برنق

برنق

12 0

كانت الصدمة... قِطّ يتكلم! أو بالأحرى كائنٌ يشبه القط، أسود اللون، مزخرفٌ بنقوشٍ ذهبية غريبة على ظهره، جالسٌ جلسة القطط، يلعق يديه وينظف وجهه.

لم تعد رجلاي تحملاني، فسقطتُ على الرمال الصلبة وأنا أرتجف من الخوف. لم يمر وقت طويل على الوحوش التي كادت تلتهمني. كنت ميتة لولا الساحرة التي أعادتني للحياة، فعدتُ أستعيد كل لحظة عشتها من جديد. انحنى رأسي ونزلت دموعي دون أن أشعر، وقلت له بارتجاف:

ـ أتريد قتلي؟

نهض وهو يمشي على قوائمه الأربع مثل القطط، يقترب مني وأنا أحبو إلى الخلف متراجعة.

ـ لا تقترب مني.

ـ لماذا لا أقترب منك؟ هل أنت خائفة مني؟ لم أرَ قط شخصًا يخاف من كائن ضعيف مثلي، حتى هالتي خافتة.

ما إن أنهى كلامه حتى أعادتني الذاكرة إلى الساحرة التي كانت تحدثني عن نقاط القوة والهالات. قاطع تفكيري بكلماته التي جمدت جسدي من الخوف:

ـ يبدو أنك لست من مملكة أجايا. إذًا ليس لديك هالة. أنت ضعيفة حقًا، لم أرَ في حياتي من هو أضعف منك. لا بد أنك كائن ليس من هنا.

ـ لا، لست من هنا... يا قط الشوارع.

قبضتُ حفنة من الرمال وقذفته بها، ثم وقفت على قدمي وهربت مسرعة. قفز عليّ وجرني حتى سقطت أرضًا.

ـ أيتها البشرية اللعينة! كيف تجرؤين على رمي الرمل في عيني؟ أتظنين أن هذا سيوقفني؟

ـ انتهى أمري. حتى أنت تعرف أني بشرية.

ـ أعرف ذلك منذ البداية. كنت فقط أللعب بعصابك. ههه.

ضحك ضحكة غريبة ثم تابع:

ـ أنا هو الكتاب الذي أحضرك إلى هنا، وهذا شكلي الحقيقي. أنا من مخلوقات "البراقين". لا تخافي، أنا مسالم، ومن يمتلكني أطيع أوامره.

سقطت فوق الرمال مستلقية على ظهري، أنظر إلى نجوم السماء المشعة، وأنصت لكلامه محاولة فهمه كاملًا. لم أُصدَم منه ولم أعد خائفة منه ، فقد عرفت ذلك من الساحرة أن الكتاب يفتح بوابات وسوف يقوم بإعادتي للفيلق ،

ليلى - لكنها لم تخبرني أن الكتاب يتحول إلى كائن.

أمسكني من قدمي وهو يجرني:

توقف عن جري دعني فقط مستلقية أنا متعبه بالفعل.

ـ يا إلهي، أنت بشرية ثقيلة.

ـ توقف عن قول ذلك أيها اللعين.

ـ ألا تعلمين أنني من البراقين؟ لا أملك قوة كافية لحملك.

ـ ليس لدي طاقة للمشي. أشعر بتعب شديد، أريد العودة إلى المنزل فقط.

ـ كان عليك أن تفكري في ذلك قبل أن تفتحي صفحاتي.

انتزعتُ قدمي من فمه، ووقفت أنظر إليه:

ـ كيف وصلت إلى عالم البشر؟

أجابني وهو يتكلم ويحرك يديه مثل البشر ـ لا أعرف شيئًا. أنا ملعون لأتحول إلى كتاب متجمد لآلاف السنين.

-يالك من ضريف انت مثل القطط.

-قلتلك أني ملعون وتقفي بمعاملتي ك قط أنا من براقين.

ـ حسنا حسنا…. من لعنك؟

ـ إنها ساحرة شمطاء. لو التقيتها لقتلتها. لقد سرقت حياتي، وكان عليّ أن أعيش كتابًا متجمدًا.

نظرت إليه فرأيت الغضب في عينيه، وعرفت أنه يتحدث عن الساحرة التي أنقذت حياتي. مشيت باتجاه المنارة ولم أرد عليه. لا أريد أن أكذب عليه أو أخدعه.

-ليلى :هيا تعال، لا تستطيع المشي.

ثم رأيت شيئًا جديدًا عليّ كان : يحلق في الهواء ويتجه نحوي. وصل عندي وقال:

ـ لا أستخدم قدمي. أنا من البراقين، نحن نطير.

ـ أوه، هذا رائع...هاهاهاهاها لقط طائر.

ـ لست قطًا. احترم نفسك.

ـ هاهاهاهاها كل مواصفات القطط فيك...

ـ توقفي عن مزاحك السخيف.

وصلنا إلى عمود المنارة. كان الكتاب غير موجود، وقد اتخذ هيئة قط أسود مخطط مغرور بفصيلته. جلسنا تحت الإنارة.

ـ أنا سعيدة بوجود شخص يرافقني. كنت وحيدة هنا.

ـ وأنا أيضًا كنت وحيدًا منذ زمن، وأنت كسرتِ تجمدي.

ـ هل انتهت لعنتك؟

ـ لا، ما زلت أتحول إلى كتاب. وقد أعود كتابًا متجمدًا إذا متِ.

ـ هاها... يعني لعنتك المتجمدة معتمدة على حياتي.

ـ نعم أيتها السخيفة. لذلك لا تموتي أرجوك. لم أرَ ضوء الشمس وألوان الحياة منذ زمن.

ـ حسنًا، عرّفني بنفسك. ما اسمك؟

ـ أنا من البراقين. ليس لدينا أسماء، ينادوننا بالأرقام فقط. وقد نسيت رقمي.

ـ سأطلق عليك اسم "برنق". ما رأيك؟

ـ مهما يكن، لا يهمني. وما اسمك أنت؟

ـ اسمي ليلى.

ـ يا له من اسم قبيح.

ـ اخرس يا برنق.

ـ المهم، كيف أعود إلى الفيلق؟ لقد مر بالفعل شهران وأسبوع وأنا غائبة عن اللعبة. لا بد أنني خرجت منها.

ـ لا، اللعبة تخرج المتوفين فقط. وأنت ما زلتِ حية.

أما بالنسبة للعودة إلى الفيلق، فلا يمكنني إعادتك . الفيلق خاض الآن لأغلبية الألعاب، وهو في العاصمة. والعاصمة فيها قصر الملك أجايا، محمية بقوة خارقة. حتى بواباتي لا يمكنها إدخالك إليها. عليك أن تذهبي من بلدة الشمال إلى العاصمة.

ـ آه يا لحظي السيء.

إذا هلّ علينا السلك طريق من بلدة الشمال إلى العاصمة، حيث الفيلق.

- نعم الطريق طويلة، لكن مع وجودي أنا سيكون قصيراً.

- أنظر إلى ابتسامتك المغرورة.

- حتى الغرور يناسبني.

- آه يا إلهي، حتى القطط صارت مغرورة!

- أحم... لستُ قطاً، أنا من عائلة البراقين العظيمة.

- ممكن أن تتوقفي عن ثرثرتك وتفتحي بوابةً لبلدة الشمال اللعينة؟

- حاضر حاضر يا آنستي.

في لحظات بدأ برنق في التحول إلى بوابة اتسعت على هيئة دائرة كان لونها أسود. اقتربتُ ومددتُ إصبعي أتحسس البوابة الغريبة.

*ليلى*: لماذا هي لزجة هكذا؟ تبدو كسائل أسود، هذا مقرف!

ولماذا ليست مثل البوابات السابقة التي تكون عبارة عن دخان وتجرني للداخل؟

*برنق*: توقفي عن التنمر وادخلي. ستنتهي مهلة البوابة في خمس دقائق، ولا أستطيع فتحها إلا بعد مدة طويلة. تلك بوابة الدخان تُستعمل للتنقل بين الأماكن البعيدة أو العوالم الأخرى فقط، أما آخر بوابة دخان نقلتكِ فلا أعرف... عليها شيء.

*ليلى*: إذاً لم تكن أنت من فتح البوابة، فمن إذاً؟

- ادخلي بسرعة، لا وقت لأفكارك السخيفة.

- حسناً حسناً، سأدخل.

وضعتُ قدمي اليمنى أولاً واندفعتُ بقوة حتى سقطتُ على وجهي فوق الثلج الأبيض. برد السقيع الذي ينهش العظام، والرياح القوية التي تُزَفْزِفُ بصوتها العالي. نهضتُ وأنا أرتجف، ممسكةً بذراعي حولي، لأتفاجأ باختفاء برنق. صرختُ مناديةً له وأنا أرتجف من برودة الجو حد الموت، وحتى الرؤية كانت ضبابية بسبب سقيع الثلج الأبيض حولي.

- برنق أين أنت؟... سأموت من البرد!

نظرتُ خلفي متفاجئةً بتوهجه مثل اللهب. كان جسده عبارة عن مدفأة دافئة. اقترب مني وجلس على كتفي حتى انتشر الدفء في كل جسمي.

- لا عليك، سأوفر بكِ الدفء. لن أجعل سيدتي تموت من البرد القارص. سيكون من المحرج أن يقولوا إنكِ متِّ متجمدة، سيسخرون مني البراقين الأخرى.

- *ليلى*: اخرس يا قط الشارع! أكيد سأموت متجمدة، فأنا مجرد بشرية، لستُ وحشاً من هنا.

- *برنق*: هيا هيا، استمري في المشي ولا تخجلينا.

- *ليلى*: صبر يا إلهي صبر.

كنتُ أضع قدمي والثلج كان يذوب في الثانية كأنني في منزل فيه مدفأة. احتجتُ فقط لحليب بالشوكولاتة. لم أتوقع أبداً أن كائناً صغيراً مثله لديه مثل هذه القدرة. استمرينا في المشي بصمت، مع برنق الذي كان فوق كتفي ملتصقاً. طوال الطريق لم تكن لي طاقة كافية للاستمرار، فكنتُ أجلس مرات، وأكل القليل من الخبز الذي قدمته لي الساحرة.

*ليلى*: برنق هل تسمعني؟

*برنق*: أسمعك، ماذا هناك؟

*ليلى*: هل اقتربنا؟ نحن بالفعل وسط أرض مليئة بالثلج فقط، ولا أرى أي منازل. هل ستفتح بوابة أخرى؟

- لا، مازلتُ أحتاج إلى طاقة أكثر حتى أفتح بوابة أخرى. لقد استهلكتُ كل طاقتي بالفعل...

في اللحظة التي كنتُ سأجيب فيها على برنق، حتى أسمع صوتاً عالياً جمد الدم في عظامي من شدة الخوف:

*"ها هي هناك... البشرية"*

مجموعة من الرجال مع ذئابهم البيضاء المفترسة متجهون نحوي

*برنق* وهو يفتح عينيه ببطء: اهربي.

مسكتُ سروالي رافعته لفوق، وجرّبتُ كل ما عندي من قوة.

- من يوم ما حطيت رجلي في هذا العالم وأنا أهرب.

- لا عليك يا ليلى، الهروب نصف الرجولة.

- لستُ رجلاً، افعل شيئاً!

- آسف، ولكن قوتي انتهت بالفعل.

- انتبهي، الذئاب أمامنا!

- ماذا؟ ذئاب من القطب الجليدي؟ لم أراهم حتى في حديقة الحيوان، والآن يريدون أكلي.

توقفتُ أمامهم بكل شجاعة،

ليلى: لكن حان وقت التوقف عن الهروب.

أمسكتُ سيفِي ساحبته من الغمد.

*برنق*: إنه مجرد نصف سيف صدئ، كيف ستواجهين به؟ هل أنتِ خرقاء؟

- أتعرف يا برنق؟ كنتُ في عالمي الأصلي في الجيم، وكنتُ أيضاً أتعلم الكاراتيه. وهذا السيف ليس نصف سيف صدئ، إنه سيف الكتاليا القديم! هياااا

سرعان ما تحول السيف إلى سيف يبرق من شدة اللمعان، خفيف مثل الريشة، وحاد مثل خيط رقيق.

- هيا بسرعة، اقطعي رأس الذئاب.

- لكن لم أقتل أي كائن من قبل، حتى نملة!

- سيقتلونكِ وأنتِ تفكرين هل ستقتلينهم أم لا؟ هل أنتِ مجنونة؟

- حسناً حسناً... أولاً شهيق زفير، ثانياً إمساك السيف بقوة، وأخيراً قفز...

القفز العالي وضغط على نقطا القوة في كل رجل

ليلى: أسفة أيها الذئب كان بدل قتلك اخدك إلى حديقة حيوان والإعتناء بك لكن أنضر للقدر.

لم اشعر ب ضربة السيف حتا رأيت رأس الدئب مفصول على جسده.

سرعان ما هربو الذئاب الأخرى هاربين من الخوف.

*برنق*: يا للهول! لقد قتلته.

كان سيفي ملطخاً بدماء الحيوان، والثلج تحته صار أحمر من الدماء المتناثرة.

كنت أرتجف... لم أشعر بهذا من قبل. كان قلبي يخفق بقوة من النشوة. للمرة الأولى أحمي نفسي، وأحمي شخصاً معي. وبدأت ابتسامة صغيرة ترتسم على وجهي.

وفجأة... ظهر شخص أمامي. طويل القامة، يمسك سيفه.

فتجمد الدم في عروقي.

تراجعت خطوة للوراء، ثم استدرت لأهرب، فوجدته أمامي من جديد. بنظرات ثقيلة وباردة. لم ينطق بكلمة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين

المؤلف Hanane
2026/09/23 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة