بعيدًا عن الشمال البارد والمثلج.
في شرق المملكة، بين الجبال والوديان والغابات الكثيفة، والشمس الربيعية المشرقة، كانت القاعات البيضاء منصوبة، والأحصنة مصطفة، والكثير من الصيادين المحترفين يحملون سهامهم. وكثير من الأشخاص من الطبقة الرفيعة تعالت ضحكاتهم، بينما الطباخون في الجهة الأخرى، من أمهر الطباخين، يطبخون لحم الوحوش المصطادة، ورائحة اللحم المشوي تملأ أرجاء الغابة.
يجلس فوق كرسي مرصّع بالجواهر الملونة، أمام طاولة مليئة بما لذ وطاب من الأطباق الشهية والفواكه المشكلة والنبيذ الخالص. يجلس وسط كل هذا، مبرزاً هيمنته وتميزه، يمسك قطعة لحم كبيرة ويأكل منها بنهم، يضحك باستمرار.
بينما هي تجلس إلى جانبه، على كرسي عادي، هادئة، تنظر إلى الأطباق التي أمامها فقط.
قال بصوت تملؤه ضحكاته المتقطعة:
_ ألا تريدين أن تأكلي؟ أم أن الأكل لم يعجبكِ؟ هاااا
بقيت كما هي، هادئة دون حراك، ترمش ببطء. أعاد ضحكاته اللامبالية مجدداً ونظر إليها قائلاً:
_ أو أنكِ خائفة على ابنكِ؟
سرعان ما نطق بجملته، التفتت إليه ببطء. كان يبدو في عينها شيء غير مفهوم بالنسبة له. أعادت نظرها إلى الأسفل، تتحسس يديها، تحكّ اليسرى باليمنى وتقول بتوتر:
_ أيها الملك، خوفي على ابني شيء طبيعي، خصوصاً وهو يخاطر بحياته في لعبة، فقط ليراني مرة كل سنتين.
ابتلعت ريقها ونظرت إلى الملك بكل برود:
_ إنه ابنك في النهاية وأنا أمه، لكن أن تعاقبه بلا رحمة، وتطرده من المملكة، وتنزع منصبه الأول وتعطيه لأخيه الأصغر، فهذا ظلم.
أنهت كلماتها وهي ما زالت تنظر إليه بنفس النظرة الباردة. عضّ على أسنانه من شدة الغضب واحمرّت عيناه. نهض من مكانه وضرب الطاولة حتى تحطمت إلى نصفين، مبعثراً كل شيء عليها. نظر إليها وهو يتكلم من بين أسنانه:
الملك: حتى لو انشقت السماء وأخرجت ما في جوفها، لن أسامح كلباً قذراً يتجرأ أن يفعل بي ذلك... لن أسامحه أبداً. كنت سأقتله بيدي، لولا أنكِ منعتني، وكان الطرد من المملكة ومن منصبه أشبه بعقوبة خفيفة.
رفع يده إلى السماء يريد صفعها، لكنه توقف وضرب وجهه ندماً، وعاد إلى مكانه جالساً وعيناه تغليان من الغضب:
_ اغربي عن وجهي!
نهضت من مكانها دون أن تنطق بكلمة، رفعت فستانها لتؤدي تحية الملك:
_ يحيا ملك الشمس العظيم.
استدارت وتوجهت إلى خيمتها.
وفي الجانب الآخر، كان ينصت بهدوء لكل الحوار الذي دار بينهما، يضع يده على خده ويبتسم ابتسامة جانبية خبيثة:
_ ليس عليك أن تغضب هكذا أيها الملك، لا نريد لصحتك أن تتدهور، خصوصاً أن هذا حفل صيد رائع.
الملك: اهتم بشؤونك يا مارزو، أنت مجرد عبد تحت قدمي. انسَ أنك من سلطنة بوريا، أنت لم تعد سلطاناً بعد الآن.
