الباب الاول

الباب الاول

13 0

منذ ساعات الصباح الأولى، كانت مملكة الكرز تستعد لليلة التي ينتظرها الجميع كل عام.

كانت أشجار الكرز المنتشرة في أنحاء المملكة قد بدأت تفتح أزهارها الوردية، واحدة تلو الأخرى، حتى أصبحت الأغصان مغطاة بزهور ناعمة تشبه الغيوم الصغيرة.

وفي وسط المملكة، كانت الساحة الكبرى قد تغيرت تمامًا.

تدلت من الأعمدة سلاسل طويلة من أزهار الكرز، وتعلقت بينها فوانيس زجاجية صغيرة بألوان وردية وذهبية. وعلى الأرض، رُسمت دوائر كبيرة من بتلات الكرز استعدادًا للرقص.

وفي طرف الساحة كان نهر الشوكولاتة بالزبدة يجري بهدوء.

كان لونه بنيًا لامعًا، وفوق سطحه تطفو طبقات صغيرة من الزبدة الناعمة، تتحرك ببطء مع تيار النهر، بينما كانت رائحة الشوكولاتة الدافئة تنتشر في الهواء.

وبالقرب منه، وُضعت عشرات الطاولات الطويلة.

كانت الطاولات مليئة بكل ما يمكن أن يحلم به طفل.

كعكات مغطاة بالكريمة.

بسكويت على شكل حبات كرز.

فطائر صغيرة محشوة بمربى الكرز.

كرات شوكولاتة وردية.

حلوى قطنية بيضاء.

ومئات قطع الحلوى التي كانت تلمع تحت ضوء الفوانيس.

بدأ سكان المملكة بالوصول منذ غروب الشمس.

جاء الرجال والنساء والأطفال من أنحاء المملكة، وارتدوا ملابس الاحتفال ذات الألوان الفاتحة.

كانت الفساتين وردية وبيضاء وسماوية وأرجوانية فاتحة، والقمصان مزينة بخيوط ذهبية صغيرة، وعلى الملابس كلها تقريبًا كانت توجد حبات كرز صغيرة مطرزة أو معلقة كزينة.

حتى الأطفال كانوا يرتدون ملابس خاصة بهذه المناسبة.

بعضهم وضع أكاليل من أزهار الكرز فوق رؤوسهم، بينما حمل آخرون سلالًا صغيرة مليئة بالحلوى.

وقفت سيليستين عند مدخل الساحة، تنظر حولها بدهشة.

لم تكن قد رأت المملكة بهذا الشكل من قبل.

قالت لنفسها:

- «إنها جميلة جدًا...»

ثم سمعت صوتًا خلفها.

- «أنتِ سيليستين، أليس كذلك؟»

التفتت.

كانت امرأة شابة تقف أمامها، ترتدي فستانًا ورديًا فاتحًا تتدلى من أطرافه حبات كرز صغيرة.

ابتسمت لها وقالت:

- «أنا كرينا.»

ابتسمت سيليستين.

- «تشرفت بمعرفتك.»

- «وأنا سعيدة لأنني وجدتك أخيرًا! سمعت الكثير عنك.»

رفعت سيليستين حاجبيها.

- «حقًا؟ ماذا سمعتم؟»

ضحكت كرينا.

- «أنك تعيشين قرب أبواب المملكة، وأنك دائمًا تتجولين وحدك.»

وقبل أن تجيب سيليستين، اقتربت منهما امرأة أخرى تحمل طبقًا كبيرًا من الحلوى.

- «لا تخيفيها يا كرينا.»

ثم ابتسمت لسيليستين.

- «أنا شيرالا.»

أشارت إلى الطبق.

- «وهذه مهمتي الليلة. إطعام كل شخص أراه.»

أخذت سيليستين قطعة صغيرة من الحلوى.

- «أظن أن هذه مهمة عظيمة.»

قالت شيرالا بفخر:

- «بالطبع. إنها أهم مهمة في الاحتفال.»

ضحكت سيليستين.

وقبل أن تتمكن من قول شيء آخر، ظهر طفل صغير بينهما.

كان يرتدي سترة سماوية مزينة بحبتين من الكرز على صدره.

رفع رأسه نحو سيليستين وسألها:

- «هل أنتِ التي تعرفين طريق الأبواب؟»

انحنت سيليستين قليلًا.

- «ربما.»

- «وهل تعرفين أين الباب العاشر؟»

توقفت سيليستين للحظة.

لكن الطفل ابتسم وركض بعيدًا قبل أن تجيبه.

ضحكت شيرالا.

- «لا تهتمي. الأطفال هنا يسألون دائمًا عن الأشياء التي لا يجب أن يسألوا عنها.»

نظرت سيليستين إلى الطفل وهو يركض بين الناس، ثم ابتسمت.

لأول مرة، لم تشعر أنها غريبة في المملكة.

كان الناس يقتربون منها دون خوف.

رجل مسن دعاها لتذوق فطيرة الكرز التي صنعها بنفسه.

امرأة أخبرتها عن حديقتها التي تنمو فيها أشجار الكرز البيضاء.

طفلتان طلبتا منها أن تشاركهما الرقص لاحقًا.

ورجل يحمل آلة قيثارة أخبرها أن الموسيقى ستبدأ بعد قليل.

ومع مرور الوقت، امتلأت الساحة أكثر فأكثر.

بدأت القيثارات تعزف.

ارتفعت أصوات الآلات الوترية، وبدأ الناس بالرقص في دوائر واسعة.

تحركت الفساتين الملونة بين أزهار الكرز، بينما كان الأطفال يركضون حول الراقصين وهم يضحكون.

وقفت سيليستين تراقبهم.

ثم سمعت صوتًا هادئًا بجانبها.

- «هل تحبين الرقص؟»

التفتت.

كان شابًا يقف قرب نهر الشوكولاتة.

كان يرتدي قميصًا أبيض وسترة بلون أزرق فاتح، وعلى ياقة سترته حبة كرز صغيرة مطرزة بخيط أحمر.

لم يكن صاخبًا مثل بقية المحتفلين.

كان يراقب الاحتفال بهدوء، وفي يده كوب من الشوكولاتة الساخنة.

قالت سيليستين:

- «لا أعرف.»

ابتسم.

- «إجابة غريبة.»

- «لم أجرب كثيرًا.»

مد يده إليها.

- «إذن جربي الليلة.»

نظرت سيليستين إلى يده، ثم إلى الساحة، ثم عادت لتنظر إليه.

- «وإذا دست على قدمك؟»

ضحك.

- «سأعتبرها جزءًا من الاحتفال.»

ضحكت سيليستين أيضًا، ثم وضعت يدها في يده.

قادها إلى وسط الساحة.

في البداية كانت خطواتها مرتبكة.

مرة تحركت في الاتجاه الخطأ، ومرة كادت تصطدم بزوجين يرقصان بجانبها.

لكن الشاب لم يضحك عليها.

كان يبطئ خطواته كلما أخطأت، ثم يعيد الحركة معها.

وبعد دقائق، بدأت تتعلم.

تخطو.

تدور.

تضحك.

ثم تدور من جديد.

فوقهما كانت أزهار الكرز تتساقط ببطء.

وبالقرب منهما، كان نهر الشوكولاتة يجري تحت ضوء الفوانيس.

وحولهما كانت أصوات الناس تملأ الساحة.

ثم قال الشاب:

- «أنا أوريان.»

ابتسمت.

- «سيليستين.»

- «أعرف.»

رفعت حاجبها.

- «الجميع يعرفني اليوم.»

ضحك أوريان.

- «ربما لأنك الشخص الوحيد في الساحة الذي ينظر إلى الاحتفال وكأنه اكتشاف جديد.»

نظرت سيليستين حولها.

ثم قالت بهدوء:

- «لأنه كذلك فعلًا.»

نظر إليها أوريان للحظة، وكأن إجاباتها أثارت اهتمامه.

ثم ابتسم.

- «إذن سأريك شيئًا لم تريه بعد.»

- «ماذا؟»

أشار إلى نهاية الساحة، حيث كانت أشجار الكرز السماوية تلمع تحت ضوء القمر.

