سيليستين وبيتها الغريب

سيليستين وبيتها الغريب

15 0

استيقظت سيليستين ببطء.

فتحت عينيها على ضوء ذهبي ناعم تسلل إلى غرفتها من خلال النوافذ العالية.

كان كل شيء من حولها ذهبيًا.

الجدران، حواف السرير، إطار المرآة، وحتى الستائر الطويلة التي تحركت بهدوء مع نسمة باردة دخلت من النافذة.

نهضت من سريرها، وسارت حافية القدمين فوق الأرضية اللامعة.

كانت غرفتها واسعة وجميلة، مليئة بالأثاث المزخرف والتفاصيل الناعمة، لكنها كانت مجرد غرفتها داخل بيتها.

اقتربت من النافذة.

وخارجها...

لم تكن هناك أرض.

كانت هناك سماء فقط.

غيوم بيضاء ممتدة بلا نهاية، تتراكم في الأسفل كبحر هائل من القطن.

رفعت سيليستين عينيها نحو الأفق.

كانت الشمس مشرقة، لكن السماء لم تكن تشبه سماء أي مكان آخر.

ألوانها كانت أكثر غرابة؛ أزرق صافٍ يتدرج إلى البنفسجي عند الأطراف، وفي أماكن بعيدة ظهرت ألوان وردية وذهبية، كأن السماء نفسها كانت مضاءة من الداخل.

هذه كانت مملكة الكرز.

مملكة معلقة فوق الغيوم، في عالم لا يشبه أي عالم آخر.

ومع ذلك، كان هناك شيء واحد يملأها في كل مكان.

الكرز.

ابتسمت سيليستين قليلًا.

استدارت عن النافذة واتجهت نحو الباب الكبير في نهاية غرفتها.

كان الباب ذهبيًا، مزينًا بنقوش أغصان الكرز.

فتحته.

ثم توقفت.

لم يكن هناك درج.

ولا ممر.

ولا أرض.

خلف الباب كانت السماء فقط.

وقفت سيليستين عند العتبة، تنظر إلى الفراغ أسفلها.

كان بيتها مبنيًا فوق جزيرة طائرة صغيرة، معلقة في السماء فوق الغيوم.

ابتسمت.

- صباح الخير، مملكة الكرز.

صدر صوت رفرفة ضخمة من خلفها.

التفتت.

كانت هناك بجعة بيضاء كبيرة تقف بالقرب من النافذة.

ريشها ناصع البياض، وعنقها طويل وأنيق، وجناحاها أكبر من أن يشبها أي بجعة عادية.

اقتربت منها سيليستين.

مدت يدها، فخفضت البجعة رأسها حتى لمست يدها.

- هيا.

ركبت سيليستين على ظهرها.

فتحت البجعة جناحيها.

ثم قفزت.

للحظة، لم يكن هناك شيء تحت أقدامهما سوى الهواء.

ثم بدأت البجعة تطير.

ارتفعت فوق البيت، واندفعت بين الغيوم.

ومن الأعلى ظهرت مملكة الكرز كاملة.

لم تكن أرضًا واحدة.

كانت جزرًا صغيرة طائرة منتشرة في السماء.

جزيرة هنا...

وأخرى هناك...

وبعضها بعيد جدًا حتى بدا كنقطة صغيرة وسط السحاب.

كانت كل جزيرة تحمل بيوتًا جميلة ذات أسطح ذهبية، وبعضها كان كبيرًا لدرجة أنه يشبه القصور.

قباب لامعة.

شرفات واسعة.

نوافذ طويلة.

وجسور صغيرة تمتد بين بعض الجزر، معلقة في الهواء دون أعمدة.

لكن أكثر ما لفت نظر سيليستين كان الأشجار.

أشجار الكرز كانت في كل مكان.

حول البيوت.

على أطراف الجزر.

في الحدائق.

وفوق الشرفات.

حتى بعض البيوت كانت أغصان الكرز تمتد حولها كأنها جزء من بنائها.

كانت الثمار حمراء ولامعة، تتدلى من الأغصان وسط أوراق خضراء ناعمة.

وفي بعض الجزر، كانت الأشجار كثيفة لدرجة أن البيوت الذهبية اختفت خلفها.

رفعت سيليستين رأسها.

مرّت بجانبها جزيرة صغيرة مليئة بأشجار الكرز.

تساقطت منها بعض الأزهار الوردية في الهواء، وحملتها الرياح خلفها.

نظرت إليها سيليستين وهي تبتعد.

ثم ابتسمت.

كانت تعرف أن الكرز في هذه المملكة لم يكن مجرد فاكهة.

كل حبة كرز كانت ترمز إلى روح من الأرواح التي تعيش في المملكة.

واصلت البجعة الطيران بين الجزر.

ومن بعيد، ظهرت جزيرة أكبر من غيرها، مليئة بالبيوت الذهبية والحدائق وأشجار الكرز.

ثم عادت البجعة بها إلى جزيرتها الصغيرة.

هبطت أمام منزلها.

نزلت سيليستين عن ظهرها، وربتت على عنقها.

ثم دخلت بيتها من الباب الكبير.

كانت رائحة الكرز تملأ المكان.

سارت في ممر طويل حتى وصلت إلى قاعة واسعة.

توقفت عند الباب.

كانت القاعة مليئة بالصحون.

صحون صغيرة، وأطباق كبيرة، وأوعية مزخرفة، وكلها مملوءة بالكرز.

كرز أحمر لامع، كرز داكن، كرز صغير، وكرز كبير ممتلئ بالعصارة.

اقتربت سيليستين من أحد الأطباق، التقطت حبة، وأكلتها.

ثم تابعت طريقها

وصلت إلى حمامها.

كان الحمام مختلفًا تمامًا عن بقية البيت.

كل شيء فيه من الخزف الأبيض، بتفاصيل فيكتورية أنيقة.

حوض غسيل مزخرف.

مرآة كبيرة بإطار أبيض.

وصنابير ذهبية صغيرة.

وفي وسط الحمام كان هناك بانيو أبيض ضخم قائم على أربعة أرجل مزخرفة.

فتحت سيليستين الصنبور.

بدأ الماء بالامتلاء.

ثم أخذت طبقًا صغيرًا مليئًا بالكرز وسكبته في الماء.

تدحرجت حبات الكرز فوق سطح الماء، ثم استقرت بين فقاعات بيضاء ناعمة.

دخلت سيليستين إلى البانيو.

كانت المياه دافئة، ورائحة الكرز انتشرت في الحمام كله.

أخذت الليفة.

كانت على شكل كرزة حمراء صغيرة.

ابتسمت وهي تنظر إليها للحظة، ثم بدأت تستحم.

بعدها أمسكت زجاجة الشامبو.

ضغطت عليها.

خرج منها سائل أحمر لامع، وكانت رائحته تشبه رائحة الكرز الطازج.

وضعت قليلًا منه على شعرها، ثم غسلت شعرها وهي مغمضة العينين.

بعد أن انتهت، خرجت من الحمام وارتدت ثوبًا مريحًا.

ثم عادت إلى غرفتها.

في منتصف الغرفة كانت هناك ثلاث وسادات حمراء كبيرة، موضوعة فوق بعضها، وحوافها مزينة بالدانتيل الأبيض.

جلست سيليستين بينها.

وما إن استقرت حتى تحرك شيء صغير بالقرب منها.

أرنب أبيض قفز فوق إحدى الوسادات.

ابتسمت.

- تعال يا لومي.

اقترب الأرنب منها.

ثم ظهر أرنب رمادي صغير من خلف الوسادة، وأخذ يقفز حولها.

- وأنت يا موكا... لا تركض بسرعة.

أما الثالث فكان أرنبًا بنيًا صغيرًا، جلس عند قدميها بهدوء وكأنه يراقب الاثنين الآخرين.

مدت سيليستين يدها إليه.

- وأنت يا توتو.

اقترب توتو ووضع رأسه في يدها.

ضحكت سيليستين.

كان لديها ثلاثة أرانب.

لومي، موكا، وتوتو.

لم تكن تعتبرهم حيوانات أليفة.

كانوا أصدقاءها.

وبينما كانت تلعب معهم فوق الوسادات الحمراء، قفز لومي فجأة على كتفها، بينما بدأ موكا يركض حولها، وتوتو يحاول الوصول إلى حبة كرز تركتها سيليستين بجانبها.

ضحكت وهي تحاول الإمساك به.

بعد أن تعبت من اللعب، تمددت سيليستين فوق الوسادات الحمراء، وتركت لومي ينام بجانبها، بينما بقي موكا يقفز فوق الوسادة وتوتو يعبث بحبة كرز على الأرض.

رفعت سيليستين رأسها نحو النافذة.

كان الصباح جميلًا جدًا.

ضوء الشمس الذهبي يملأ السماء، والغيوم تتحرك ببطء حول جزيرتها، وأصوات الطيور تأتي من الجزر البعيدة.

نظرت إلى الشمس قليلًا.

ثم قالت:

- لا أريد لهذا الصباح أن ينتهي.

نهضت.

كان هناك باب صغير في نهاية الممر لم تكن قد دخلته منذ بداية اليوم.

فتحته.

دخلت إلى غرفة الساعات.

كانت الغرفة وردية بالكامل.

الجدران وردية ناعمة، والأرضية لامعة كأنها مصنوعة من الخزف، والأثاث فيها يحمل اللمعان نفسه الموجود في بقية البيت.

حتى بيت سيليستين كله كان يبدو وكأنه مصنوع من الخزف.

الأبواب، الجدران، الأحواض، الطاولات، والمزهريات... كل شيء كان ناعمًا ولامعًا، وكأنه قطعة خزفية ضخمة صنعت بعناية.

أما غرفة الساعات فكانت أكثر غرابة.

كانت في وسطها ساعة ذهبية ضخمة.

أطول من سيليستين بكثير.

وكانت متصلة بها عشرات الساعات الصغيرة المنتشرة حول الغرفة.

بعضها على الجدران.

وبعضها فوق الرفوف.

وأخرى معلقة بخيوط ذهبية من السقف.

كلها متصلة بالساعة الكبيرة.

اقتربت سيليستين منها.

وضعت يدها على سطحها الذهبي.

كانت تعرف ماذا تفعل.

إذا أرادت أن تجعل الوقت أسرع، حركت أحد عقاربها إلى الأمام.

وإذا أرادت أن تجعل الوقت أبطأ...

أعادته إلى الخلف.

أما إذا وجدت لحظة جميلة ولا تريدها أن تنتهي، فكان بإمكانها أن تجعلها أطول.

نظرت إلى الساعة الكبيرة.

ثم ابتسمت.

- أريد هذا الصباح أكثر قليلًا.

أمسكت العقرب الذهبي.

وحركته ببطء.

تك.

تحركت إحدى الساعات الصغيرة.

تك... تك.

ثم بدأت بقية الساعات تتحرك معها.

انتقلت عقاربها جميعًا في تناغم غريب.

وفي الخارج...

تباطأت الشمس.

لم تتوقف.

لكنها أصبحت تتحرك ببطء شديد في السماء.

وكأن الصباح أخذ نفسًا عميقًا وقرر أن يبقى قليلًا.

ابتسمت سيليستين.

ثم استدارت لتنظر إلى الغرفة.

كانت هناك صحون كرز فوق كل شيء تقريبًا.

طبق صغير على الطاولة.

طبق آخر فوق رف.

وعاء كبير قرب النافذة.

حتى بعض الساعات الصغيرة كانت موضوعة بجانبها صحون مليئة بالكرز.

أما الستائر الوردية، فكانت مزينة بحبات كرز صغيرة حمراء تتدلى من أطرافها.

أخذت سيليستين حبة كرز من أحد الصحون.

وضعتها في فمها.

ثم جلست على الكرسي القريب من النافذة.

كانت تستطيع سماع صوت الساعات.

تك... تك... تك...

والبجعة البيضاء كانت تحلق بعيدًا بين الجزر.

والشمس بقيت معلقة في السماء.

والصباح...

لم ينتهِ.

نظرت سيليستين إلى الخارج، وابتسمت.

- هكذا أفضل.

تخرج سيليستين من غرفة الساعات، تاركة خلفها صوت العقارب وهي تتحرك ببطء.

اتجهت نحو الباب الرئيسي للمنزل.

كان بابًا أحمر لامعًا، مزينًا بنقوش صغيرة على شكل حبات كرز.

اقتربت منه وفتحته.

توقفت.

خلف الباب...

كانت السماء فقط.

لا درج.

لا ممر.

لا شرفة.

ولا حتى قطعة صغيرة من الأرض يمكن أن تضع عليها قدمها.

مجرد فراغ هائل، وتحتها بحر من الغيوم البيضاء البعيدة.

وقفت سيليستين عند العتبة.

كانت ترتدي فستانًا أسود أنيقًا، مزينًا بحبات كرز صغيرة ودانتيل أبيض عند أطرافه.

كان شعرها الأسود الناعم منسدلًا على ظهرها، تتخلله حبات كرز صغيرة مثبتة بين خصلاته.

كانت ساقاها طويلتين ونحيلتين، ترتدي في قدميها حذاءً أسود على طراز ماري جين، وفوقهما جوارب طويلة باللونين الأبيض والأسود، تزين أعلاها فيونكة سوداء صغيرة.

نظرت إلى السماء.

ثم إلى قدميها.

ثم إلى الفراغ أمامها.

رفعت قدمها ببطء.

وضعتها أمامها.

خطوة واحدة.

لكن لم يكن هناك شيء.

اتسعت عيناها.

هبطت قدمها في الفراغ.

وفقد جسدها توازنه.

- آه!

سقطت سيليستين من أمام الباب.

إلى الأسفل.

إلى الفراغ.

ولم يكن هناك شيء تمسك به.

سقطت سيليستين إلى الأسفل بسرعة.

لكنها لم تسقط طويلًا.

فجأة...

فوووش!

ارتطم جسدها بشيء أبيض وناعم.

فتحت عينيها ببطء.

كانت مستلقية فوق غيمة بيضاء ضخمة.

رفعت يدها ولمست سطحها.

كان ملمسها ناعمًا ودافئًا، مثل القطن تمامًا.

غرقت أصابعها قليلًا داخلها.

نظرت سيليستين حولها، ثم جلست فوق الغيمة.

وبعد لحظة...

انفجرت بالضحك.

- هاهاها!

استلقت على ظهرها من جديد، وراحت تضحك وهي تنظر إلى السماء.

لم تكن الغيوم في مملكة الكرز مجرد غيوم.

كان يمكنها أن تمشي فوقها...

وتجلس عليها...

وحتى تسقط من بيتها دون أن تتأذى.

ابتسمت سيليستين، ومددت ذراعيها فوق الغيمة الناعمة.

كان الصباح لا يزال طويلًا.

وكانت مغامرتها قد بدأت.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مملكة الكرز

المؤلف remanwrites
2026/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة