في السكون الذي يسبق آذان الفجر، كان هناك شاب ينهض لا على منبّه، بل على نداءٍ داخليّ تعوّد أن يوقظه كلّ صباح.
جِسار، لم يكن يُحب الضوضاء، بل كان قلبه معلقًا بمواقيت السماء. قام من سريره بهدوء، توضأ بخشوع، ووقف يُصلّي صلاةً خشعت فيها جوارحه، واهتزّت لها روحه. رفع يديه إلى السماء هامسًا بدعاءٍ مألوف:
"االلهم في هذا اليوم، ومع بداية عامي الجامعي، افتح لي أبواب الفهم، وبارك لي في وقتي وجهدي، واجعل النجاح حليفي، والتوفيق رفيقي، وارزقني العلم النافع والعمل الصالح، واصرف عني التعب والخذلان. اللهم اجعله عامًا مميزًا بخيرك ورضاك. آمين.."
لم يكن ينتظر أن تُصفق له الحياة، بل أن تُرضى عنه السماء ..
.
.
.
.
.
.
عند الطرف الآخر من الصباح
الساعة 08:00
في بيتٍ تغمره المرايا والعطور، استيقظت آسِن وهي تفكّر كيف ستترك بصمتها في أول يوم جامعي.
كانت تعرف جيدًا أن الجمال قوّة، وأن أول نظرة تعني الكثير.
أمام المرآة، كانت تعيد ترتيب خصلات شعرها، تتأمل ملامحها، تضع قرطًا ثم تستبدله بآخر، حتى شعرت أنها تُجيد دور البطولة في هذا اليوم.
لم تكن تُفكر في الاختصاص الذي ستدرسه، بل في الانطباع الذي ستتركه.
"لا مكان للبساطة اليوم"، قالتها بجرأة، ورشّت عطرًا يجعل كل الأنظار تلتفت دون وعي.
في قلبها، لم يكن هناك سلام... فقط رغبة في أن يراها الجميع،
ويُقرّوا: أنها موجودة.
الساعة 09:00 صباحاً
مع بداية العام الجديد، وصلت آسِن إلى الحرم الجامعي برفقة صديقاتها، كأنّهنّ لوحة متحرّكة من آخر صيحات الموضة.
ملابسهنّ تُجاري " الترند "، زينةٌ لافتة، مجوهراتٌ تلمع تحت ضوء الشمس، وضحكاتٌ عالية لا تعبأ بنظرات الغير.
دخلن القاعة بثقة مفرطة، كأنّ المكان خُلق ليكون خلفيّة لوجودهنّ.
وفي المقابل، كان جِسار يدخل ذات المكان، لكن بهدوء ملحوظ.
يسير مع رفاقه بخطى ثابتة، ملامحه مطمئنّة، وعيناه تلتقطان المشهد من حوله بلا تعليقٍ مباشر، فقط همس داخليٌّ:
"اللهم ثبّتنا علينا العقل والدين... لا حول ولا قوة إلا بالله، ما هذا الذي أراه؟"
نظر من حوله، فوجد مجموعاتٍ متفرقة من الطلبة، بعضهم يتحدث بصخب، وبعضهم يلتقط صورًا، وبعضهم يجلس دون وجهة واضحة.
جلس في طرف القاعة، بعيدًا عن "الشِلَلْ الغريبة" (مجموعات ) كما وصفها لنفسه.
وبعد لحظات، التقطت عيناه مجموعة من الشباب بدت عليهم ملامح الوَقار.
نهض وسلّم عليهم بأدب، وتبادلوا التعارف بسرعة، ليشعر بأنّ هناك بعض الأرواح التي تشبهه... في الهدوء، في النية، في الخلق.
.
.
.
.
.
.
القاعة الكبرى امتلأت ....
الوجوه كثيرة، الأصوات تتداخل، والسؤال يتكرر: "من سيكون أستاذ هذه المادة؟"
جلس جسار في طرف القاعة، بعيدًا عن المجموعات الصاخبة. لم يكن من النوع الذي يفرض حضوره بالكلام، لكن روحه كانت تنتمي لكل مكان هادئ.
ثم فجأة ...
الصمت هبط على المكان كما لو أن الزمن توقف.
رجلٌ في أوائل الثلاثينيات، طويل القامة، وسيم بطريقة لا يمكن تجاهلها، يحمل من الهيبة ما يُجبر القاعة على الإصغاء.
"هذا طالب؟ ولا الدكتور؟" همست إحدى الفتيات.
قالت آسِن ساخرة: " أتوقع أنه دكتور !" وضحكت بخفّة، فلكزتها صديقتها.
قال بصوتٍ واثق:
"صباح الخير، أنا الدكتور حسن، أدرّسكم مادة مدخل إلى الهندسة المعمارية.