- «عندما تبدأ الأزهار بالسقوط بالكامل، يحدث شيء جميل جدًا.»

نظرت سيليستين إلى الأشجار، ثم إليه.

ولسبب لم تفهمه، شعرت أن قلبها أصبح أخف قليلًا.

ابتسمت.

- «حسنًا... أرني.»

وفي تلك الليلة، بينما استمر أهل مملكة الكرز في الرقص والغناء وتناول الحلويات قرب نهر الشوكولاتة، بدأت سيليستين تتعرف للمرة الأولى على المملكة ليس كأرض غريبة مليئة بالأبواب والأسرار...

بل كمكان يسكنه أشخاص يمكن أن يصبحوا جزءًا من حياتها.

وبين كل الوجوه الجديدة، بقي وجه أوريان عالقًا في ذهنها أكثر من غيره.

قاد أوريان سيليستين بعيدًا عن وسط الساحة، حيث كانت الموسيقى لا تزال مرتفعة، لكن الأصوات بدأت تصبح أكثر هدوءًا كلما ابتعدا عن الراقصين.

وصلا إلى طريق صغير تحيط به أشجار الكرز من الجانبين.

كانت الأشجار أطول من بقية أشجار المملكة، وأزهارها أكثر لمعانًا، حتى بدت وكأنها تحمل نجومًا وردية صغيرة بين أغصانها.

قالت سيليستين وهي تنظر حولها:

- «إلى أين نذهب؟»

أجاب أوريان:

- «إلى المكان الذي ينتظره الجميع.»

- «وما هو؟»

ابتسم دون أن يجيب.

استمر في السير حتى ظهرت أمامهما مساحة واسعة خلف الساحة.

كان في وسطها نصب حجري دائري تحيط به عشرات أشجار الكرز.

وفي منتصف الدائرة، كانت تقف شجرة ضخمة.

لم تكن تشبه أي شجرة رأتها سيليستين من قبل.

كان جذعها أبيض وناعمًا، وأغصانها تمتد عاليًا حتى تكاد تصل إلى السماء.

أما أزهارها فكانت وردية من الخارج وذهبية من الداخل.

توقفت سيليستين أمامها.

- «هذه هي؟»

- «شجرة الكرز السماوية.»

اقتربت سيليستين منها ببطء.

كانت تعرف اسمها.

سمعت عنه من قبل.

كل شخص في المملكة يعرف الحكاية القديمة عن الشجرة التي أنقذت المملكة في زمن الجفاف.

لكنها لم تتوقع أن تكون بهذا الجمال.

قال أوريان:

- «في ليلة تفتح الكرز، يجتمع الناس هنا قبل منتصف الليل.»

- «لماذا؟»

أشار إلى السماء.

- «انتظري.»

رفعت سيليستين رأسها.

كانت السماء صافية، والقمر مكتملًا تقريبًا.

بدأ الناس يتجمعون حول الشجرة.

جاءت كرينا وشيرالا أيضًا، ومعهما مجموعة من الأطفال الذين كانوا يحملون سلالًا صغيرة مليئة ببتلات الكرز.

وقف الرجال والنساء والأطفال في دائرة واسعة حول الشجرة.

ثم بدأت الموسيقى تهدأ.

واحدة تلو الأخرى، توقفت القيثارات.

وتوقفت الأحاديث.

حتى الأطفال أصبحوا هادئين.

نظرت سيليستين حولها.

- «ماذا سيحدث؟»

قالت شيرالا بصوت منخفض:

- «الآن يبدأ الجزء الذي نحبه أكثر.»

ابتسمت كرينا.

- «كل شخص هنا لديه أمنية.»

ثم ساد الصمت.

وفجأة...

سقطت أول زهرة.

انفصلت عن أحد الأغصان وسقطت ببطء في الهواء.

ثم سقطت زهرة ثانية.

وثالثة.

وبعدها بدأت مئات الأزهار بالسقوط.

لم يكن الأمر يشبه سقوط أوراق الأشجار.

كانت الأزهار تنزل ببطء شديد، وكأن الهواء أصبح أكثر نعومة حولها.

امتلأت السماء باللون الوردي.

بدأ الأطفال يضحكون، ورفع بعضهم أيديهم محاولين الإمساك بالأزهار.

لكن الناس ظلوا واقفين أمام الشجرة.

كان كل شخص ينتظر شيئًا.

قال أوريان:

- «عندما تسقط زهرة على شخص، يمكنه أن يتمنى أمنية.»

سألته سيليستين:

- «وأمنياتهم تتحقق فعلًا؟»

- «لا أحد يعرف.»

- «هذا ليس جوابًا.»

ابتسم.

- «ربما لأن الناس هنا لا يريدون أن يعرفوا.»

نظرت إليه باستغراب.

تابع:

- «لو عرفتِ أن أمنيتك ستتحقق، فقد تصبحين خائفة من اختيارها.»

سكتت سيليستين.

كانت الجملة غريبة، لكنها أعجبتها.

بدأت الزهور تسقط على الناس.

زهرة استقرت فوق رأس طفلة صغيرة.

فضحكت والدتها وصفقت.

زهرة أخرى وقعت على كتف رجل عجوز.

فأغمض عينيه للحظة.

ثم ابتسم.

وبينما كانت سيليستين تراقب الجميع...

سقطت زهرة أمامها.

رفعتها بيدها.

كانت دافئة.

نظرت إليها بدهشة.

قالت كرينا:

- «سيليستين!»

اقتربت منها.

- «لقد اختارتك.»

- «من؟»

أشارت كرينا إلى الشجرة.

- «الشجرة.»

نظرت سيليستين إلى الأزهار.

لم تكن تعرف ماذا تقول.

قالت شيرالا:

- «تمني شيئًا.»

- «أي شيء؟»

- «أي شيء تريدينه.»

أغمضت سيليستين عينيها.

حاولت التفكير.

ماذا تريد؟

بيتًا؟

أصدقاء؟

شيئًا من الماضي؟

مكانًا تنتمي إليه؟

أم شيئًا لم تعرف حتى الآن أنها تريده؟

لم تستطع اختيار شيء.

فتحت عينيها.

كان أوريان ينظر إليها.

قال:

- «لا تستعجلي.»

- «لا أعرف ماذا أتمنى.»

- «إذن لا تتمني شيئًا.»

نظرت إليه.

- «ماذا؟»

- «يمكنك الاحتفاظ بالزهرة.»

ثم ابتسم.

- «ربما تعرفين لاحقًا.»

نظرت سيليستين إلى الزهرة الصغيرة في يدها.

ثم ابتسمت.

وضعتها داخل جيب فستانها.

وفي اللحظة نفسها، ارتفعت الموسيقى من جديد.

انطلقت القيثارات.

صفق الناس.

وعاد الأطفال إلى الركض بين الأشجار.

عاد الاحتفال أكثر حيوية من قبل.

قالت كرينا:

- «هيا! هناك مسابقة بدأت!»

سألت سيليستين:

- «أي مسابقة؟»

- «أغرب حلوى بالكرز.»

قالت شيرالا بحماس:

- «وسأفوز هذا العام.»

ضحكت كرينا.

- «قلتِ ذلك العام الماضي.»

- «لأن لجنة التحكيم لم تكن عادلة.»

سارت سيليستين معهما عائدة إلى الساحة.

هناك كانت الطاولات قد امتلأت بحلويات جديدة.

كعكة وردية ضخمة كانت تطفو فوق الطاولة.

طبق من الحلوى الصغيرة التي تصدر أصواتًا موسيقية عندما يلمسها أحد.

وفطيرة زرقاء مغطاة بالكرز اللامع.

اقترب طفل صغير من سيليستين وهمس:

- «لا تأكلي الفطيرة الزرقاء.»

نظرت إليه.

- «لماذا؟»

- «لأنها تجعل شعرك أزرق.»

ثم ركض بعيدًا وهو يضحك.

ضحكت سيليستين.

لكنها لم تنتبه إلى الأرنب الصغير الذي ظهر خلفها.

مد الأرنب رأسه نحو الطاولة، وخطف قطعة من الكعك من أمامها، ثم هرب.

- «مهلًا!»

