لم تكن السماء في ذلك العالم زرقاء.
كانت شيئًا آخر تمامًا.
امتدت أمام سيليستين على هيئة بحر هائل من الغيوم البيضاء والوردية، تتخللها خيوط ذهبية من الضوء، وكأن الشمس قد ذابت في مكان ما خلف الأفق وتركت بقاياها معلقة في السماء.
لم تكن هناك أرض تحت قدميها.
ولا جدران.
ولا سقف.
فقط مساحة سماوية لا نهاية لها، هادئة إلى درجة تجعل المرء يسمع صوت أنفاسه.
وفي وسط ذلك الفراغ، كان هناك كرسي ذهبي.
جلست سيليستين عليه وحدها.
كان ظهر الكرسي مرتفعًا ومزينًا بأغصان دقيقة من الذهب، تتدلى منها حبات كرز حمراء صغيرة، لامعة كأنها مصابيح مصغرة.
ارتدت فستانًا أسود طويلًا من طبقات الدانتيل، تتداخل فيه خيوط فضية وحمراء. كانت أكمامه واسعة، وحوافها مزينة بزهور صغيرة بلون النبيذ. أما شعرها الداكن فكان مرفوعًا بعشوائية أنيقة، تتخلله أزهار بيضاء وحبات كرز حمراء.
حولها، انتشرت الأوعية.
عشرات الأوعية.
ربما مئات.
كلها ممتلئة بالكرز الأحمر.
بعضها من الخزف الأبيض المزخرف بالذهب، وبعضها من الفضة، وبعضها من الزجاج الشفاف الذي جعل الحبات تبدو وكأنها معلقة داخل قطرات من الضوء.
كانت حبات الكرز في كل مكان.
على الطاولة الصغيرة إلى جوارها.
على الأرض.
فوق درجات قصيرة لا تؤدي إلى أي مكان.
حتى بعضها كان يطفو في الهواء، يدور ببطء بين الغيوم.
مدت سيليستين يدها نحو أقرب وعاء.
أخذت حبة كرز.
تأملتها.
كانت حمراء، ناعمة، ومثالية.
ثم أعادتها إلى الوعاء.
لم تكن جائعة.
لم تكن تشعر بالملل.
كانت تنتظر.
ومنذ وقت طويل، لم تكن تعرف كم مضى من الوقت.
في هذا العالم، لم تكن الساعات تعمل كما ينبغي.
أحيانًا كان الصباح يستمر دقائق.
وأحيانًا كانت غيمة واحدة تعبر السماء ببطء، وحين تختفي تكون قد مرت أيام.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
الباب.
كان يقف أمامها على مسافة قصيرة.
باب أخضر داكن، قديم المظهر، بإطار خشبي عريض مغطى بنقوش ذهبية دقيقة.
لم يكن متصلًا بجدار.
لم يكن هناك بيت خلفه.
ولا قصر.
ولا ممر.
فقط باب قائم وحده في منتصف السماء.
وخلفه...
سماء أخرى.
كانت سيليستين تراها من خلال الفتحة الصغيرة أسفل الباب، ومن الشقوق حول إطاره.
سماء مليئة بالغيوم.
لكنها لم تكن غيوم عالمها.
كانت أكثر لمعانًا.
وأبعد.
وفي بعض اللحظات، كانت ترى شيئًا يتحرك خلفها.
طائرًا بعيدًا.
جزيرة معلقة.
أو ربما مدينة.
لم تكن متأكدة.
نهضت من كرسيها.
اقتربت من الباب.
خطوة.
ثم أخرى.
توقفت أمامه.
وضعت أصابعها على المقبض الذهبي.
كان باردًا.
همست:
"إلى أين تأخذني؟"
لم يجبها أحد.
بالطبع.
فالسماء لا تجيب الأسئلة.
لكنها في تلك اللحظة سمعت صوتًا.
طَق.
تجمدت أصابعها.
جاء الصوت من خلف الباب.
ثم مرة أخرى.
طَق.
ثم ساد الصمت.
نظرت سيليستين إلى المقبض.
لم تتحرك.
بعد لحظات، جاء الصوت للمرة الثالثة.
طَق.
هذه المرة لم يكن من خلف الباب.
كان من مكان أقرب.
التفتت.
كان أحد أوعية الكرز يهتز.
بهدوء.
حبة واحدة في وسط الوعاء بدأت تتحرك.
تدحرجت فوق الحبات الأخرى.
ثم سقطت على الأرض.
تدحرجت ببطء حتى توقفت عند قدميها.
انحنت سيليستين والتقطتها.
حدقت فيها.
كان على سطحها شيء لم تره من قبل.
علامة صغيرة.
نقطة سوداء على شكل مفتاح.
رفعت رأسها نحو الباب.
لأول مرة منذ أن جلست على ذلك الكرسي، شعرت بالخوف.
ليس خوفًا كبيرًا.
بل ذلك النوع الهادئ من الخوف الذي يأتي عندما تعرف أن شيئًا ما قد تغير، حتى لو لم تعرف ما هو.
اقتربت من الباب مجددًا.
هذه المرة لم تلمس المقبض.
فقط وقفت أمامه.
ثم حدث شيء غريب.
بدأت الغيوم خلف الباب بالتحرك.
ابتعدت ببطء.
وانفتح بينها ممر من الضوء.
ظهرت في نهايته مدينة بعيدة.
مدينة معلقة في السماء.
أبراجها ترتفع فوق الغيوم، ونوافذها تلمع تحت ضوء شمس ذهبية.
حدقت سيليستين فيها دون أن تتنفس تقريبًا.
ثم رأت شيئًا آخر.
شخصًا.
كان يقف عند أحد أبراج المدينة.
بعيدًا جدًا.
لكنه كان ينظر مباشرة نحو الباب.
ثم رفع يده.
وفي يده...
حبة كرز حمراء.
تراجعت سيليستين خطوة.
سقطت الحبة التي كانت تحملها من يدها.
وعندما لامست الأرض، انطفأت كل الأضواء الذهبية حولها.
وساد الصمت.
ثم...
دق الباب من الجهة الأخرى.
دقّة واحدة.
انتظرت.
دقّة ثانية.
وضعت يدها على صدرها.
ثم جاءت الثالثة.
دقّة ثالثة.
وفي اللحظة نفسها، تحرك مقبض الباب وحده.
ببطء.
بدأ الباب ينفتح.
ولم يكن خلفه درج.
ولا ممر.
ولا غرفة.
كان هناك عالم كامل.
سماء لا نهاية لها.
غيوم وردية.
جزر طافية.
شلالات تسقط من أماكن لا توجد تحتها أرض.
وقصر بعيد يلمع وسط الضوء.
أما سيليستين...
فقد بقيت واقفة أمام الباب.
remanwrites