عدتُ إلى المنزل، وابتلعني صخب العائلة المعتاد فور فتح الباب. لم ألقِ التحية، صعدتُ مباشرة إلى غرفتي، ورميتُ الكتاب الذي أعطتني إياه زينب فوق الرف بلا اهتمام. لم يكن يعني لي شيئًا... حينها.
مرّت الأيام بروتينها المعتاد. صارت آية صديقتي، وتوقفت زينب عن التنمر. كل شيء هادئ، عادي، ممل بطريقته الخاصة — حتى بدأت العطلة الصيفية.
قررت العائلة السفر إلى مدينة ساحلية. وأنا أحزم حقيبتي، وقعت عيناي على كتاب زينب. أمسكته، ترددتُ، أعدته إلى الرف، ثم — بلا سبب أفهمه — عدتُ وحشرته بين ملابسي.
كانت رحلة السيارة طويلة ومملة، إلى أن توقفنا في محطة استراحة. ذهب أبي للتزود بالوقود، وبقيتُ وحدي في المقعد الخلفي، أختي نائمة بفمها المفتوح، أخي غارق في الكرتون، وأبواي في حديث لا ينتهي في المقدمة.
عندها ظهر وجه رجل، فجأة، ملتصقًا بزجاج النافذة.
قفزتُ إلى الخلف بذعر، قلبي يقفز في صدري. لكنه لم يتحرك. وقف واضعًا يديه في جيبيه، ينظر إليّ مباشرة بلا ابتسامة، بلا كلمة، وكأن الزمن توقف حوله وحده. لم أستطع أن أصرخ، لم أستطع حتى أن أرمش. حاولتُ أن أهزّ كتف أختي، لكن يدي كانت مرتجفة أكثر مما توقعت.
ثم اختفى. فجأة، كما ظهر تمامًا.
قررتُ أن أنسى الأمر. أقنعتُ نفسي أنه وهم، تعب، أو ضوء الشمس القوي. لكن شيئًا في داخلي رفض أن يصدّق ذلك تمامًا.
وصلنا أخيرًا، واستقرت العائلة في منزل واسع أطلّ على البحر. وبعد ثلاثة أيام هادئة، جاءتنا دعوة مفاجئة لحضور حفل زفاف في المدينة نفسها. فرح الجميع — كان قد مرّ وقت طويل منذ آخر عرس حضرناه.
في تلك الليلة، لم أستطع النوم. تقلّبتُ يمينًا ويسارًا، وهاتفي ميت، وذهني مستيقظ أكثر من اللازم. فتحتُ حقيبتي بحثًا عن أي كتاب يُشعرني بالنعاس، حتى وصلت يدي إلى كتاب زينب.
الصفحة الأولى بيضاء. الثانية. الثالثة. لا شيء.
نظرتُ إلى الغلاف: **"اللعبة الجميلة."**
ابتسمتُ ساخرة من العنوان الغريب، وبدأتُ القراءة رغم أنه بدا لي طفوليًا في البداية. لكنني — بلا أن أشعر — غرقتُ فيه، صفحة بعد صفحة، حتى فوجئتُ بالساعة تشير إلى الرابعة فجرًا.
أغلقتُ الكتاب، وقلتُ لنفسي إنني لن أفتحه مرة أخرى.
نهضتُ متجهة إلى السرير، وفجأة ضربتني موجة هواء باردة لم يكن لها مصدر. توقفتُ. اتسعت حدقتا عيني.
كان واقفًا أمامي، في وسط الغرفة، وكأنه كان هناك منذ الأزل.
طويل القامة، عيناه حمراوان بلون لم أره في حياتي، ودخان رمادي رقيق يتسرب من أطراف جسده كأنه يتنفس السموم بدل الهواء. مرّر يده ببطء في شعره الأسود، الأسود كليل بلا قمر ولا نجوم.
لم يبتسم. فقط رمش ببطء، وقال بصوت هادئ يقطر برودة:
**"ألا تريدين أن نلعب لعبة، يا عزيزتي؟"**
جسدي تجمّد. صوتي خرج مرتجفًا رغم أنني حاولتُ أن يبدو قويًا:
**"مَن أنت؟!"**
لم أفهم كيف ظهر. لم أسمع بابًا يُفتح، ولا خطوة واحدة. كأنه تجسّد من العدم نفسه.
جاءت العائلة مذعورة بسبب صراخي. أشرتُ بإصبعي المرتجف إلى المكان الذي وقف فيه...
لم يكن هناك أحد. لا أثر. لا رائحة دخان. لا شيء.
**"عودي إلى النوم أيتها السخيفة، أفزعتِ قلبي!"** تذمرت أختي وهي تفرك عينيها.
لم أنم تلك الليلة حتى طلعت الشمس. ومع مرور الأيام، حتى أنا بدأتُ أشكّ في ذاكرتي.
---
# الفصل الثالث: اللقاء الأول
يوم الزفاف، كان المنزل يعجّ بالضجيج والاستعدادات. لم أهتم كثيرًا بمظهري كما فعل البقية؛ فستان أبيض بسيط، ثوب خفيف مرصّع بجواهر شفافة، حزام ذهبي، وحذاء منخفض. لا مكياج، على عكس أمي وأختي اللتين بدَتا وكأنهما خرجتا من مجلة أزياء.
في القاعة، اختلطت الروائح حتى كادت تخنقني. جلستُ بجانب أمي، أراقب الرقص والغناء والضحكات من بعيد، حتى شعرتُ بالاختناق، فأخبرتُ أمي أنني سأخرج للتنفس قليلاً.
كانت الحديقة هادئة، نصف قمر معلّق في السماء، والنجوم تلمع بوضوح غير معتاد. أغمضتُ عينيّ، واستنشقتُ الهواء بعمق...
ثم تغيّرت الرائحة.
من عطر الليل الهادئ، إلى رائحة حديد صدئ ممزوجة بدخان خانق.
فتحتُ عينيّ بسرعة. كان هناك، واقفًا تحت الشجرة، نصف وجهه غارق في الظل، والنصف الآخر يراقبني بتلك العينين الحمراوين اللتين لن أنساهما أبدًا.
اقترب ببطء شديد، خطوة تلو الأخرى، حتى غطّى جسده الضوء عني بالكامل. رفع رأسه بتعالٍ ونظر إليّ من الأعلى.
**"لماذا صرختِ في المرة السابقة؟ كان الأمر مزعجًا..."**
ابتلعتُ ريقي. لم أستطع حتى أن أتراجع خطوة.
**"أنتِ خائفة؟"** هزّ كتفيه بتعجب مصطنع. **"لستُ قبيحًا إلى تلك الدرجة."**
لم يكن الخوف من شكله وحده. كان من هدوئه المرعب، من الطريقة التي يتحدث بها وكأن كل هذا طبيعي تمامًا، ومن يقيني المفاجئ أنني لستُ في حلم هذه المرة.
عندها، ظهرت من خلفه — بلا صوت، بلا مقدمات — امرأة بشعة الملامح، شعرها منفوش كعشّ غراب متعفن، أنفها معقوف، جسدها الناحل ملفوف برداء رمادي ممزّق. كشفت عن أسنانها الصفراء وهي تضحك ضحكة خشنة أشبه بصرير باب صدئ.
**"هيهي... لماذا تخافين منّا؟"**
تقدّمت خطوة، ومالت برأسها بزاوية غير طبيعية، كأن رقبتها لا تحمل مفصلًا واحدًا سليمًا. ثم، وبصوت أهدأ من الهمس، سألت:
**"ألا تريدين أن تلعبي... لعبة الموت؟"**
تجمّد الهواء في رئتيّ. غطّيتُ فمي بيدي المرتجفة، وقلتُ بصوت لا يكاد يُسمع:
**"أ... من أنتم؟"**
Hanane