ركضت سيليستين خلفه.

مر الأرنب بين أرجل الناس.

ثم تحت طاولة.

ثم خرج من الجهة الأخرى.

تبعتْه وهي تضحك، حتى وصل إلى جانب نهر الشوكولاتة.

وهناك توقف.

نظرت سيليستين تحته.

كان الأرنب يجلس بين ثلاثة أرانب أخرى.

وكانت الأرانب الأربعة تأكل الحلوى المسروقة.

وقفت سيليستين أمامها.

- «أنتم اللصوص إذن.»

جلس أحد الأرانب وهو يحمل قطعة كعك بين أسنانه.

فضحكت.

وصل أوريان خلفها.

- «أظن أنك وجدتِ أكثر سكان المملكة إجرامًا.»

التفتت إليه وهي تضحك.

- «إنهم لصوص حلوى.»

- «وهذا أخطر نوع.»

جلس أوريان قرب النهر.

جلست سيليستين بجانبه.

ومن بعيد كانت كرينا وشيرالا تلوحان لهما.

كانت الموسيقى مستمرة.

والناس يرقصون.

والأطفال يركضون.

والفوانيس تتأرجح فوق الساحة.

ثم نظر أوريان إلى سيليستين.

- «هل استمتعتِ؟»

نظرت إلى الاحتفال.

إلى الأضواء.

إلى الأزهار.

إلى الناس الذين أصبح بعضهم يعرف اسمها الآن.

ثم قالت:

- «نعم.»

سكتت قليلًا.

وأضافت:

- «أكثر مما توقعت.»

ابتسم أوريان.

- «إذن عليك أن تعودي العام القادم.»

نظرت إليه.

- «العام القادم؟»

- «بالطبع.»

- «وكيف تعرف أنني سأعود؟»

نظر إلى النهر.

ثم قال ببساطة:

- «لا أعرف.»

عاد ينظر إليها.

- «لكنني أتمنى ذلك.»

توقفت سيليستين عن الكلام.

للحظة، لم تسمع شيئًا حولها.

لا الموسيقى.

ولا ضحكات الأطفال.

ولا صوت النهر.

فقط نظرت إليه.

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.

وفي جيب فستانها، كانت زهرة الكرز التي اختارتها الشجرة لا تزال دافئة.

كان الاحتفال في مملكة الكرز قد وصل إلى أجمل لحظاته.

كانت الموسيقى تملأ الساحة، والناس يرقصون تحت أزهار الكرز المتساقطة، بينما كانت الفوانيس الوردية والذهبية تنعكس فوق سطح نهر الشوكولاتة بالزبدة.

كان الأطفال يركضون بين الطاولات، يحملون قطع الحلوى بأيديهم الصغيرة، ويتنافسون على من يجد أكثر قطعة مزينة بالكرز.

وفي طرف الساحة، كان هناك طفل صغير اسمه كاي.

كان يرتدي سترة خضراء فاتحة، وعلى جيبه حبة كرز حمراء صغيرة مخيطة بخيط ذهبي.

كان عمره سبع سنوات، وكان معروفًا في الحي بأنه لا يستطيع رؤية أي حلوى دون أن يقترب منها.

في تلك الليلة، كان يقف قرب النهر وعيناه مثبتتان على شيء يطفو فوق سطح الشوكولاتة.

كانت هناك قطعة كعك صغيرة على شكل زهرة كرز.

لكنها لم تكن قطعة كعك عادية.

كانت من حلويات الاحتفال الخاصة، وكانت تتحرك فوق سطح النهر فوق ورقة سكرية صغيرة.

فتح كاي عينيه بدهشة.

- «إنها تتحرك!»

اقترب أكثر من الحافة.

كانت والدته تتحدث مع إحدى النساء قرب الطاولات، ولم تنتبه إليه.

مد كاي يده قليلًا.

- «سأمسكها فقط...»

اقترب أكثر.

ثم أكثر.

وفجأة...

انزلقت قدمه الصغيرة على بتلات الكرز التي كانت على الأرض.

- «آه!»

لم يكن السقوط قويًا.

لكنه كان كافيًا ليجعله يفقد توازنه.