عقد حاجبيه بغضب شديد، سرعان ما أزال تعبيره وابتسم ابتسامة صفراء قائلاً:
مارزو: أيها الملك، أنا أعرف مكاني جيداً ولن أخونك أبداً، حتى التفكير في ذلك لا أستطيعه. أما سلطنتي فقد انتهت منذ زمن، الآن أنا أكرّس لك حياتيي ..
تنهد تنهيدة طويلة متجاهلاً مارزو. أتى الخدم يجرون دون أمر من شدة الخوف، حاملين زجاجات من الخمر المتنوع أمامه، وينظفون الفوضى التي أحدثها. أمسك قنينة خمر كبيرة، فتح غطاءها وشربها بشراهة، كل رشفة طويلة يمسح فمه بعدها... توقف للحظة، يناظر الصيادين آتين ومن بينهم ولي العهد الأصغر على حصانه الأسود. توقفوا واصطفوا بعيداً عن مكان الملك المرتفع، ثم أتى وسيفه في يده يجرّ وحشاً من نوع الطيور النادرة، وابتسامة خفيفة على وجهه.
ولي العهد: تحية لك أيها الملك، لقد أحضرت هذا الوحش، يقولون إن لحمه مفيد لصحتك يا جلالة مليكي.
ضحك ضحكة عالية.
الملك: آه يا بني، أنت تهتم بصحة أبيك!
ظهرت من غير سابق إنذار بثوبها الفضفاض الأنيق الفخم، وابتسامتها العريضة، وعيونها المغمضة، تمسك مروحة تغطي بها فمها وتتكلم:
_ ومن غيرنا سيهتم بك يا جلالتك.
الملك: ما لي أراكِ يا شهرمون سعيدة؟ خيراً…
عودة إلى الشمال، بلدة الشمال في الغابة المثلجة...
وفجأة... ظهر شخص أمامي. طويل القامة، يمسك سيفه.
فتجمد الدم في عروقي.
تراجعت خطوة إلى الوراء، ثم استدرت لأهرب، فوجدته أمامي من جديد، بنظرات ثقيلة وباردة. لم ينطق بكلمة.
لم أستطع بلع ريقي من شدة الجفاف المر في حلقي. درت ورائي هاربة، خطوتي الأولى والثانية لم تكتملَا، فقد أمسك شيء بملابسي. نطق بصوت هادئ وبارد:
- أعرف من تكونين.
انتفضت منه وقفزت إلى الخلف، مستديرة نحوه. نظرت إليه، كان غاية في الوسامة؛ شعره الطويل الأبيض، وعيناه الزرقاوان، وملامح وجهه الجميلة، وملابسه المرتبة، وفرو أبيض اللون حول رقبته، وحصانه الأبيض... كان كأمير. قلت في نفسي: ليس لدي كاميرا، أجل أجل، هذا الجمال عليه أن يُصوَّر! لو كان ممثلًا لكان الأول عالميًا، يا لجماله!
صفعت جبهتي من تفكيري السخيف، وعقدت حاجبي، ومسكت سيفي مخرجةً إياه، وأجري باتجاهه وأنا أقول في نفسي: أتمنى أن ينجح الأمر، لا أريد أن أكون قاتلة، لكن حياتي وجسدي على المحك. لا أريد أن أموت. آسفة آسفة لأجل جمالك، لكنك انتهيت.
أوقفني صوته، مخرجًا إياي من تفكيري:
- ماذا تفعلين بنصف سيف؟ قطعة خردة.
نظرت إليه مصدومة، ثم توقفت وابتسمت ابتسامة بصعوبة.
ليلى: ها ها ها، لا أريد أن أؤذيك، صدقني.
- أرى ذلك، فقط توجهين نصف سيف لي.
- ها ها ها، فهمتني غلط، لا، هذه طريقة ترحيب بك.
- أرى ذلك، طريقة غريبة من بشرية للترحيب بي.
برنق، وهو يقفز عاليًا خلفه: ومن أنت أيها التافه حتى نرحب بك؟ فلتَمُت!
سرعان ما أمسك برنق، وهو خلفه، بيد واحدة، مستديرًا بوجهه نحوي.
- لم آتِ للقتال، ولست مؤذيًا.
ليلى بارتباك: حـ حقًا!
برنق: لا تصدقيه يا ليلى، إنه كاذب.
- رغم أنك من البرانيق، إلا أنك مزعج حقًا.
أمسكه من ذراعيه وبدأ يعلكه بحركات غريبة.
برنق بصوت متقطع مع حركات العلك: توقف أرجوك، آسف حقًا، آسف!
ليلى: اترك قطي أيها المجنون!
برنق: لست قطًا، كم مرة قلتها لكِ!
- يا له من كائن مرن! (يقوم بتمطيطه بحركات مختلفة)
ليلى: توقف عن علك قطي، سوف تقتله!
برنق: لست قطًا، أنا من عشيرة البرانيق، أيتها البشرية المزعجة!
توقف عن علكه ورماه في اتجاهي، ثم استدار:
- حسنًا، وداعًا.
ليلى: وووو، انتظر، تمهل! أين أنت ذاهب؟
- ما الأمر؟
ليلى بتوتر: كنت تقول إنك تعرفني.
- نعم، أعرفك، بشرية في فريق جاكن.
ليلى بذهول: نعم نعم، أنا هي. أريد المساعدة حتى أصل إلى فريقي، إنهم في العاصمة.
- حسنًا، أنا أيضًا ذاهب إلى العاصمة، ولدي حصان بالفعل. سأساعدك، لكن بشرط.
برنق، وهو يمسك رأسه: لا يا ليلى، لا تثقي فيه! قد يأخذك عند سحرة يأخذون جسدك ويقتلون روحك، وحتى أنني أشعر بدوار وأريد أن أستفرغ من كثرة عنفه. عليكِ الانتقام منه من أجلي!
ليلى: اخرس يا برنق، ليس وقتك الآن. ستأكلنا الذئاب إذا بقينا هنا.
- لن أفعل ذلك. لو كنت بالفعل أريد أن أقتلكِ لفعلتها منذ زمن. كانت ضربة واحدة مني بيدي تفجر رأسها على شكل فتات ثلج.
بلعت ريقي من كلامه وقلت في نفسي: تخيلت الموضوع فعلًا، يا ربي، شو هالكائنات الغريبة!
ليلى: ما هو شرطك؟
تمشى دون رد، وتوجه إلى حصانه الأبيض، ماسكًا إياه من سرجه ومتجهًا نحوي. خلّى مسافة ضيقة بيننا، فتراجعت بخطوات ثقيلة.
انحنى برأسه قريبًا من وجهي وقال:
- أريد أن أطلب يدك، هل تقبلين الزواج بي؟
في تلك اللحظة، اختفى البرد القارس من جسمي، وأصبحت مثل فرن أحمر. صعدت حرارتي حتى صار وجهي أحمر مثل الطماطم. صرخت بفزع، لم يحدث لي هذا حتى في عالمي!
ليلى: ماذااااا؟ ماذا تقول؟ تريد طلب يدي؟!
قال بهدوء:
- نعم.
قلت بتوتر:
- لماذا تريد ذلك؟
- لا يهم، هل تقبلين؟
ليلى بصراخ: لاااا، طبعًا لا!
برنق: لا لن تقبل أبدًا بمتوحش مثلك!
- اخرس أيها القط!
برنق وهو يصرخ: لست قطًا، انظر! أنا أطير، أنا أقف، انظر فحسب!
كنت أشعر بشعور غريب. جريت إلى الأمام وأنا أقول:
- لن أقبل أبدًا، لا أريد!
حتى تعثرت وسقطت على وجهي.
ليلى: يا إلهي، لماذا يحدث لي هذا الموقف المحرج في الأوقات الجادة؟
وجدته فوق رأسي، ونظرت إليه وهو يمد يده لي.
- هيا انهضي، لا بأس إذا لم توافقي، لا بأس.
Hanane