صدمة وراء صدمة. صرختُ بقوة: ماذا؟ هلال بشرية مثلي؟
نظرتُ إلى هلال التي تكنس الأرض غير مبالية بحديثنا.
قالت العجوز بابتسامة غامضة: نعم. ربيتُها منذ كانت صغيرة. دخلت إلى هذا العالم بكتاب الزمرد الأسود أيضًا. إنه أفضل شيء حدث لي.
ليلى: كنتُ أستغرب، فهلال لا تتكلم كثيرًا وتقوم بالأعمال المنزلية فقط.
نظرتْ إليّ بنظرة غريبة وقالت: هلال بشرية، وليس عليها أن تخرج من المنزل. لذلك ألقيتُ عليها تعويذة...
تجمدتُ مما أسمع: أنتِ ساحرة؟
الساحرة: نعم. لقد عالجتكِ بالسحر الأسود.
ليلى: حتى لو كنتِ ساحرة، وحتى لو كنتِ تحبينها وتعتبرينها ابنتكِ، فليس من حقكِ أن تربطيها بسحركِ وتجعليها سجينة داخل هذا المنزل تعمل طوال الوقت.
الساحرة: هذا لا يخصكِ. يومان فقط وستتعافين وترحلين من هنا. ارجعي إلى الفيلق الذي كنتِ معه، فأنتِ بالفعل ضمن اللعبة. اسمكِ رسميًا: ليلى السلافي. هذا اسمكِ الكامل، صحيح؟
ليلى: كيف عرفتِه؟
الساحرة: رأيته في قائمة اللعبة. أتعرفين لماذا تلعبين هذه اللعبة؟
ليلى: لا. لم يخبروني بأي شيء.
الساحرة: بطبيعة الحال لن يخبروكِ. اللعبة خطيرة، واحتمال موتكِ كان مؤكدًا.
ليلى: إذًا... هل سأموت بالفعل؟
الساحرة: لماذا تموتين وأنتِ تمتلكين قوة خارقة؟
ضحكتُ ضحكة ساخرة بمرارة: بف... هاها. قوة خارقة؟ أتضحكين عليّ؟ هل تظنين أن هذه الحالة التي أنا فيها تعني أن لدي قوة خارقة؟ لقد كدتُ أن أُؤكل من الوحوش يا أيتها العجوز!
ضحكت مجددًا ضحكتها المعتادة وتركتني مصدومة.
الساحرة: لا عليكِ. سأريكِ كيف تُشغلينها، وسأعطيكِ شيئًا مهمًا جدًا سيجعلكِ شخصًا لا تهزمه وحوش من الدرجة العليا.
برقت عيناي من شدة الأمل. حياتي التي لم يكن لها معنى هنا، سأحافظ عليها حتى أعود إلى منزلي.
قلتُ بحماس: يا جدة، كم أنتِ لطيفة! أنتِ حقًا تهتمين لأمري. أرجوكِ، أرني كيف أستخرج قوتي وذلك الشيء.
ضحكت ضحكتها المعتادة: صبرًا... صبرًا. فكل شيء يأتي بالصبر.
مر يومان واستعدتُ عافيتي بالكامل. فككتُ الضمادات. تفقدتُ يدي المقطوعة التي لم يبقَ منها سوى أثر خفيف. هذه الساحرة أفضل من أي طبيب في العصر الحالي.
تعافيتُ جيدًا، لكنني لم أذهب. بقيتُ أكثر من أسبوع كامل تعلمني فيه كيف أتحكم في نقاط قوتي، وكيف أشعر بالهالات من حولي.
انتهى الأسبوع سريعًا. ودعتهما وداعًا حارًا وشكرتُهما.
سألتُ هلال: هل تحبين الحياة مع الساحرة؟
أجابت: نعم.
حاولتُ إقناعها بالمجيء معي، لكنها رفضت.
ودعتهما الوداع الأخير بقلب مثقل...
ثم انطلقتُ في طريقي عبر الصحراء المحرقة ورياح التي تجمع الرمال ملوثة الهواء والمكا ، نحو قلعة المملكة جايا.
توجهتُ إلى الأمام... لم أكن أعرف إلى أين أسير، ولا إلى أي مكانٍ أتجه.
كل ما أعرفه من كلام العجوز الساحرة هو أن عليّ أن أجد "منارةً مشعةً بالضوء"، وحينها فقط سأجد طريقي إلى الفيلق.
كان كل شيء غريبًا. أن أمضي هكذا وحدي.
كنت خائفة. هل سيُعاد عليّ ما حدث من قبل؟ عندما نهشتني الوحوش؟
كان قلبي يرتجف كلما تذكرت ذلك.
