استيقظت سيليستين في صباح هادئ داخل مملكة الكرز.
كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل من خلال ستائر غرفتها، وتنعكس على الجدران البيضاء الناعمة.
فتحت عينيها ببطء.
بقيت مستلقية للحظات وهي تنظر إلى السقف.
ثم تذكرت ليلة الأمس.
الاحتفال.
أزهار الكرز.
أوريان.
وشجرة الكرز السماوية.
والباب الوردي الذي أخذها إلى عالم البشر.
وضعت يدها في جيب ثوبها.
كانت زهرة الكرز الصغيرة لا تزال هناك.
ابتسمت.
ثم نهضت من سريرها.
«صباح الخير...»
لم تكن تتوقع أن يجيبها أحد.
لكن من مكان بعيد في المنزل، جاء صوت خفيف يشبه خرير الماء.
اتجهت سيليستين نحو المطبخ.
كان مطبخ بيتها مختلفًا عن أي مطبخ عادي.
في الزاوية اليمنى، كان هناك شلال ضخم من الشوكولاتة الساخنة يتدفق من أعلى جدار حجري صغير، وينزل في حوض دائري قبل أن يختفي داخل أنبوب ذهبي تحت الأرض.
كانت رائحة الشوكولاتة الدافئة تملأ المكان.
وبجانب الشلال، وُضعت عشرات الصحون الخزفية المذهبة.
كان بعضها مليئًا بالبسكويت.
وبعضها بالكعك الصغير.
وبعضها بحلوى الكرز.
وكان هناك طبق كبير من قطع الشوكولاتة الوردية، وطبق آخر مليء بالحلوى البيضاء التي تشبه الغيوم.
وقفت سيليستين أمام كل ذلك.
نظرت إلى الحلويات.
ثم إلى الشلال.
ثم عادت لتنظر إلى الحلويات.
«لا أعرف ماذا أختار.»
اقتربت من أحد الصحون.
أخذت قطعة كعك صغيرة مغطاة بالكريمة الوردية.
ثم وضعتها في طبق صغير.
بعدها أخذت قطعتين من بسكويت الكرز.
ثم ثلاث حبات من الحلوى السكرية.
ثم توقفت.
نظرت إلى الطبق.
كان ممتلئًا.
«هذا يكفي.»
صمتت لحظة.
ثم أضافت قطعة شوكولاتة.
«والآن يكفي.»
ثم أضافت قطعة أخرى.
ضحكت على نفسها.
حملت الطبق وخرجت من المطبخ.
ارتدت معطفًا خفيفًا بلون وردي فاتح، ثم فتحت باب منزلها.
دخل إليها هواء الصباح البارد.
لكن أمام البيت لم تكن هناك أرض.
كانت هناك غيوم بيضاء واسعة تمتد في كل الاتجاهات.
خرجت سيليستين.
وضعت قدمها فوق الغيمة.
كانت ناعمة تحت قدميها، لكنها متماسكة بما يكفي للمشي.
بدأت تسير ببطء.
كانت بيوت مملكة الكرز تظهر بين الغيوم من بعيد، بعضها فوق جزر صغيرة، وبعضها محاط بأشجار الكرز.
وفي الأسفل، كانت الغيوم تتحرك ببطء فوق المساحات الواسعة من المملكة.
حملت سيليستين طبقها بكلتا يديها.
ومع كل خطوة، كانت رائحة الحلويات تجعلها ترغب في التوقف والأكل.
لكنها قررت أن تصل أولًا.
بعد مسافة قصيرة، بدأت تسمع صوتًا مألوفًا.
صوت ماء.
لكن هذا لم يكن شلالًا.
كان نهرًا.
اقتربت أكثر.
ثم ظهر أمامها.
نهر القهوة بالحليب.
كان النهر واسعًا وهادئًا، بلون القهوة الفاتح.
كانت خيوط من الحليب الأبيض تدور ببطء فوق سطحه، فتشكل دوامات ناعمة تشبه الرخام.
وكانت رائحة القهوة الدافئة تنتشر في الهواء.
جلست سيليستين على حافة الغيمة قرب النهر.
وضعت طبق الحلويات أمامها.
تنفست بعمق.
«هذا أفضل مكان للفطور.»
أخذت قطعة الكعك.
كانت طرية جدًا.
وضعتها في فمها وأغمضت عينيها.
ثم نظرت إلى النهر.
كانت الشمس تنعكس فوق سطح القهوة بالحليب، فتبدو المياه وكأنها مغطاة بطبقة ذهبية.
مرت مجموعة من الغيوم الصغيرة فوق النهر.
وفي الجهة الأخرى، كان أحد سكان المملكة يجلس على كرسي خشبي صغير، يحمل فنجانًا ضخمًا ويشرب القهوة.
رفع يده عندما رأى سيليستين.
لوحت له.
ثم عادت إلى حلوياتها.
أخذت قطعة من بسكويت الكرز.
ثم حبة حلوى.
ثم قطعة الشوكولاتة.
وبينما كانت تأكل، راحت تفكر في أحداث الليلة الماضية.
كان كل شيء في المملكة يبدو طبيعيًا هذا الصباح.
الناس يستيقظون.
الأطفال يستعدون للذهاب إلى الروضة.
المخابز تفتح أبوابها.
والأنهار تجري.
لكن سيليستين وحدها كانت تعرف أن هناك أسرارًا مخبأة خلف الأبواب العشرة.
وضعت يدها في جيبها مرة أخرى.
لمست زهرة الكرز.
ثم نظرت إلى الأفق.
تسعة مفاتيح أخرى كانت لا تزال معها.
تسعة أبواب.
وتسعة أسرار.
لكنها قررت ألا تفكر فيها الآن.
رفعت قطعة الكعك أمام وجهها.
وقالت لنفسها:
«سأكتشفها لاحقًا.»
ثم أخذت قضمة كبيرة.
وفي اللحظة نفسها، سمعَت صوتًا خلفها.
«هل هذا فطورك كله؟»
توقفت سيليستين.
التفتت.
كان أوريان يقف على الغيمة خلفها، يحمل كوبًا من القهوة بالحليب.
نظر إلى طبقها.
ثم إليها.
ثم إلى الطبق مرة أخرى.
قال:
«أعتقد أنكِ كنتِ جائعة.»
نظرت سيليستين إلى الحلويات.
«قليلًا.»
نظر إلى الطبق الممتلئ.
«قليلًا؟»
ضحكت.
«حسنًا... كثيرًا.»
جلس أوريان بجانبها، وأخذ رشفة من قهوته.
بقيت سيليستين تنظر إليه لثوانٍ.
ثم نظرت إلى كوبه.
ثم إلى النهر.
ثم عادت تنظر إليه.
قالت:
«انتظر... ماذا تفعل هنا؟»
أنزل أوريان كوبه ونظر إليها باستغراب.
«أشرب القهوة.»
«أعرف أنك تشرب القهوة.»
أشارت إلى النهر.
«لكن لماذا هنا؟»
ابتسم.
«لأنني أحب القهوة من هذا النهر.»
سكتت سيليستين قليلًا.
«وأنت تأتي إلى هنا كل صباح؟»
«ليس كل صباح.»
ثم فكر قليلًا.
«حسنًا... معظم الصباحات.»
رفعت سيليستين حاجبها.
«لم أرك هنا من قبل.»
«وأنا لم أركِ.»
نظرت إليه باستغراب.
«مع أنك قلت إنك تأتي معظم الصباحات؟»
ضحك أوريان.
«يبدو أن لدينا توقيتًا مختلفًا.»
ابتسمت سيليستين.
ثم نظرت إلى الجهة الأخرى من النهر.
كان المكان هادئًا جدًا في ذلك الصباح.
وفجأة سألته:
«أين تسكن؟»
أشار أوريان إلى الطريق الذي جاءت منه.
«قريب من هنا.»
«كم قريب؟»
أشار بيده إلى مجموعة من الغيوم التي كانت ترتفع قليلًا خلف الأشجار.
«هناك.»
نظرت سيليستين إلى المكان.
لم ترَ شيئًا في البداية.
ثم لاحظت بيتًا صغيرًا أبيض فوق جزيرة من الغيوم.
كان محاطًا بثلاث أشجار كرز، وعلى سطحه مدخنة صغيرة يخرج منها بخار أبيض.
اتسعت عيناها.
«هذا بيتك؟»
«نعم.»
نظرت إليه.
ثم إلى البيت.
ثم عادت إليه.
«لكنه قريب جدًا من بيتي.»
ابتسم أوريان.
«أعرف.»
«كم قريبًا؟»
أشار بيده.
«إذا مشيتِ من بيتك إلى بيتي، ستصلين خلال عشر دقائق تقريبًا.»
ظلت سيليستين صامتة.
ثم قالت:
«عشر دقائق؟»
«ربما أقل إذا لم تتوقفي عند كل محل للحلوى.»