وفي لحظة واحدة...

سقط كاي في نهر الشوكولاتة بالزبدة.

سمع الجميع الصوت.

توقفت الموسيقى.

توقفت الضحكات.

والتفت الناس نحو النهر.

- «طفل!»

صرخت والدته وهي تركض نحوه.

لكن قبل أن يصل إليه أحد، كانت سيليستين قد تحركت.

لم تفكر.

ركضت نحو النهر ومدت يدها.

كان كاي جالسًا داخل الماء الضحل قرب الحافة، مغطى بالكامل بالشوكولاتة.

كان وجهه وشعره وسترة ملابسه كلها بنية اللون.

نظر حوله بدهشة.

ثم قال:

- «أنا... أظن أنني وقعت.»

للحظة ساد الصمت.

ثم...

ضحك أحد الأطفال.

وبعدها بدأ الجميع بالضحك.

حتى والدة كاي، رغم خوفها، لم تستطع منع ابتسامتها عندما رأته بهذا الشكل.

قالت سيليستين وهي تساعده على الخروج:

- «هل أنت بخير؟»

هز رأسه.

- «نعم.»

ثم نظر إلى نفسه.

- «لكن أظن أنني أصبحت حلوى.»

انفجر الناس بالضحك.

اقتربت شيرالا بسرعة وهي تحمل منشفة كبيرة.

- «قلت دائمًا إن الأطفال يجب ألا يقتربوا من النهر وحدهم.»

قال كاي بجدية:

- «لكن النهر كان يحمل كعكة.»

وضعت شيرالا يدها على وجهها.

- «وهذا هو سبب المشكلة.»

اقترب أوريان وهو يضحك.

كان يحمل كوبًا من الماء الدافئ.

- «أظن أن نهر الشوكولاتة حصل اليوم على أول سبّاح رسمي.»

نظر إليه كاي.

- «هل سأحصل على جائزة؟»

رفع أوريان حاجبه.

- «جائزة؟»

أشار الطفل إلى النهر.

- «لقد سبحت فيه.»

ضحكت سيليستين.

- «أعتقد أنك تستحق جائزة بالفعل.»

فذهبت إلى إحدى الطاولات وأحضرت له قطعة حلوى كبيرة على شكل حبة كرز.

أمسكها كاي بسعادة.

ثم قال:

- «هذه أفضل ليلة في حياتي.»

نظرت والدته إليه.

- «حتى بعد أن وقعت في النهر؟»

هز رأسه.

- «خصوصًا بعد أن وقعت.»

ضحك الجميع مرة أخرى.

وبعد دقائق، عادت الموسيقى إلى الساحة.

وعاد الناس إلى الرقص.

لكن هذه المرة، وضعوا سياجًا صغيرًا من الزهور حول حافة النهر حتى لا يكرر أحد مغامرة كاي.

جلس الطفل بين الأطفال الآخرين وهو يأكل الحلوى، وكلما مر أحد قربه قال بفخر:

- «أنا الشخص الوحيد الذي أخذ حمامًا في نهر الشوكولاتة.»

وبينما كانت سيليستين تراقبه، شعرت بشيء دافئ في قلبها.

لم تكن مملكة الكرز مجرد مكان مليء بالسحر والأبواب الغامضة.

كانت مكانًا فيه أطفال يضحكون، وعائلات تخاف على بعضها، وأشخاص يمدون أيديهم لمساعدة الآخرين.

كان الاحتفال قد وصل إلى أجمل لحظاته.

كانت الموسيقى تعزف في الساحة، وأزهار الكرز تتساقط من الأشجار بلطف، بينما كان الأطفال يركضون بين الطاولات المليئة بالحلوى.

وقفت سيليستين قرب نهر الشوكولاتة بالزبدة، تستمع إلى كاي وهو يحكي لأصدقائه للمرة العاشرة عن كونه أول سبّاح يسبح في نهر الشوكولاتة.

كان يتحدث بحماس شديد، ويفتح ذراعيه كلما وصل إلى الجزء الذي سقط فيه في النهر.

ضحكت سيليستين وهي تستمع إليه.

لكن في تلك اللحظة...