سرتُ في طريقي إلى الأمام ورأسي لا يكف عن التفكير، حتى توقفت قدماي أمام مشهد المنارة.
-أهذه هي المنارة؟
كلا... لا تشبه المنارات.
إنه مجرد عودٍ خشبي طويل يعلوه مصباح. يبدو قديمًا.
إنه مضيء حقًا... لكنه يضيء في النهار.
وقد قالت العجوز إن عليّ أن أنتظر حتى الليل، وحينها فقط سيصبح ضوء المنارة واضحًا جيدًا.
- كنت أضن أن المنارة لا تتواجد إلى في البحر ياله من عالم غريب .
جلستُ
فتحتُ الحقيبة الصغيرة التي فيها قارورة ماءٍ
شربتُ القليل.
وأكلتُ قطعة خبزٍ باردة .
وجلستُ أُحدّق أمامي. وخلفي كان هناك امتدادٌ طويل من صحراء قاحلة.
فكرتُ في كل شيءٍ مرّ بي. في هذا العالم، وفي لقائي بهؤلاء الأشخاص، وفي حصولي على الكتاب من زينب.
كل شيء غريب.
ثم تذكرتُ أن الكتاب الذي بسببه جئتُ إلى هذا العالم كان عند العجوز الساحرة. كيف حصلت عليه؟ وكيف عرفت أنه هو الذي أدخلني؟ لم تُجبني عن أي سؤال من هذا. كانت حقًا عجوزًا مخيفة.
الكتاب... ها هو الآن بين يدي.
لكنه لا يزال كما هو. أسود اللون، ولا توجد فيه إلا أوراقٌ بيضاء متهالكة، يميل لونها إلى الاصفرار من شدة قدمها.
آخر مرة كان فيه الجملة التي قرأتها فدخلتُ إلى الكتاب...
هل دخلتُ إلى الكتاب؟ لا أظن دالك. لقد دخلتُ إلى عالمٍ غريب.
وأعطتني أيضًا هذا السيف.
إنه ليس سيفًا كاملاً حتى. نصف سيفٍ صدئ.
فكيف يمكن استخدامه؟
ضربتُ جبهتي باستسلام، فكل شيء يوحي بأن نهايتي قريبة.
شردتُ في تفكيري ونسيتُ كل ما حولي. مرّ الوقت سريعًا وأنا أفكر.
نهضتُ من الأرض، مددتُ يدي إلى الأعلى وتثاءبتُ من شدة النعاس والتعب والمشي على قدميّ.
بدأت الشمس تغرب بخيوطها الذهبية اللامعة التي تُزيّن الرمال الذهبية، منظرٌ خلاب لا تتاح الفرصة لرؤيته أحيانًا.
استنشقتُ هواء الغروب البارد الذي أنعش صدري.
- وأخيرًا... بعض البرودة. لقد قتلتني الحرارة.
وأيضا ظلمة الليل وشيكة.
أخذتُ الكتاب ووضعته على الأرض تحت المنارة المضيئة، وتنهدتُ تنهيدةً طويلة.
- هيا، قبل أن أبدأ: شهيق... زفير... شهيق... زفير. سأنفذ كل ما قالته الساحرة.
- أولًا: أضع الكتاب على الأرض.
- ثانيًا: يكون تحت ضوءٍ ليس ضوء الشمس.
- ثالثًا: أطرق غلاف الكتاب ثلاث طرقات.
قبضتُ يدي على هيئة قبضة وطرقتُ الكتاب.
بدأ غلاف الكتاب يتغير ويتشقق بألوانٍ غريبة مع رموز.
- ماذا...؟ يبدو أن العجوز لم تكن تقول الترهات في النهاية. أحتاج حقًا إلى دمعةٍ من عيني وأمسحها من شدة الذهول، كما في أفلام الكرتون.
- ولكن ماذا يجري للكتاب؟
بدأ يتكون ويتشكل ويتحول إلى هيئةٍ غريبة.
- ماذا يجري بحق السماء؟! اجري يا ليلى، اجري!
تركتُ كل شيء ورائي من هول المشهد المرعب الذي حدث أمامي.
قلتُ وأنا أركض ولا أدري إلى أين أتجه:
- اللعنة عليكِ أيتها الساحرة!
ثم توقفتُ وضربتُ وجهي بيدي صفعةً حتى أفيق وأفهم ماذا يحدث، حتى سمعتُ صوتًا لم أسمعه من قبل وسط هذه الصحراء. قلبي يدق بسرعة البرق.
- مرحبًا.
تجمدتُ في مكاني. أحسستُ بجسدي يسخن إلى درجة الغليان. بلعتُ ريقي واستدرتُ ببطء وأنفاسي متسارعة.
- يا آنسة، أليس عيبًا ألا تردّي السلام حتى؟
Hanane