب أخيرًا. ركضتُ نحو الطابق الرابع بلا توقف، أنفاسي تتقطع، وقلبي يخفق بسرعة لا علاقة لها بالمجهود البدني وحده.
وصلتُ إلى القسم، ولمحتها هناك، جالسة على طاولتها، هادئة تمامًا، وكأن شيئًا لم يحدث. لم ترفع رأسها نحوي ولو للحظة.
عاقبني الأستاذ على تأخري: ضربة على يدي، ثم وقوف على رجل واحدة لساعة كاملة أمام الجميع. لم أشتكِ. كان جسدي منهكًا بما يكفي ليتقبل الألم دون مقاومة.
حين انتهى الدوام أخيرًا، سمعتُ خطوات تركض خلفي، سريعة، متعثرة، وكأن صاحبتها تلاحق قطارًا على وشك المغادرة.
**آية: اسمي... آية. أ... آية.**
كان صوتها هذه المرة مختلفًا تمامًا. مرتجفًا، صغيرًا، يكاد يختنق بين الكلمات. انحنت أمامي بجسدها كله، رأسها منخفض حتى كاد شعرها يلامس الأرض.
**آية: آسفة. كان هذا أمرًا منهم. كانوا يهددونني. آسفة... آسفة.**
نظرتُ إليها بصمت لثوانٍ، أقارن بين الفتاة التي دفعتني قبل ساعات، وهذه الواقفة أمامي الآن، منكسرة، صغيرة، خائفة من ظلّها.
لم أكن أعرف بعد أيّ الوجهين هو الحقيقي.
ربما كلاهما كان كذلك.
قلتُ أخيرًا، بهدوء لم أشعر به بالكامل في داخلي:
**ليلى: لا عليكِ. أعرف ذلك. تشرفتُ بمعرفتك.**
رفعت رأسها ببطء، وفي عينيها شيء بدا كأنه امتنان حقيقي... ممزوجًا بشيء آخر، أعمق، لم أستطع تسميته وقتها.
لم أكن أعرف أن هذا اللقاء العابر، بكل غرابته وتناقضاته، سيكون خيطًا واحدًا من نسيجٍ أكبر بكثير — نسيج بدأ ينسج حول حياتي منذ لحظة دخول ذلك الكتاب الغريب إلى حقيبتي.
أكملتُ طريقي نحو مكتبة المدرسة، حقيبتي أثقل من المعتاد على كتفي، وذهني لا يزال عالقًا في مشهد آية وهي منحنية أمامي بذلك الاعتذار المرتجف.
دفعتُ الباب، فانفتح بلا صوت، وكأن المكتبة نفسها تحبس أنفاسها. كان الجو هادئًا بشكل يكاد يكون غير طبيعي، وبضعة طلاب متناثرين بين الرفوف، غارقين في صفحاتهم، لا يرفعون رؤوسهم.
توجهتُ مباشرة نحو الغرفة الأخيرة، تلك التي يعرف الجميع أنها ملك لثلاثٍ لا يجرؤ أحد على الاقتراب منهنّ.
فتحتُ الباب.
ثلاث فتيات، وسط الطاولة، وكأنهنّ محكمة صغيرة تنتظر متهمًا. وفي المنتصف، الرئيسة بلا منازع: مكياج مبالغ فيه يخفي ملامح وجهها الحقيقية، أحمر شفاه صارخ، وأظافر طويلة تنقر على الطاولة بإيقاع متكرر يشبه عدّ تنازلي.
تنهدتُ، جررتُ كرسيًا، وجلستُ في مواجهتهنّ مباشرة، بلا خوف ظاهر — رغم أن شيئًا في داخلي كان يتوتر بالفعل.
**ليلى: مرحبًا... همم. كنتُ أعرف أنكِ تنمرتِ على تلك الفتاة. وأيضًا أنتِ تمسكين عليها شيئًا حتى تبتزيها، صحيح يا زينب؟**
كانت زينب تمضغ علكتها بتعجرف مصطنع، رأسها مائل إلى الخلف قليلًا وكأنها تنظر إليّ من علوّ لا يملكه جسدها الفعلي.
**زينب: نعم. كنتُ أهددها بأن أخبر أبا آية أنها مرتبطة، حتى يقوم بقتلها بالعصا. هه!**
ضحكت بصوتٍ عالٍ متكلّف.
**زينب: أرأيتِ؟ هاهاها... تلك الفتاة البريئة تعيش قصة حب. هاهاها، يا للسخافة!**
ثم، فجأة، كأن قناعًا سقط عن وجهها، تغيّرت تعابيرها بالكامل.
**زينب: ليس لي دخل بها. فقط أنا أكرهكِ يا ليلى. أكرهكِ! أنتِ لا تعرفين مدى كرهي لكِ.**
لم أرمش حتى. لم يكن هذا جديدًا عليّ — كرهها كان ثابتًا كالجدار، لا يحتاج مني ردّ فعل.
أخرجتُ من محفظتي رزمة من المال، ووضعتها أمامها ببرود مماثل لبرودها.
**ليلى: خذي المال... والآن ابتعدي عني وعن آية.**
مدّت يدها بسرعة تكشف طمعًا أكبر من كرهها، وبدأت تعدّ الأوراق واحدة تلو الأخرى بحرص يناقض لا مبالاتها المصطنعة.
وبينما كانت غارقة في عدّها، لاحظتُ شيئًا لم يكن هناك في المرات السابقة: رزمة كتب موضوعة بجانبها، مرتّبة بعناية غريبة لا تشبه إهمالها المعتاد.
حدّقتُ فيها.
زينب... تقرأ؟ الفكرة نفسها كانت أقرب إلى مزحة سيئة. هي التي تسخر من كل من يحمل كتابًا، فلماذا كل هذه الرزمة بجانبها بالذات؟
اقتربتُ خطوة، وحين وقعت عيناي على وسط الرزمة، توقف كل شيء في داخلي للحظة.
ضوء.
خافت، ذهبي، يتسلل من بين صفحتين مغلقتين، كأن كتابًا في الداخل يتنفس.
رمشتُ.
اختفى.
عقدتُ حاجبيّ. ربما كان تعبي، أو انعكاس ضوء النافذة. اقتربتُ أكثر، ومددتُ يدي أفتش بين الكتب واحدًا تلو الآخر، حتى توقفت أصابعي عند كتاب لم أرَ مثله من قبل.
غلافه داكن بشكل غير طبيعي، وكأنه لا يعكس الضوء بل يبتلعه بهدوء. سحبته من بين الرزمة، وشعرتُ بثقله الغريب رغم صغر حجمه.
قلّبته بين يديّ. على الغلاف، بخطٍّ يشبه الحبر القديم المتشقق:
**«لعبتي المفضلة»**
لم يكن غلافًا جميلًا بأي معيار، ولا عنوانًا مغريًا، ومع ذلك، لم أستطع أن أُبعد عينيّ عنه، وكأن شيئًا خلف تلك الكلمات يسحبني نحوه بخيطٍ لا أراه.
مررتُ أصابعي على سطحه ببطء.
قشعريرة باردة سرت في يدي، صعدت حتى كتفي.
**ليلى: ما هذا...؟**
رفعت زينب رأسها أخيرًا، عيناها تتبعان الكتاب في يدي بفضول مفاجئ لم أعتده منها.
**زينب: آه... هذا الكتاب؟**
**ليلى: تعرفينه؟**
هزّت كتفيها بلا مبالاة مصطنعة، لكن أصابعها توقفت عن عدّ المال للحظة — تفصيل صغير لم يفتني.
**زينب: وجدته بين الكتب القديمة. لا أعرف لمن هو.**
**ليلى: هل قرأتِه؟**
ضحكت بسخرية عالية، لكن ضحكتها هذه المرة بدت أخفّ من المعتاد، كأنها تحاول التخلص من شيء لا تريد الاعتراف به.
**زينب: أنا؟ أقرأ كتابًا كهذا؟ لا، شكرًا. خذيه إن كنتِ تريدينه.**
ترددتُ. جزء مني كان يريد إعادته إلى الرزمة والمغادرة دون النظر خلفي. لكن جزءًا آخر، أعمق وأصعب في التفسير، كان يهمس بشيء واحد: خذيه.
**ليلى: حقًا؟**
**زينب: نعم. خذيه.**
قالتها بسرعة، بنبرة كأنها تريد التخلص منه أكثر مما تريد التنازل عنه.
أمسكتُ الكتاب بقوة أكبر من اللازم، ووضعته داخل حقيبتي.
وفي اللحظة التي أغلقتُ فيها السحّاب، شعرتُ بشيء يشبه الزفير — كأن الكتاب نفسه كان يحبس أنفاسه طوال الوقت الذي قضاه بين تلك الرفوف، وينتظر لحظة واحدة فقط ليخرج.
لم يكن ينتظر أي أحد.
كان ينتظرني أنا.
نهضتُ، حملتُ حقيبتي على كتفي.
**ليلى: أنا ذاهبة.**
لم تردّ زينب. كانت قد عادت إلى عالمها الصغير، تعدّ أوراقها بلا اهتمام بما تركته لي.
خرجتُ من المكتبة بخطوات عادية، وكتاب لا يشبه أي كتاب آخر يستقر بهدوء في حقيبتي، بلا ضجيج، بلا إنذار.
لم أعطه وقتها أهمية تُذكر.
لم أكن أعرف أن ذلك الكتاب الصغير، الداكن، الذي لا يعكس الضوء...
سيكون بداية كل شيء.
Hanane