سقطت أزهار الكرز إلى الأرض بهدوء.

زهرة.

ثم أخرى.

ثم ثالثة.

لكن واحدة منها لم تسقط.

بقيت معلقة في الهواء.

كانت تلمع بضوء وردي ناعم.

رفعت سيليستين رأسها.

نظرت إلى الزهرة باستغراب.

بدأت الزهرة تتحرك ببطء.

ابتعدت عن شجرة الكرز، ثم انعطفت نحو مكان بعيد عن الساحة.

توقفت سيليستين عن الاستماع إلى كاي.

تبعَت الزهرة بعينيها.

ثم تبعتها.

ابتعدت عن الاحتفال شيئًا فشيئًا.

خفتت أصوات الموسيقى خلفها، وبدأت أضواء الفوانيس تختفي بين الأشجار.

استمرت الزهرة في الطيران حتى وصلت إلى مكان هادئ لا يوجد فيه أحد.

ثم توقفت.

رفعت سيليستين رأسها.

وتجمدت في مكانها.

كان هناك باب.

باب غريب موجود في الفراغ.

لم يكن متصلًا بجدار.

ولا بمنزل.

ولا بأي شيء آخر.

كان قائمًا وحده.

كان لونه ورديًا ناعمًا، وفي منتصفه رُسمت وردة كرز جميلة، وحولها نقوش دقيقة تشبه أغصان الكرز.

اقتربت سيليستين ببطء.

تذكرت الكتاب.

وتذكرت ما قرأته عن الأبواب العشرة.

قالت بصوت منخفض:

- «لا بد أنه أحد الأبواب...»

ثم تذكرت شيئًا آخر.

المفاتيح.

وضعت يدها في جيبها.

أخرجت المفاتيح العشرة.

تأملتها واحدًا تلو الآخر.

كانت جميعها ساكنة.

إلا مفتاحًا واحدًا.

كان يهتز بين أصابعها.

ثم بدأ يلمع.

نظرت إليه سيليستين بدهشة.

كان رأس المفتاح يحمل شكلًا صغيرًا يشبه الوردة.

اقتربت من الباب.

أدخلت المفتاح في القفل.

وفي اللحظة التي أدارته فيها...

أضاءت وردة الكرز المرسومة في منتصف الباب.

انتشر الضوء الوردي منها إلى جميع أنحاء الباب، متفرعًا فوق الخشب كأغصان مضيئة.

تراجعت سيليستين خطوة.

ثم صدر صوت خفيف.

طَق.

وانفتح الباب.

نظرت سيليستين إلى ما خلفه.

اتسعت عيناها.

لم تكن هناك غيوم.

لم تكن هناك جزر سماوية.

ولا قصور معلقة في السماء.

كان خلف الباب عالم مختلف تمامًا.

أرض خضراء.

أشجار عالية.

سماء واسعة.

وهواء مختلف.

تقدمت سيليستين خطوة.

ثم سمعت صوتًا غريبًا.

أبواق سيارات.

توقفت.

نظرت حولها بدهشة.

- «هذا المكان... ليس مملكة الكرز.»

تقدمت أكثر.

وعندها فهمت.

كان هذا...

عالم البشر.

دخلت سيليستين عبر الباب.

وجدت نفسها أمام غابة غناء واسعة، لكنها لم تكن غابة عادية.

كانت غابة من الزهور.

كانت الورود منتشرة في كل مكان، بين الأشجار وعلى الأرض وعلى أطراف الطرق الصغيرة.

لكن شيئًا ما كان خاطئًا.

توقفت سيليستين.

كانت بعض الورود ذابلة.

بتلاتها منحنية.

وألوانها باهتة.

وأخرى كانت قد بدأت تموت تمامًا.

نظرت حولها بحزن.

- «ماذا حدث هنا؟»

ثم رأت شيئًا يتحرك أمامها.

خيوط من الضوء.

كانت تخرج من الباب الوردي خلفها.

خيوط رقيقة ومضيئة، تحمل لون سحر مملكة الكرز.

تقدمت نحو الغابة.

اتجهت إلى الورود اليابسة.

واستقرت فوقها.