اليوم لن أُثقلكم بمحاضرة طويلة، لكن أودّ أن أطرح عليكم سؤالاً:
لماذا اخترتم هذا التخصص؟"
ثم أضاف:
"أريد من كل واحد منكم أن يُعدّ فقرة تعبّر عن السبب الذي الذي جعلكم تختارون هذا التخصص ؟؟
بأسلوبكم الشخصي، وبحثكم الخاص.
أيضًا، أرجو أن تُحضِروا كتاب التخصص للمحاضرة القادمة."
"بعد مرو ساعة انتهت المحاضرة"
"واخيرا ". هكذا قالت إحدى الفتيات
غادرت آسِن القاعة برفقة صديقاتها وتوجّهت نحو مكتبة الجامعة لشراء الكتب.
المكان مكتظّ، أصوات الطلبة تختلط بأصوات الطابعات والنقود وسؤال: "في نسخة أرخص؟"
فاشترت آسِن الكتب وغادرت المكتبة المكان الذي تكرره .
وبينما كانت آسِن تسير في الشارع المقابل للجامعة حينها كانوا طلاب المدارس قد غادروا ..
فاصطدمت بطفل صغير، فوقعت إحدى دفاترها، فصرخت بانفعال:
"إنت من وين طلعتلي؟!"
في تلك اللحظة، التفت جِسار دون أن يرفع بصره نحوها، ثم تمتم وهو يغضّ وجهه عنها:
"لا حول ولا قوة إلا بالله... في ناس مستفزة فعلًا."
اقترب منها وقال بنبرة رزينة:
"من سمح لك أن تصرخي في وجه طفل؟"
نظرت إليه باستعلاء، وردّت بتعجرف:
"وأنت شو دخلك؟"
ابتعد الصغير قليلاً وقال لها بخجل:
"آسف، آنسة."
رمقته آسِن بنظرة باردة، وقالت ببرود:
"أوك خلص."
.
.
.
.
مع نهاية يوم طويل، عاد جِسار إلى منزله قبل آذان العصر بلحظات،
استقبلته والدته بحنان:
"حيّاك الله، يا بُني."
ثم استراح قليلاً، وبعد آذان العصر، خرج إلى المسجد مع والده وأخيه يَمان الذي يبلغ من العمر 17 عاما .
في المسجد،
اتموا الصلاة ثم ألقى الإمام خطبة قصيرة أثّرت في قلبه،
تحدّث فيها عن الجيل الجديد الذي ضاع بين القشور، وتناسى الجذور.
ثم عاد إلى المنزل، حيث وجد الطعام قد نُضّد على المائدة، وأخته سهر تفتح الباب، تهتف بصوتها المألوف:
"أهلاً بالمشايخ، خلّصتوا صلاة ؟"
ضحك الجميع.
جلست العائلة على مائدة واحدة.
كانت والدتهم تؤخّر الغداء عمدًا لتجمعهم، ويظل البيت نابضًا بالحياة.
بعد الغداء، بدأت سهر بالجلي، فدخل عليها جِسار مبتسمًا يحمل بيده بعض الصحون وقال مازحًا:
"يييييي عليكي جلي كثير، الله يعينك."
ردّت عليه برغوة صابون مباشرة على وجهه، وضحكت:
"هسا أنا صرت أتمسخر، صح؟"
ضحك وقال:
"تمام سلام... رايح أبدأ بالبحث الي حكى عنه الدكتور."
جلس جِسار في غرفته، وبدأ في إعداد الفقرة التي طلبها الدكتور.
من الساعة السادسة حتى الثامنة ، حين أنهى .....
شَعَرَ براحةٍ كأنّه أفرغ قلبه في حروفه .
أما آسِن، فعادت إلى بيتها، وألقت الحقيبة على السرير وقالت لخالتها:
"حضّريلي أكل."
.
.
.
.
خالتها ؟؟!!
نعم خالتها ربتها بسبب وفاة أمها بعد ولادتها ..
وترك أبيها لها ..
**********
كانت مرهقة، لكنها لم تنسَ أن تُمسك هاتفها مباشرة بعد الأكل، وظلّت تتصفّح حتى العشاء.
لم تفكّر بالفقرة، ولا بتوصية الدكتور، نامت كما تنام الحكايات المهملة، بلا نهاية ولا بداية.
في الصباح التالي،
كان جِسار قد صلّى الفجر في المسجد، ثم لبس ملابسه وخرج نحو الجامعة باكرًا، كعادته. دخل القاعة، وجلس في مكانه المعتاد. فتح مصحفه الصغير، وبدأ يقرأ بصوتٍ خافت:
﴿ أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ﴿٢٢﴾ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًۭا مُّتَشَـٰبِهًۭا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ۖ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ﴿٢٣﴾ أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّـٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾
(الزمر: 22–24)
كان صوته يلامس الأرواح، ويُقشعرّ له البدن، حتى دخلت آسِن.
وقفت عند الباب، وتوقّف الزمن للحظة. شعرت بقشعريرة لم تعرف مصدرها. شيءٌ في صوته... في حضوره... في المشهد نفسه.
لم تكن تدري ما الذي يحدث، لكنها علمت لحظتها فقط...
أن هناك عالمًا آخر يُمكن أن يُصيبك في اللحظة التي لا تتوقّعها.
وقفَت، ساكنة الجسد، مضطربة الفكر. لوهلة، شعرت أنّ الوقت توقّف لا لشيء، إلا لأن شيئًا في داخلها أراد أن يصمت... أن يُنصت.
لم تكن تعرف ما الآية التي تُتلى، ولا من أين تأتي تلك الرعشة التي ارتجفت بها أطرافها فجأة، لكنها شعرت وكأن شيئًا هشًّا تكسّر داخل صدرها.
لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه كان كافيًا ليسحب منها ضجيج العالم.
دخلت بخطى متردّدة، وجلست إلى جانب إحدى صديقاتها، التي لم تنتبه لما حدث، ولم تُدرك تلك النظرة الغريبة في عيني آسِن.
ظلت تتابع حركاته بطرف عينها.
لم يكن ينظر لأحد، لم يكن يتحرّك كثيرًا، فقط يُتمّ تلاوته بهدوء، ثم أغلق مصحفه، وأعاده إلى حقيبته الصغيرة، كأنّه أنجز شيئًا لا يُقال، بل يُشعر فقط.
تنفّست آسِن ببطء، وشعرت بثقل في قلبها. همست لنفسها:
"شو هاد؟... أنا هادية اليوم !!؟"
هي التي اعتادت أن تُثير الضجيج، شعرت للحظة بأن الضجيج نفسه أزعجها.
سحبت هاتفها كعادتها، وبدأت تتصفّح صفحاتها المعتادة. ضحكات، مقاطع، تحديات سخيفة... لكنّها هذه المرة لم تضحك. كانت تنظر دون تركيز، وعقلها هناك... عند صوتٍ قرأ الآيات كأنّه يعرف الطريق إلى قلبها قبل عقلها.
لم تكن تعرف اسمه. لم تكن تريد أن تسأل، لكنها كانت تسمع بعض الشباب يتحدثون إليه :
"جِسار... بتمشي معنا اليوم بعد المحاضرة؟"
اسم بسيط... لكنه استقرّ في الذاكرة كأنّه حُفر.
*******
في تلك اللحظات، دخل الدكتور حسن، وبدأت المحاضرة.
لم يكن الموضوع صعبًا، لكنه كان جدّيًا. طلب منهم تقديم فقرتهم عن سبب اختيار التخصص، وقال:
"أتمنى أن تكون الفقرة من عمقكم، لا من الإنترنت. أريد أن أعرف ما تفكّرون به، لا ما نُقل إليكم."
كتب الجميع، أو تظاهروا بالكتابة. أما جِسار، فقد أخرج ورقة مرتّبة، وقرأ بصوت خافت جزءًا منها، ليتأكد من سلاسة الجمل.
أما آسِن، فتظاهرت بالكتابة، لكنها لم تفعل. كانت تحاول التركيز، لكن هناك صوت في داخلها لا يصمت.
ما زالت تفكر، لماذا هزّها مشهد بسيط لرجل يقرأ؟ لماذا لم تستطع الضحك كعادتها؟ لماذا لا تشعر براحتها المعتادة؟
صوت الدكتور قطع أفكارها:
"تذكّروا، ما تكتبونه الآن يعكس من أنتم، لا تُفرّطوا."
شعرت أن الجملة كُتبت لها وحدها.
توقّفت يدها المرتجفة عن التحريك فوق الورقة البيضاء.
تأمّلت الفراغ الذي يملؤها ويملأ الصفحة، وخافت.
خافت من ألا تجد في داخلها ما يمكن أن تكتبه، خافت أن لا يكون لديها "سببٌ حقيقي" لاختيارها التخصص.
كانت اختارته لأن صديقاتها اخترنه، لا أكثر.
أرادت أن تكتب شيئًا... أي شيء. لكنها أدركت أن الكلمات لا تأتي، لأن لا شيء في داخلها صادق بعد.
*****
مرّت دقائق ثقيلة. كان الدكتور يتنقّل بين الصفوف بنظرات فاحصة.
اقترب منها، ولمّا رأى الورقة فارغة، رفع حاجبه بهدوء، ثم قال بصوت منخفض لا يسمعه غيرها:
"أحيانًا، الصمت أبلغ من الكلام... لكن ليس في هذه الحالة."
لم تُجبه، فقط أطرقت برأسها.
ابتعد الدكتور، لكن كلمته بقيت عالقة في قلبها، كأنّها صفعة خفيفة على غرورٍ لم تكن تدري أنها تُخفيه داخل ابتسامتها.
...لكنها كانت تعلم، في أعماقها، أن البذرة الأولى زُرعت.
وأن التغيير، كما كل شيء في هذا العالم، يبدأ من لحظة صمت.
وبينما كانت تحدّق في الورقة البيضاء، غارقًة في أفكارها، قطع الدكتور الصمت بصوته الجادّ:
"بما أنّ الكثير منكم لم يُنجز المطلوب — أو لم يُنجزه بعد — فسأمنحكم فرصة أخيرة. البحث أو الفقرة حول سبب اختيار التخصص، سأستلمه غدًا مع بداية المحاضرة. من لا يُحضره، فلن يُحسب له في التقييم التراكمي."
عمّ المكان همهمات خفيفة، وبعض التنهّدات.
أما آسِن، فقد شعرت بارتياحٍ غريب... ليس لأنها ستكتب، بل لأن هناك "فرصة ثانية".
فرصة... لا تُعطى دومًا.
رفعت رأسها ونظرت نحو الدكتور، لكنه كان يتابع حديثه مع الطلاب في الصفوف الأمامية.
ثم نظرت يسارًا، حيث جلس جِسار، وقد أعاد الورقة إلى حقيبته وأغلق القلم. بدا مرتاحًا، كأن شيئًا لم يتغيّر.
وهمست لنفسها:
"أكيد خلّصه من أول يوم..."
لكن لا حقد هذه المرة في صوتها... فقط اعترافٌ داخليّ، لا صوت له.
في تلك اللحظة، شعرت أنّها لا تريد أن تكتب شيئًا يُرضي الدكتور... بل شيئًا يُرضي نفسها.
فهل تقدر؟ وهل تملك في داخلها ما يُكتب؟
بعد المحاضرة، وخارج القاعة ...
جِسار خرج برفقة صديقيه، يضحكون بصوتٍ خافت، ويتبادلون الحديث عن المحاضرة والكتب. كانوا هادئين، يبدون كأنهم يمشون على وتيرة واحدة.
مرت آسِن وصديقاتها من الجانب الآخر، وضحكاتهنّ تملأ المكان، لكن عينيها زاغت نحو جسار.
رأته يلتفت ليُجيب صديقه، ثم يُخفض بصره كعادته، ويمشي كأنّ المكان لا يغريه بشيء.
قالت صديقتها بضحكة عالية:
"آسِن، وين سرحانة؟ شايفتك ساكتة اليوم!"
ابتسمت آسِن بسرعة، وهزّت رأسها:
"لا... بس تعبانة شوي."
لكن الحقيقة لم تكن تعبًا، بل اضطرابًا. كانت تشعر للمرة الأولى أن ثقتها لا تسندها، وأن عطرها لم يُحدث الأثر الذيكانت تتوقعه ، وأن نظراتها لم تُقابل بنظرات.
وكأن شيئًا داخلها يقول:
"في أحد... لم يَرَكِ، رغم أنكِ كنتِ الأوضح في المكان."
****
في طريق العودة، جلست آسِن في المقعد الخلفي في السيارة مع صديقاتها، لكنها لم تشاركهنّ الحديث. كانت تنظر إلى نافذة السيارة، تفكر بصمت.
وحين وصلت المنزل، ألقت الحقيبة مجددًا على السرير، وقالت لخالتها:
"ما بدي أكل، تعبانة شوي."
دخلت غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. فتحت الهاتف، لكنها أغلقته بعد لحظات. شيء بداخلها أصبح لا يشتهي نفس الأشياء.
*********
أما جسار...
فقد عاد إلى بيته بعد صلاة الظهر في الجامعة، وتناول الغداء مع أهله. الجوّ العائلي، الدفء، الأحاديث البسيطة... كانت هذه الأشياء كافية ليشعر بالامتنان.
وبعد أن ساعد أخته سهر في المطبخ، عاد إلى غرفته، فتح دفتَره، وأكمل ما كتبه عن الهندسة المعمارية.
كان يكتب عن البناء لا كمهنة، بل كفلسفة. عن كيف أن الإنسان يخلق شيئًا جميلاً من لا شيء، ويجعل الفراغ بيتًا، والصمتَ لغة.
ثم رفع رأسه، وفكّر:
"هل يمكن للروح أيضًا أن تُبنى؟ أن يُعاد تشكيلها؟"
كان لا يعلم أن روحه بدأت تُلامس أخرى... بصمت.
اتمنى تكون عجبتكم ......
.
.
.
.
.
يتبع...
استنونا بالفصل الجديد .
💗💗
Malak