نظرت إليه بجدية.
«أنا لا أتوقف عند كل محل للحلوى.»
نظر إلى طبقها.
رفعت سيليستين الطبق قليلًا.
«هذه حالة مختلفة.»
ضحك أوريان.
ثم أخذ رشفة أخرى من قهوته.
«وأين كنتِ ذاهبة عندما رأيتكِ أمس في الاحتفال؟»
«لم أكن ذاهبة إلى مكان محدد.»
«وأين تعيشين؟»
أشارت خلفها.
«هناك.»
التفت أوريان.
ثم رأى بيت سيليستين.
كان أبيض صغيرًا تحيط به أزهار الكرز، وله شرفة تطل على بحر الغيوم.
نظر إليه للحظة.
ثم ابتسم.
«إذن نحن جيران.»
نظرت سيليستين إلى بيتها، ثم إلى بيته.
«يبدو ذلك.»
سكتا قليلًا.
ثم قالت سيليستين:
«غريب.»
«ماذا؟»
«أنني عشت هنا كل هذا الوقت ولم أعرف أنك موجود.»
قال أوريان:
«وأنا لم أكن أعرف أنكِ موجودة.»
ثم أضاف:
«لكن المملكة كبيرة.»
نظرت سيليستين حولها.
كان نهر القهوة بالحليب يمتد أمامهما، وعلى الضفة الأخرى بدأت مجموعة من الأطفال بالمرور وهم يحملون حقائب صغيرة.
بعضهم كان يمشي مع أمهاتهم.
وبعضهم كان يركض أمامهن.
وكان أحد الأطفال يبكي لأنه لا يريد الذهاب إلى الروضة.
ابتسمت سيليستين وهي تراقبهم.
«هل يذهب جميع أطفال المملكة إلى الروضة؟»
قال أوريان:
«معظمهم.»
«حتى كاي؟»
ضحك.
«خصوصًا كاي.»
«أتساءل إن كان قد أخبر الجميع عن نهر الشوكولاتة.»
«من المستحيل ألا يكون قد أخبرهم.»
ضحكت سيليستين.
وفي تلك اللحظة، مر طفل صغير قربهما وهو يحمل حقيبة زرقاء.
توقف عندما رأى أوريان.
«صباح الخير يا أوريان!»
رفع أوريان يده.
«صباح الخير يا نيلو.»
ثم تابع الطفل طريقه نحو مجموعة الأطفال.
نظرت سيليستين إليه.
«أنت تعرف الأطفال هنا؟»
«بعضهم.»
«يبدو أنك تعرف نصف المملكة.»
«ليس نصفها.»
ثم نظر إلى طبقها.
«لكنني بدأت أتعرف على جارة جديدة.»
ابتسمت سيليستين.
وأخذت قطعة صغيرة من الكعك.
«وأنا بدأت أكتشف أن لدي جارًا يشرب القهوة من النهر.»
قال أوريان:
«وأنتِ جارة تأكلين كمية حلويات تكفي لخمسة أشخاص.»
«أربعة فقط.»
«هذا مطمئن.»
ضحكت سيليستين.
ثم عادت تنظر إلى النهر.
كانت الشمس قد ارتفعت أكثر، وبدأت حركة المملكة تزداد من حولهما.
عربات صغيرة تسير فوق الغيوم.
أطفال متجهون إلى الروضة.
أصحاب المخابز يفتحون متاجرهم.
ورائحة الكعك والقهوة والشوكولاتة تنتشر في الهواء.
شعرت سيليستين أن هذا الصباح مختلف.
لم يكن هناك احتفال.
ولا شجرة سماوية.
ولا أبواب غامضة.
كان مجرد صباح عادي.
لكنها للمرة الأولى بدأت تشعر أن لديها حياة فعلية في هذه المملكة.
ثم قالت لأوريان:
«ربما سأعود إلى هنا غدًا.»
نظر إليها.
«إلى النهر؟»
هزت رأسها.
«نعم.»
ثم ابتسمت.
«القهوة جيدة.»
نظر أوريان إلى النهر.
«وأنا أعتقد أنني سأكون هنا أيضًا.»
نظرت إليه سيليستين.
«صدفة؟»
ابتسم.
«بالطبع.»
ثم أخذ رشفة من قهوته.
وبينما كانا يجلسان أمام نهر القهوة بالحليب، لم تكن سيليستين تعرف أن هذا المكان سيصبح واحدًا من الأماكن التي ستعود إليها كثيرًا.
ولم تكن تعرف أيضًا أن لقاءها بأوريان في ليلة الاحتفال لم يكن آخر مرة ستراه فيها.
بل ربما كانت تلك الليلة...
هي فقط البداية.
بعد أن انتهيا من شرب القهوة بالحليب، بقيت سيليستين جالسة للحظات وهي تنظر إلى النهر.
كانت المملكة قد بدأت تستيقظ تمامًا.
الأطفال يتجهون إلى الروضة، وأصحاب المخابز يفتحون أبواب متاجرهم، والعربات الصغيرة بدأت تتحرك فوق الغيوم.
نهض أوريان.
«هل لديكِ شيء تفعلينه هذا الصباح؟»
رفعت سيليستين رأسها إليه.
«لا.»
تردد قليلًا، ثم قال:
«إذن... هل تريدين أن تأتي إلى بيتي؟»
نظرت إليه باستغراب.
«إلى بيتك؟»
«نعم.»
«لماذا؟»
ابتسم.
«لأنني سأبدأ عملي بعد قليل.»
نظرت سيليستين إليه باهتمام.
«ما عملك؟»
ضحك أوريان.
«إذا أخبرتكِ الآن، فلن تكون هناك مفاجأة.»
رفعت حاجبها.
«أصبحتَ غامضًا فجأة.»
«ليس غموضًا.»
أشار إلى الطريق المؤدي إلى بيته.
«تعالي وستعرفين.»
وقفت سيليستين وحملت طبقها الفارغ.
ثم بدأ الاثنان بالسير فوق الغيوم.
كان بيت أوريان قريبًا فعلًا.
وبعد دقائق قليلة، ظهرت الجزيرة الصغيرة التي أخبرها عنها.
كان البيت أبيض وهادئًا، تحيط به أشجار الكرز من الجانبين.
لكن قبل أن تصل سيليستين إلى الباب، توقفت.
رفعت رأسها قليلًا.
كانت هناك رائحة غريبة في الهواء.
حلوة.
دافئة.
ناعمة.
وفيها شيء يشبه الفانيليا.
نظرت إلى أوريان.
«ما هذه الرائحة؟»
ابتسم.
«وصلنا.»
تقدمت سيليستين خطوة أخرى.
ازدادت الرائحة وضوحًا.
كانت رائحة فواكه مطبوخة مع السكر، ممزوجة برائحة الفانيليا الدافئة.
«رائحتها جميلة جدًا.»
فتح أوريان الباب.
وقبل أن تدخل، قالت سيليستين:
«الآن أريد أن أعرف ماذا تعمل أكثر من أي وقت مضى.»
ضحك.
«ادخلي.»
دخلت سيليستين.
وفي اللحظة الأولى، اتسعت عيناها.
لم يكن البيت كبيرًا جدًا، لكنه كان دافئًا ومليئًا بالأشياء.
على الجدران رفوف خشبية طويلة.
وعلى الرفوف...
مرطبانات.
الكثير من المرطبانات.
مرطبانات صغيرة.
وأخرى كبيرة.
وأخرى دائرية.
وبعضها طويل ونحيف.
كانت ممتلئة بمربيات مختلفة الألوان.
الأحمر.
الوردي.
البرتقالي.
الأرجواني.
والذهبي.
اقتربت سيليستين من أحد الرفوف.
قرأت الملصق الموجود على المرطبان.
«مربى الفراولة.»
ثم التقطت مرطبانًا آخر.
«مربى الخوخ.»
ثم ثالثًا.
«مربى التوت.»
ثم توقفت أمام مجموعة كاملة من المرطبانات الصغيرة.
كانت جميعها تحتوي على مربى الكرز.
ابتسمت.
«وهذه؟»
قال أوريان:
«مربى الكرز.»
«واضح.»
ضحك.
«هذا النوع أصنعه كثيرًا.»
واصلت سيليستين النظر حولها.
في زاوية أخرى كانت هناك سلال مليئة بالفواكه الطازجة.
وفي منتصف المطبخ وُضعت طاولة خشبية كبيرة.
عليها أوعية، وملاعق خشبية، وقطع من الفاكهة.
وكان هناك قدر كبير على الموقد، يتصاعد منه البخار.
ازدادت رائحة الفانيليا وضوحًا.
اقتربت سيليستين منه.
«إذن أنت من كان يرسل هذه الرائحة إلى الحي كله؟»
«ربما.»
«أوريان...»
التفت إليها.
«ماذا؟»
«أنت صانع مربى.»
ابتسم.
«نعم.»
نظرت حولها مرة أخرى.
«في بيتك؟»
«في بيتي.»
«وتبيعها؟»
«نعم.»
أشار إلى مجموعة من الصناديق الخشبية الموضوعة قرب الباب.
«أعبئها في مرطبانات وأبيعها لسكان المملكة، وبعض المتاجر والمقاهي تشتريها مني أيضًا.»
اقتربت سيليستين من الصناديق.
كان بعضها ممتلئًا بمرطبانات جاهزة.
وبجانبها كانت هناك ملصقات صغيرة تحمل أسماء النكهات.
«أنت تعمل هنا كل يوم؟»
«معظم الأيام.»
«ومن أين تحصل على الفاكهة؟»
«من المزارعين.»
ثم أضاف:
«أشتري منهم الفواكه الطازجة، وأستخدمها لصناعة المربى.»
نظرت سيليستين إلى يديه.
ثم إلى المطبخ.
ثم إلى المرطبانات.
وفجأة فهمت لماذا كانت هناك رائحة الفانيليا عندما اقتربت من البيت.
قالت:
«لهذا السبب تكون رائحة بيتك مختلفة.»
«مختلفة كيف؟»
فكرت قليلًا.
«تشبه... محل حلويات، لكنك لا تبيع الحلويات.»
«أنا أبيع المربى.»
ثم أشار إلى طاولة أخرى.
«لكن لدي شيء آخر.»
ذهبت سيليستين نحوه.
كانت هناك عدة صحون كبيرة.
الأول مليء ببسكويت دائري، وفي وسط كل قطعة نقطة من مربى الفراولة.
والثاني يحتوي على كعكات صغيرة مغطاة بطبقة لامعة من مربى الكرز.
أما الثالث فكان مليئًا ببسكويت محشو بالمربى.
توقفت سيليستين أمامها.
نظرت إلى أوريان.
ثم إلى الصحون.
ثم عادت تنظر إليه.
«هذه أيضًا من عملك؟»
«نعم.»
«أنت تصنع المربى والبسكويت والكعك؟»
«أحيانًا.»
«أحيانًا؟»
ضحك.
«عندما يكون لدي وقت.»
أخذت سيليستين قطعة من البسكويت.
نظرت إليها للحظة.
ثم تذوقتها.
تغيرت ملامح وجهها فورًا.
«أوه.»
نظر إليها أوريان.
«ماذا؟»
«هذا لذيذ.»
ابتسم.
«إنه محشو بمربى الكرز.»
أخذت قضمة ثانية.
«أعتقد أنني فهمت الآن لماذا اخترت أن يكون بيتك قريبًا من بيتي.»
رفع حاجبه.
«أنتِ اخترتِ مكان بيتك قبل أن تعرفيني.»
توقفت.
ثم قالت بجدية:
«صحيح.»
ضحك أوريان.
وعاد إلى القدر الموضوع على الموقد.
حرك المربى بملعقة خشبية ببطء.
اقتربت سيليستين منه.
«ماذا تصنع الآن؟»
«مربى الكرز مع الفانيليا.»
نظرت إلى القدر.
كانت قطع الكرز الحمراء تتحرك وسط الخليط اللامع، بينما تصاعد البخار الدافئ في الهواء.
«هذه هي الرائحة التي شممتها عند الباب.»
«نعم.»
وقف أوريان أمام القدر، يراقب المربى بعناية.
وبدا واضحًا أنه يعرف تمامًا ما يفعله.
كانت حركاته هادئة ومنظمة.
يقلب.
ينتظر.
ثم يتفقد القوام.
راقبته سيليستين للحظات.
ثم قالت:
«لم أتوقع أن تكون مهنتك صناعة المربى.»
«وماذا توقعتِ؟»
فكرت.
«لا أعرف.»
ثم نظرت إلى المرطبانات.
«لكنها تناسبك.»
توقف أوريان لحظة.
«كيف؟»
هزت كتفيها.
«لا أعرف أيضًا.»
ثم أخذت قطعة أخرى من البسكويت.
«ربما لأنك هادئ.»
ضحك.
«وهل صناعة المربى مهنة للناس الهادئين؟»
«أعتقد ذلك.»
ثم نظرت إلى القدر.
«لا أظن أن شخصًا عصبيًا يستطيع تحريك المربى طوال هذا الوقت.»
ضحك أوريان.
«ربما أنتِ محقة.»
ثم وضع قليلًا من المربى في طبق صغير وتركه يبرد.
«بعد أن يبرد، أستطيع تعبئته.»
نظرت سيليستين إلى الصفوف الطويلة من المرطبانات.
ولأول مرة، بدأت ترى أوريان بطريقة مختلفة.
لم يعد مجرد الشاب الذي قابلته في احتفال الكرز.
ولا مجرد جار يشرب القهوة من نهر القهوة بالحليب.
كان لديه بيت.
ومهنة.
وعمل يبدأ كل صباح.
وكان يقضي ساعات في مطبخه، يصنع المربى ويعبئ المرطبانات ويبيعها لسكان المملكة.
ابتسمت سيليستين.
«أعتقد أنني أحببت بيتك.»
قال أوريان:
«وأنا أعتقد أنك أحببتِ المربى أكثر.»
نظرت إلى البسكويت في يدها.
«ربما.»
ثم أخذت قضمة أخرى.
وخارج البيت، كانت أشجار الكرز تتحرك بهدوء مع نسيم الصباح.
أما داخل المطبخ، فاستمرت رائحة الكرز والفانيليا في الانتشار.
وكان هذا أول صباح تكتشف فيه سيليستين المهنة التي يعيش منها جارها الجديد.
بعد أن انتهت سيليستين من النظر إلى المرطبانات الكثيرة في مطبخ أوريان، لاحظت بابًا آخر في نهاية المطبخ.
كان بابًا خشبيًا أبيض، مختلفًا قليلًا عن بقية الأبواب.
كان مغلقًا.
نظرت إليه.
ثم نظرت إلى أوريان.
- «ماذا يوجد خلف هذا الباب؟»
ابتسم أوريان.
- «غرفة أستخدمها أحيانًا للعمل.»
اقتربت سيليستين منه.
- «للعمل أيضًا؟»
- «نعم.»
ثم فتح الباب.
توقفت سيليستين في مكانها.
اتسعت عيناها.
كانت الغرفة واسعة جدًا ومضيئة، لكن أكثر ما لفت انتباهها هو كل شيء موجود فيها.
كانت الغرفة بأكملها خزفية مذهبة.
الجدران مزينة بألواح خزفية بيضاء لامعة، تتخللها حواف ذهبية دقيقة، والأرضية خزفية ناعمة تعكس ضوء النوافذ.
وفي أنحاء الغرفة كانت هناك صحون خزفية ضخمة مذهبة.
صحون أكبر من أن تكون صحونًا عادية.
كانت ممتلئة بالفواكه الطازجة.
طبق ضخم مليء بالكرز الأحمر اللامع.
وآخر مليء بالفراولة الناضجة.
وثالث يحتوي على الخوخ والمشمش.
وهناك طبق آخر مليء بالتفاح الأحمر والأخضر.
وفي أحد الأطباق كانت حبات التوت بألوانها المختلفة متراكمة فوق بعضها.
تقدمت سيليستين ببطء.
- «كل هذا... فاكهة؟»
قال أوريان:
- «نعم.»
اقتربت من طبق الكرز.
كانت الحبات لامعة، وكأنها غُسلت للتو.
أخذت واحدة.
- «إنها طازجة جدًا.»
- «وصلت هذا الصباح.»
وضعت سيليستين حبة الكرز في فمها.
ثم ابتسمت.
لكنها لم تكن قد رأت كل شيء بعد.
على طاولة خزفية مذهبة طويلة، كانت هناك قطع شوكولا كثيرة.
بعضها مستدير.
وبعضها مربع.
وبعضها على شكل قلوب صغيرة.
وبعضها كان محشوًا بالمكسرات.
تقدمت سيليستين نحوها.
- «وأنت لديك شوكولا أيضًا؟»
- «أستخدمها مع بعض الحلويات.»
نظرت إليه.
- «كم نوعًا من الأشياء تصنع؟»
ضحك أوريان.
- «لم أحسبها من قبل.»
ثم تابعت سيليستين النظر إلى الغرفة.
وفجأة توقفت.
في منتصف الغرفة كانت هناك بركة كبيرة من الكريمة البيضاء.
كانت محاطة بحافة خزفية مذهبة، وكان سطحها ناعمًا ولامعًا.
لكن ما جعلها أكثر غرابة هو ما كان يطفو فوقها.
حبات كرز حمراء صغيرة.
وقطع مارشميلو بيضاء ووردية.
كانت تتحرك ببطء فوق سطح الكريمة.
حدقت سيليستين بها.
- «هل هذه... بركة كريمة؟»
أومأ أوريان.
- «نعم.»
اقتربت منها.
كانت رائحة الفانيليا تملأ المكان.
أخذت نفسًا عميقًا.
- «الآن فهمت رائحة الفانيليا عندما دخلت بيتك.»
ابتسم أوريان.
- «الكريمة التي أستخدمها للحلويات موجودة هنا.»
نظرت سيليستين إلى حبات الكرز والمارشميلو الطافية.
- «ولماذا يوجد هذا فوقها؟»
- «أحيانًا أترك بعض الفواكه والحلويات فيها عندما أحتاج إلى استخدامها لاحقًا.»
نظرت إليه.
- «تبدو كأنها حلوى ضخمة.»
- «هذا ما يقوله الجميع.»
اقتربت سيليستين أكثر، لكنها لم تلمس الكريمة.
ثم لاحظت شيئًا آخر في الجهة المقابلة من الغرفة.
تلة كبيرة.
رفعت حاجبيها.
كانت هناك تلة كاملة من المرطبانات.
مرطبانات زجاجية بأحجام مختلفة، بعضها مرتب فوق بعض، وبعضها موضوع داخل صناديق خشبية.
وكانت كلها مليئة بالمربّى.
مربى الكرز.
الفراولة.
التوت.
المشمش.
الخوخ.
والبرتقال.
كانت ألوانها تظهر من خلال الزجاج، فتبدو التلة كلها وكأنها مجموعة من الأحجار الكريمة الملونة.
اقتربت سيليستين منها.
قرأت أحد الملصقات.
- «مربى الكرز والفانيليا.»
ثم مرطبانًا آخر.
- «مربى الفراولة.»
ثم ثالثًا.
- «مربى التوت.»
التفتت إلى أوريان.
- «كل هذه صنعتها أنت؟»
- «نعم.»
نظرت إلى التلة.
ثم إلى الفواكه.
ثم إلى الشوكولا.
ثم إلى بركة الكريمة.
وأخيرًا إلى أوريان.
- «أعتقد أنني بدأت أفهم مهنتك.»
ابتسم.
- «حقًا؟»
- «أنت صانع مربّى.»
- «بالضبط.»
ثم أشارت إلى الغرفة.
- «لكن يبدو أنك لا تصنع المربّى فقط.»
ضحك أوريان.
- «أصنع أشياء كثيرة باستخدامها.»
اقترب من أحد الأطباق وأخذ قطعة بسكويت كانت موضوعة بجانب الشوكولا.
كان فوقها طبقة من مربى الكرز.
مدها إلى سيليستين.
- «جربي هذه.»
أخذتها.
وضعت قطعة البسكويت في فمها.
سكتت للحظات.
ثم نظرت إليه.
- «أنت خطير.»
رفع أوريان حاجبه.
- «خطير؟»
- «لأنني إذا بقيت هنا، سأكل كل شيء.»
ضحك.
- «لهذا السبب لم أقل لكِ إن هناك غرفة أخرى في البيت.»
نظرت إليه بسرعة.
- «هناك غرفة أخرى أيضًا؟»
ابتسم أوريان.
- «ربما.»
حدقت به سيليستين.
ثم عادت تنظر إلى الغرفة.
إلى الصحون الذهبية المليئة بالفواكه.
إلى قطع الشوكولا.
إلى بركة الكريمة التي تطفو فوقها حبات الكرز والمارشميلو.
وإلى تلة المرطبانات الملونة.
ابتسمت.
لم تكن تتوقع عندما جاءت إلى بيت أوريان أنها ستكتشف عالمًا كاملًا من الفواكه والمربيات والحلويات داخل غرفة واحدة.
بعد أن قضت سيليستين وقتًا طويلًا في غرفة الفواكه والكريمة، قررت أخيرًا العودة إلى منزلها.
خرجت من بيت أوريان وهي تحمل سلة صغيرة من الخيزران.
كانت السلة هدية منه.
نظرت إليها وهي تمشي.
كانت مليئة بمرطبانات صغيرة من المربّى، بعضها بمربى الكرز، وبعضها بالفراولة والتوت.
وكان بينها طبق صغير من البسكويت المحشو بالمربى.
وفوقه قطع من البسكويت مغطاة بطبقة ناعمة من الكريمة.
ابتسمت سيليستين.
قبل أن تغادر، قال لها أوريان:
- «خذيها معك.»
سألته:
- «كل هذا؟»
- «نعم.»
- «لكنني أكلت كثيرًا عندك.»
ابتسم.
- «لهذا السبب أعطيتك السلة.»
ضحكت سيليستين، وحملت السلة معها.
والآن كانت في طريقها إلى منزلها.
خرجت من الجزيرة الصغيرة التي يقع عليها بيت أوريان، ومشت فوق الغيوم.
كانت الغيوم البيضاء تمتد أمامها مثل طريق طويل من القطن.
كل خطوة كانت تجعل قدميها تغوصان قليلًا في سطحها الناعم، ثم ترتفعان من جديد.
كانت الشمس قد أصبحت أعلى في السماء.
وانعكس ضوؤها الذهبي على الغيوم، فجعلها تبدو أكثر بياضًا ولمعانًا.
حملت سيليستين السلة بكلتا يديها.
وفي كل مرة كانت تهتز فيها قليلًا، كانت المرطبانات الزجاجية تصدر أصواتًا خفيفة.
طَق.
طَق.
طَق.
نظرت إلى السلة.
- «أتمنى ألا ينكسر شيء.»
تابعت سيرها.
كانت المملكة تبدو مختلفة في النهار.
من بعيد، كانت البيوت البيضاء والصغيرة تظهر فوق جزر الغيوم، وبينها أشجار الكرز.
وكانت بعض العربات تتحرك فوق الطرق البيضاء.
مر بها رجل يحمل صندوقًا من الفاكهة.
ومرت بجانبه امرأة تحمل سلة من الخبز.
وفي الأسفل، كانت الغيوم تتحرك ببطء فوق المملكة.
شعرت سيليستين بالهدوء.
كانت تفكر في أوريان.
في بيته.
وفي مطبخه.
وفي الغرفة الخزفية المذهبة.
وفي بركة الكريمة.
ثم نظرت إلى السلة مرة أخرى.
ابتسمت.
- «لم أكن أتوقع أن يكون جارنا صانع مربى.»
واصلت طريقها.
وبعد قليل، لمحت منزلها من بعيد.
كان البيت الأبيض محاطًا بأزهار الكرز، وشرفته تطل على بحر الغيوم.
لكن قبل أن تصل، سمعت صوتًا مألوفًا.
صوت رفرفة أجنحة.
رفعت رأسها.
ثم ابتسمت.
- «لؤلؤ!»
كانت بجعتها لؤلؤ تسبح فوق الغيوم باتجاهها.
كانت بيضاء ناصعة، وريشها يلمع تحت أشعة الشمس.
اقتربت منها ببطء، ثم هبطت على الغيمة أمامها.
فتحت جناحيها قليلًا.
وضعت سيليستين السلة على الغيمة.
ثم اقتربت منها.
- «اشتقت إليكِ.»
أصدرت لؤلؤ صوتًا ناعمًا.
مدت سيليستين يدها وربتت على رقبتها.
ثم نظرت إلى السلة.
تذكرت البسكويت.
ابتسمت.
- «هل تريدين شيئًا؟»
اقتربت لؤلؤ منها فورًا.
ضحكت سيليستين.
- «كنت أعرف.»
فتحت السلة وأخرجت قطعة صغيرة من البسكويت المغطى بالكريمة.
كسرت منها جزءًا صغيرًا.
ثم قدمته إلى لؤلؤ.
أخذته البجعة بمنقارها.
مضغته ببطء.
راقبتها سيليستين باهتمام.
ثم قالت:
- «هل أعجبك؟»
اقتربت لؤلؤ منها أكثر.
ضحكت سيليستين.
- «إذن أعجبك.»
أخرجت قطعة أخرى.
ثم قدمتها لها.
كانت لؤلؤ تأكل بهدوء، بينما بقيت سيليستين جالسة بجانبها فوق الغيمة.
وضعت السلة قربها.
كانت المرطبانات تلمع تحت الشمس، وقطعة البسكويت الأخيرة بقيت في يد سيليستين.
نظرت إلى منزلها القريب.
ثم إلى لؤلؤ.
ثم إلى الطريق الأبيض الممتد فوق الغيوم.
وشعرت أن هذا الصباح كان مختلفًا عن كل صباح آخر.
فقد خرجت من منزلها لتتناول الإفطار قرب نهر القهوة بالحليب...
وعادت منه وهي تحمل هدية من جار جديد، وقصة جديدة، وبسكويتًا تحبه لؤلؤ أيضًا.
ابتسمت سيليستين.
ثم أعطت لؤلؤ قطعة أخيرة من البسكويت.
وبقيتا معًا فوق الغيوم البيضاء، قبل أن تتابعا طريقهما نحو المنزل.
remanwrites