وفي اللحظة التي لامس فيها الضوء إحدى الورود...

حدث شيء غريب.

تحركت الوردة.

ارتفعت بتلاتها ببطء.

ثم بدأت تتفتح.

تنفست كأنها عادت إلى الحياة.

أصبحت أوراقها خضراء.

وعاد لونها الزاهي.

ثم بدأت الأرض تحتها تلمع.

شهقت سيليستين.

انتشر الضوء في التربة.

تحرك تحت الأرض مثل شبكة من الخيوط المضيئة.

تفرع في كل اتجاه.

ذهب إلى وردة أخرى.

ثم أخرى.

ثم عشرات الورود.

وفي لحظات قليلة...

بدأت الغابة كلها تستعيد ألوانها.

الورود التي كانت ذابلة بدأت تتفتح.

والأغصان التي كانت جافة بدأت تنبت عليها براعم جديدة.

والغابة التي بدت قبل لحظات وكأنها تحتضر...

عادت إلى الحياة.

وقفت سيليستين في منتصفها، لا تستطيع أن تنطق.

كانت ترى الآن الحقيقة.

لم يكن الباب مجرد طريق بين مملكة الكرز وعالم البشر.

كان ينقل شيئًا.

السحر.

سحر مملكة الكرز.

كان يصل إلى هذه الغابة.

والغابة كانت تحتاج إليه.

نظرت سيليستين إلى الورود وهي تتفتح من حولها.

ثم رأت الضوء يستمر في الانتشار.

لم يتوقف عند هذه الغابة.

بدأت الخيوط المضيئة تتجمع داخل الورود.

ثم انتقلت من زهرة إلى أخرى.

ومن شجرة إلى أخرى.

حتى بدا وكأن الغابة كلها أصبحت شبكة واحدة من الحياة.

قالت سيليستين بصوت خافت:

- «إنها تغذيها...»

ثم فهمت شيئًا أكبر.

هذه الورود لم تكن تعيش من أجل هذه الغابة فقط.

كانت الغابة تنتج الورود التي يحتاج إليها عالم البشر.

الورود التي تنمو في الحدائق.

وفي الحقول.

وعلى الطرقات.

وفي البيوت.

وفي كل مكان يمكن أن تنمو فيه زهرة.

كان سحر مملكة الكرز يصل إلى الغابة...

والغابة تستخدمه لتستمر.

لتنمو.

ولتنتج ورودًا جديدة.

ثم تنتشر حياة هذه الورود في عالم البشر كله.

وضعت سيليستين يدها على إحدى الزهور.

كانت دافئة.

حية.

وتلمع بداخلها نقطة صغيرة من سحر مملكة الكرز.

نظرت سيليستين إلى الباب الوردي.

ثم إلى الغابة.

ثم إلى السماء البعيدة التي لم تكن تشبه سماء مملكتها.

همست:

- «مملكة الكرز... تساعد عالم البشر.»

لأول مرة أدركت أن المملكة التي عاشت فيها لم تكن مجرد أرض معلقة فوق الغيوم.

كانت جزءًا من شيء أكبر.

شيء يمتد إلى العالم كله.

وكانت المفاتيح...

هي الطريق بينهما.

نظرت إلى المفتاح الذي فتح الباب.

ثم إلى المفاتيح التسعة الأخرى الموجودة في يدها.

تسعة مفاتيح.

تسعة أبواب.

وتسعة أسرار أخرى لم تعرف عنها شيئًا بعد.

لكنها الآن عرفت شيئًا واحدًا.

هذا الباب...

كان يحافظ على حياة الورود في عالم البشر.

ابتسمت سيليستين وهي تنظر إلى الغابة التي عادت للحياة.

ثم قالت:

- «لهذا كانت الأبواب موجودة.»

وبقي الباب الوردي مفتوحًا خلفها.

ومن خلاله...

استمر سحر مملكة الكرز في العبور.

واستمرت غابة الورود في الحياة.

واستمر عالم البشر في استقبال أزهاره.

دون أن يعرف أحد...

من أين بدأت الحكاية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مملكة الكرز

المؤلف remanwrites
2026/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة