بوابة الدخان

بوابة الدخان

13 0

استيقظتُ على وجهين.

الأول هو الوجه الذي صفعته منذ مدةٍ قصيرة، والثاني غريبٌ عني.

اندهشا عندما فتحتُ عيني.

جاكن: ها! ها أنتِ تفتحين عينيكِ يا شهرمون. كيف تخسرين في لعبةٍ بسيطةٍ كهذه؟

حسن: اصمت يا جاكن. تبدو ليست بخير.

سكتُّ وأنصتُّ لهذين الأحمقين، وأنا أفكر: من هي شهرمون هذه؟

جُلتُ بعينيّ في المكان. كنا في غابةٍ خضراء كثيفة.

اعتدلتُ في جلستي ونظرتُ إلى الشخص الذي أنقذني. كان ضخم القامة، مفتول العضلات، حنطي البشرة، له شعرٌ بني وعينان بنيتان، وابتسامةٌ عريضة لا تليق بالموقف.

أما الشخص الذي بجانبه... فعرفتُ الآن أن اسمه جاكن. لم يكن غريبًا عني، فقد رأيته كثيرًا من قبل.

بصراحة، كنتُ خائفةً من وجودي مع رجلين غريبين. لم أفهم شيئًا. كان رأسي يؤلمني.

كل ما فهمته أنني بعيدةٌ عن عالمي الطبيعي، عالم البشر. أنا هنا... ألعب لعبة الموت. إما أن أموت، أو أحافظ على حياتي للعبةٍ تالية.

حسن: اسمي حسن بن الحسين بن محمد، لكن ناديني "حسن".

ثم نطق مجددًا:

حسن: أنتِ من فريقنا، صحيح؟ شهرمون. نحتاج فقط إلى بقية الفريق.

لم تكن لديّ طاقةٌ لأجادله. كانت طاقتي خائرة تمامًا، ولم يكن لي خُلقٌ لأي شيء.

ليلى بصوتٍ هادئٍ ومرتجف: من هي شهرمون؟ أنا ليلى.

نظر الاثنان إلى بعضهما بدهشةٍ واستغراب.

جاكن: يبدو أن شهرمون لم تأكل روح هذه الإنسانة بعد.

حسن: أظن ذلك. إنها مجرد إنسانةٍ عادية. حتى إنها مريضةٌ بالفعل.

ضرب جاكن رأسه بيده وقال:

جاكن: ماذا حدث يا شهرمون؟ أيُعقل أنكِ أنتِ حقًا؟

سكت قليلًا، ثم حكَّ مؤخرة رأسه وقال:

جاكن: آسف أيتها الإنسانة... يبدو أن شهرمون قد ماتت. أممم... وأنتِ أيضًا ستموتين قريبًا...

الفصل الخامس: لقاء آية

كان المكان هادئًا رغم أنه غابة.

لا طيرٌ يحلق، ولا حيوانٌ يتحرك. حتى الريح بدت كأنها تحبس أنفاسها.

جلستُ بصمت أترقب الوضع، وعيناي معلقتان على جاكن، الذي بدا وكأنه ينتظر قدوم أحدهم.

أما حسن، فكان جالسًا يحدُّ سيفه بهدوءٍ قاتل، وشرارة الغضب لا تفارق عينيه.

كنت أفكر في كلام جاكن عن موتي لأنني بشرية، وكانت الكثير من الأسئلة تشغل بالي: ما هذه اللعبة؟ من هؤلاء الأشخاص من حولي؟ هل أنا أحلم؟

قلت في نفسي:

لا... لا، الألم الذي شعرت به والخوف ليسا حلمًا بالتأكيد...

وفجأة... انشق العشب.

ظهرت بين الأشجار.

وجهها؟ لا، لم تكن غريبةً عليّ. لكنها لم تكن أيضًا تلك الفتاة التي عرفتها من قبل.

إنها آية.

قلت في نفسي: يبدو أن روحها قد التهمتها يدٌ أخرى.

كانت ملامحها حادةً وقاسية، رغم ما بدا عليها من إعياء. وكانت تحمل قوسًا وسهامًا على ظهرها، وعيناها تمسحان المكان كصيادة.

ثم نطقت بصوتٍ حازم وهي تخرج من وسط العشب:

آية: لم أظن يا جاكن أن فريقك سيكون ضعيفًا هكذا. ماذا تفعل بشريةٌ هنا؟ لم يحدث هذا من قبل. ولا إنسان تجرأ أو سُمح له بدخول مملكة أجايا.

وساد الصمت من جديد... إلا من صوت أنفاسي المتسارعة.

جلستُ جلسةً معتدلة، وأطلقتُ تنهيدةً طويلة، وعيناي لا تفارقان جاكن.

آية: شهرمون... ماذا حدث لها؟

جاكن: لا أعلم. ظننتُ أنها استحوذت على روح هذه البشرية، لكن لا يبدو ذلك.

آية: كل ما في الأمر أنها احتاجت إلى جسدٍ بشري. وما الصعوبة في ذلك؟ أنت تعلم جيدًا يا جاكن أننا نحتاجها في الفريق، أليس كذلك؟

حكَّ جاكن رأسه بتثاقل، ثم حوّل نظره نحوي، وأعاده إلى آية.

جاكن: شهرمون ليست مجرد فردٍ من الفريق. إنها شخصٌ مهمٌّ لنا... إنها حبيبتي، وهي تعني لي الكثير.

توقفت أنفاسي.

نظرتُ إليهما بدهشة، وفهمتُ فجأةً التشابك الزمني الذي وقعتُ فيه.

كلمة "حبيبتي" منذ لقائنا الأول، وتلك الصفعة التي تلقاها مني...

قلت باستخفاف، وصوتي يرتجف بين الغضب والخوف:

ليلى: ها! حبيبة؟! لا تتوقعوا مني الكثير، يا سارقي الأجساد الحقيرين. كيف طاوعتكم قلوبكم على قتل أرواح الناس وأخذ أجسادٍ ليست لكم؟!

ما إن سمعت آية ذلك حتى اشتعل الغضب في ملامحها. أمالت رأسها وقالت ببرودٍ قاتل:

آية: الضعيف يموت. لا مكان للضعفاء هنا، أتفهمين؟...

صمتت لحظة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ خبيثة.

آية: وحتى كلمة "حقيرين" تليق بنا تمامًا.

خيّم الصمت الثقيل مرةً أخرى، لا يقطعه إلا صوت ورقةٍ تسقط.

قطعه صوت حسن وهو ينهض من مكانه ببطء:

حسن: يكفي. أين بقية الفريق؟ وليس علينا أن نترك هذه الفتاة وحدها هنا. إنها بشرية، وإن علم الملك بأمرها فلن تكون عقوبتنا هيّنة. اكتموا السر فقط.

آية: أنا لا أهتم لهذه البشرية اللعينة.

وقف جاكن بدوره، وأدخل سيفه في غمده بحركةٍ حاسمة، ثم قال بنبرة القائد:

جاكن: هيا، لننطلق.

حسن: أين نتوجه؟ الشمال أم الجنوب... أيها القائد؟

وساد الصمت مرةً أخيرة، كأن الغابة نفسها تنتظر الجواب.

في قلب الغابة

نطق جاكن بصوتٍ حازم، وقد تجهم وجهه:

جاكن: لن نتجه جنوبًا الآن. سنمضي شمالًا بحثًا عن بانزو. إنه فردٌ مميزٌ في الفريق.

حكَّ رأسه بثقل وتابع:

جاكن: لكنني لا أدري أين هو الآن.

انخرطوا بعدها في أحاديث متفرقة عن أشخاصٍ وأماكن لا أعرفها. تجاهلتهم، وجعلتُ أنظاري تجوب الغابة الصامتة من حولنا. لم يكن يقطع سكونها سوى أصواتنا.

أشار جاكن بيده وقال باختصار:

جاكن: تحركوا شمالًا.

فانطلقوا بخطى ثابتة وسريعة. أما أنا، فكنت أهرول خلفهم لألحق بهم، بينما كانوا يسيرون وكأن شيئًا لم يكن.

وكلما أنهكني التعب، جلستُ على جانب الطريق ألتقط أنفاسي.

قلت في نفسي وأنا أتصبب عرقًا وألهث من شدة الإعياء:

إنهم ليسوا بشرًا عاديين... لماذا أنا وحدي الضعيفة؟ لو امتلكتُ ولو قوةً ضئيلةً في هذا العالم، لكان الأمر أهون. يا ليتني أعود إلى سريري الدافئ، وإلى طعام أمي، وإلى حضن عائلتي.

قالت آية بحدة وهي تلتفت إليّ:

آية: انهضي. ليس لدينا وقتٌ لنضيعه في استراحاتك المتكررة.

فرددتُ عليها بلسانٍ لاذع:

ليلى: اصمتي أيتها السارقة. لستُ مخلوقةً قبيحةً مثلك. إن لي قدمين من لحمٍ ودمٍ تتألمان.

لم تمضِ ثوانٍ حتى رأيتُ وجه آية يحمرُّ غضبًا. سحبت سهمها ووجهته إلى صدري قائلةً:

آية: نهايتك على يدي. كيف تجرؤين على نعتي بالقبح، أيتها البشرية؟

اتسعت عيناي رعبًا، وتراجعتُ إلى الخلف وأنا أرتجف.

قلت في نفسي: عليَّ أن أكفَّ عن استفزازها... إنها ليست بالهينة.

وفجأة، كسر الجمود صوت ضحكة حسن المدوية.

حسن: يا آية، لم أركِ تغضبين من قبل. وهذا التعبير اللطيف يليق بكِ حقًا.

فاحمر وجه آية خجلًا، وحولت السهم نحوه بدلًا مني، بينما ظل حسن يمازحها ويستفزها غير آبه.

لم يستمر الأمر طويلًا حتى اهتزت الأرض تحت أقدامنا.

وشقَّ باطنها كائنٌ هائل لم أرَ له مثيلًا. كان ضخمًا كالفيل، بأنيابٍ حادةٍ وحراشف بارزةٍ مقززة. كان أبشع وأرعب ما رأت عيناي في حياتي.

انقضَّ نحوي زاحفًا كالتمساح، ففررتُ بكل ما أوتيتُ من قوة في الاتجاه المعاكس وأنا أصرخ:

ماذا يحدث لي هذا؟ يا إلهي! لماذا أنا المنحوسة؟ تركتم ثلاثة أشخاص وتبعني أنا! أريد أمي!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين

المؤلف Hanane
2026/09/23 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة