سقطت أرضاً من شدة الإنهاك. قدماي ملتهبتان. أغمضت عيني بيدي واستسلمت لمصيري في جوف ذلك الوحش المقزز.
لكنني فوجئت بصمتٍ مفاجئ. حركت خنصري وفتحت عيني قليلاً لأرى ما جرى...
فإذا بالوحش فاقد الرأس، وسيف جاكن يقطر دماً.
اقترب مني حاملاً سيفه على كتفه وقال بازدراء:
*"إنه وحش من الرتبة الدنيئة . بف... يا لضعفك.
كان يتحدث عن الضعف ببرودٍ بينما الدماء تلوث المكان من حولنا. ثم أمسك بيدي التي كانت لا تزال على عيني، وحملني على كتفه بيدٍ واحدة.
صرخت بكل ما تبقى في حنجرتي الملتهبة:
بوصلته في يده دائمًا ويحك رأسه باستمرار كأنه القائد.
أما *آية* فكانت تنظر ل النار... كأنها من فوق رأسها هما
أظن أن هذا جسد البشر يعوقها. لا تقدر أن تتحول لروحها الحقيقية القديمة.
لم أسألها أبدًا عن اسمها الحقيقي أو عن شكلها القديم.
لكني أناديها "آية"... حتى *جاكن* و *حسن* ينادونها بآية.
حلّ الليل.
وحقن الرياح كانت تدخل جسدي. لا حضت ...أن حتى آية تشعر بالبرد.
كان كل شيء عاديًا صباحًا.
لم نأكل شيئًا. لا توت مر ولا غيره. فقط قليل من الماء.
ثم مشينا... ومشينا... ومشينا... في طريق طويل لم تكن له نهاية.
درت بينما أمشي وأنا هلكت من التعب.
قلت لـ *حسن*: "يا حسن لقد قلت أننا وصلنا! كيف لم نصل بعد؟ قلت أننا قريبون!"
*آية* قطعت كلامي: "آه يتوقف عن التذمر. أنتِ دائمًا تتذمرين."
قلت لها باستهزاء: آه أنا لا أتذمر. انظروا من يتذمر هنا! ما مشكلتك معي؟
ليلى: ألا يوجد عندكم سيارات او دراجات او حتى عربات بدائية
أية: اتضنينا أننا في ارض البشر
ليلى: على الاقل حمارنركبه
حين وهوا يضحك: لا نحتاج لهاده الأشياء
أية تقاطع كلام حسن: العربات و الأحصنة للملوك أما حمار فبحثي عنه في قرية او ماشابه …
*جاكن وهو يقطع كلامنا وهو ينظر لبوصلته التي أخرجها من جيبه قال: "آه نحن قريبون جدًا. لم يمر طويلًا. طويل جدًا. هل شعرتِ بالطريق طويل ياليلى؟ أظن هذا لأنك إنسانة.
ضربت جبهتي ببطء وأجبت: "نعم أنا إنسانة. طبعًا. كل شيء صعب بالنسبة لي هنا. المشي بسرعة وأنتم تمشون عادي. أشعر بالطريق والإعياء... أشعر بالتعب الشديد."
حتى وقف *جاكن*.
التفت جاكن إلينا، وكانت عيناه جادّتين لأول مرة.
وقال: عليكم أن تستعدوا للرياح والثلج القارص.
إن الطريق إلى البلدة طويل. وسندخل مقهى لنستريح قليلاً... لأن اللعبة ستبدأ، ولا نعلم متى سيظهر الوحش.
فإن بقينا في الغابة ابتلعتنا. وقد انتهت اللعبة الأولى فيها.
فضربتُ على صدري بحزم وقلت: لا بأس. أنا بخير. هذا الجلد يدفئني.
فقاطعتني آية فورًا: أيتها الحمقاء! إن الثلج هنا قاتل.
سيتجمد دمك، وتتوقف دورتك الدموية فتهلكين. وحتى الكلاب والذئاب البيضاء ستفترسك.
فارتجفتُ خوفًا.
وصاح حسن: يا آية، كُفّي عن إخافتها! لا تخافي، ستكونين بخير..حتى بكلمات حسن المطمئنة كان كل شيء يسد الروح من يوم وصولي لهاءا المكان وتورطي بلعبة لا أدري عليها حتى
خطونا خطوة الألةى داخل بلدة الشمال
كانت الريح تعوي بين الأشجار كأنها ذئاب جائعة.
وكان الثلج يتساقط إبراً صغيرة تخترق الوجوه.
سرتُ في المؤخرة، أجرّ قدميّ بصعوبة. كل خطوة كانت تغوص في الجليد حتى الركبة.
أنفاسي تخرج ضباباً أبيض، وتتجمد على طرف وشاحي الجلدي.
وفجأة، توقف جاكن.
رفع يده إشارة للصمت. فتوقفت الريح كأنها سمعت أمره.
قال بصوت منخفض: انظروا.
وعند منعطف الطريق... ظهرت.
بلدة.
لم تكن كأي بلدة رأيتها.
بيوت من خشب داكن، مغطاة بطبقة سميكة من الجليد المتجمد.
والأسطح مائلة كي ينزلق الثلج.
ومن مداخنها يتصاعد دخان أبيض يختلط بضباب السماء.
كانت الألوان كلها باهتة: الأبيض، الرمادي، الأزرق القاتم.
كأن الحياة نفسها تجمدت هنا.
وقفنا على التلة ننظر إليها.
ارتجفتُ وقلت: أهذه بلدة؟
فأجاب جاكن وعيناه على الأفق: أجل. بلدة أجايا الحدودية.
هنا نستطيع أن نتنفس قبل أن تبدأ اللعبة.
تقدمت آية خطوتين.
وكان العجب...
نصف جسدها الأيمن يتوهج بلهب خافت أزرق، يذيب الثلج حول قدميها.
ونصفها الأيسر متجمد، عليه قشرة صقيع.
كانت تتنفس ناراً من جانب، وزمهريراً من الجانب الآخر.
همستُ في نفسي: قوة النار. إنها تحترق من الداخل كي لا تموت من الخارج.
اقترب حسن مني. خلع عن كتفه فرواً ثقيلاً وألقاه عليّ.
قال: تغطي. البرد هنا لا يرحم الضعفاء.
دخلنا البلدة.
البلدة كانت قبراً أبيض.
بيوت خشبية طويلة ، غارقة في الثلج حتى النوافذ.
أسطحها مائلة، والدخان يخرج منها كأنه آخر نفس.
لا ألوان. لا صوت.
فقط بيوت من الخشب .
الهواء يقطع الوجه.
والأرض تحت قدمي ليست أرضاً... بل جليداً يصرخ مع كل خطوة.
ومع أول خطوة عبر البوابة الخشبية، ضربنا دفءٌ مفاجئ.
كأننا انتقلنا من الجحيم الجليدي إلى حضن دافئ.
كان المقهى في وسط الساحة.
لافتته الخشبية تتأرجح وتقرع بفعل الريح: مقهى الذئب الأبيض.
دفع جاكن الباب.
فاندفع إلينا بخار دافئ تفوح منه رائحة القهوة المحمصة والخشب المحترق.
داخل المقهى... النار مشتعلة في موقد كبير.
والناس جالسون يرتدون الفراء، يهمسون ولا ينظرون إلينا.
Hanane