«آسِن؟»
كان وقع الاسم في أذنها كصفعة ناعمة تُفيق الغريق على حدود النجاة.
رفعت رأسها بسرعة، والدموع قد جفّت على وجنتيها، وارتجاف جسدها بات مرئيًا حتى لمن لا يريد أن يرى.
نظرت إلى الطبيبة التي نادت عليها، فوجدت في عينيها مزيجًا غريبًا من المهنية والتعاطف.
- «نعم... أنا.».
أومأت الطبيبة برأسها، وقالت بنبرة حذرة:
- «العملية انتهت، الحمد لله كانت ناجحة... لكن..."
ارتعشت كلمات الطبيبة في أذنيها. توقّفت عند "لكن"، وكأنَّ الزمن نفسه تجمّد.
قلبها بدأ يخفق بوحشية، ويدها تلقائيًا تشبّثت بحقيبة يدها، كأنها تبحث عن ثقل يشدّها إلى الأرض.
- «ماذا؟ ما الذي حدث؟»
قالت الطبيبة وهي تُقلب في الأوراق:
- «جِسار نجا من الخطر، لكنه تعرّض لارتجاج بسيط في الدماغ بسبب قوة الحادث، وبعض الكسور في الكتف والساق. حالته مستقرة لكننا نحتاج لمراقبته خلال الساعات القادمة.»
شهقت آسِن بصمت، وضغطت على صدرها بكفها المرتجف.
- «هل أستطيع رؤيته؟»
- «ليس الآن، لكن خلال ساعة على الأكثر. سيتم نقله من غرفة العمليات إلى العناية، وسنُخبرك.»
جلست على المقعد مرة أخرى.
لم تتكلم. فقط نظرت للأرض طويلًا، ثم شبكت يديها في حضنها، وأغمضت عينيها.
•
•
•
•
بعد ساعة كاملة بدت وكأنها سنوات، نادتها الممرضة.
- «يمكنكِ رؤيته، لدقائق فقط.»
نهضت، ودفعت خطواتها نحو الغرفة كما يُدفع باب قديم ثقيل في وجه العاصفة.
دخلت.
كانت غرفة العناية باردة، يملؤها ضوء أبيض قاسٍ، وأصوات الأجهزة تُملي على الهواء إيقاعًا رتيبًا.
هناك كان جِسار... ممدّد على السرير، تغطيه البطانية البيضاء حتى صدره، وأجهزة عديدة تحيط به من الجانبين.
اقتربت.
حدّقت في ملامحه، كانت مغمضة، وباهتة، لكنه بدا كما هو... ساكنًا، واثقًا، حتى في غيبوبته.
جلست على المقعد، ولم تتكلم. فقط وضعت يدها قرب يده... لا تلمسها، بل تراقب.
ثم... وكأن الصوت خرج من روحها، لا من حنجرتها:
- «جِسار... أنا آسِن.»
صَمْت...
لم تتحرّك الأجفان.
- «كنتَ دائمًا تثير جنوني... بهدوئك، بكلامك، بصوتك عندما كنت تقرأ القرآن.
لم أكن أفهمك.
بس ... يمكن ما لازم أفهمك، يمكن كنت بس لازم أسمعك.»
لم تَدْرِ إن كانت تُكَلِّم نفسها أم تُفضي له بأسرارها.
•
طال الجلوس، وهدأ تنفّسها، حتى غفت دون أن تشعر، رأسها مائل على طرف السرير، ويدها ما زالت قريبة من يده... لا تلامسها، لكنها قريبة بما يكفي ليشعر بها إن عاد.
الغرفة ما تزال كما هي... بياضٌ بارد، ونبضُ الأجهزة يملأ الفراغ، كأنّ الزمن هنا لا يسير، بل ينتظر.
فجأة...
حركة خفيفة.
كأنّ نسمة هواء عبرت من قلب الغيبوبة... ارتجفت أصابع جِسار برفق، كمن يحاول التمسك بخيط الحياة، لا يريد أن يضيع.
ارتفع حاجباه قليلًا، ثم تحرّكت شفتاه بحروف متعثّرة، خرج منها صوت خافت... كأنّه نُطق من عمق النوم، أو من عُمْرٍ آخر:
- «آسِن...؟»
شهقت.
رفعت رأسها ببطء، وعيناها تلمعان من أثر النوم والبكاء والدهشة معًا.
نظرَت إليه... وجدته يفتح عينيه بصعوبة، كأن الضوء يؤلمه، أو كأنّه لم يعتد على هذا العالم بعد.
- «جِسار! أنتَ... استيقظت؟»
هزّ رأسه بخفّة، كمن يقول نعم، لكن لا يملك إلا الإيماءة.
- «أين... أنا؟»
قالتها بشفتين ناشفتين، وعينيه ما تزال تبحث عن الحقيقة.
أجابت، وصوتها يرتجف فرحًا وخوفًا معًا:
- «بالمشفى... صار حادث... لكنك بخير الحمد لله، أنتَ بخير!»
سكت لحظة... ثم تمتم بصوت لا يكاد يُسمع، لكنه وصل إلى أعماقها:
- «كنتُ أسمع صوتك... حتى وأنا في الظلام.»
تجمّدت ملامحها.
نظرت إليه بدهشة، وكأنّ كلامه فتح بابًا جديدًا في قلبها.
- «صوتي؟»
أومأ بخفّة، ثم قال وهو يغلق عينيه قليلاً:
- «كنتِ قريبة... حسّيت فيكِ، كأنك كنتِ تشدي روحي برفق، تمنعيها من الغرق.»
لم تتمالك دموعها، انفجرت بصمت، كأنّ شيئًا في صدرها انكسر....
اقتربت أكثر، أمسكت يده أخيرًا، وقالت:
- «لا تتكلم كثيرًا... بس المهم إنك عدت.»
ثم أغلقت يدها على يده، كأنّها تُقسم ألا تتركها مرة أخرى.
وفجأة، انفتح الباب.
دخل الطبيب ومعه ممرضة، رفع حاجبيه بدهشة:
- «أوه! فتح عينيه؟ ممتاز... ممتاز جدًا! يبدو أن حالته أفضل مما ظننا. سننقله للغرفة العادية بعد قليل.»
ابتسمت آسِن، ويدها لا تزال ممسكة بيده.
كان كل شيء في قلبها يهمس:
"الحمد لله... لقد عاد."
•
"حين هدأ ضجيج الألم، وبدأت الحياة تعود إلى نغمتها الأولى، كان جِسار جالسًا في غرفته، يتصفّح أوراقًا بيضاء بعينٍ أقل وجعًا."
دخلت آسِن.
- «كيف أصبحت؟»
- «أحسن... بفضل الله.»
سكتت، ثم قالت:
- «أحضرت لك هذا.»
أخرجت من حقيبتها وصندوق خشبي صغير، وكتابٌ مُغلّف بورق هادئ اللون.
نظر إليها باستغراب:
فتح جِسار عينيه، ابتسم، وقال:
- «هدية؟»
أومأت.
- «مش عارف ليه جبتهم، بس حسّيت إنهم لازم يكونوا هون.»
فتحت الصندوق أمامه. كان فيه مجسّم صغير لمسجد أندلسي الطراز... بأقواسه الدائرية وزخارفه الدقيقة.
قالت بخجل:
- «شفتُه وتذكرت فكرتك للمشروع... العمارة اللي فيها "روح".»
- «ما زلتِ تفكّرين بالمشروع؟»
- «هو الذي جمعنا، أليس كذلك؟»
ابتسم.
- «غريب... كل شيءٍ تغيّر، لكن المشروع بقي كما هو على حاله.»
قالت:
- «ربما لأنه الحقيقة الوحيدة التي لم تتشوّه بعد.»
أمسك المجسّم ببطء، بعينين صامدتين لكنهما تهتزان من الداخل.
- «آسِن...»
- «نعم؟»
- «أحيانًا... مش الهدية اللي بتوجع، بل نيّتها.»
ثم صَمَت.
سكت لحظة، ثم قال:
- «آسِن... لماذا بقيتِ في المشفى تلك الليلة؟»
- «لا أعرف... فقط شعرت أنني لا أريد أن أكون في أي مكان آخر.»
كان في صوته شيء مختلف حين قال:
- «أنا لم أعد أفهمك.»
قالت دون أن ترفع نظرها:
- «ولا حتى أنا.»
ثم ضحكا... بصوتٍ خافت، كأن الحياة نفسها قرّرت أن تمنحهما استراحة صغيرة..
•
•
وفي المساء ، خرج جِسار من غرفته متكئًا على عكازه، تتبعه آسِن بخطى هادئة.
جلسا في حديقة المستشفى، تحت شجرة زيتون عجوز، والهواء ينساب برقة حولهما.
قال:
- «أحيانًا أحس إن الدنيا بتجبرنا نوقف، مش عشان نتألم... بل عشان نفكّر.»
نظرت إليه، ثم إلى السماء:
- «أنا ما كنت أفكّر... كنت أركض بس.»
قال بهدوء:
- «ووقفتِ هلأ؟»
هزّت رأسها بلا يقين:
- «مش تمامًا... بس صرت أبطأ، وأسمع صوتي أكثر.»
قال:
- «صوتك مهم... بس الأهم إنّك تعرفي توجّهيه.»
صمتت.
ثم ابتسمت بخفة، وقالت:
- «مش عارفة ليش، بس وأنا قاعدة هون... حاسة كأن كل شي ممكن يبدأ من جديد.»
أجابها بنظرة صافية:
- «يمكن لأنك مستعدة... لأول مرة، تبدأي بصدق.»
•
•
•
جاء وقت الخروج من المستشفى.
كان الغروب يتكئ على نوافذ المدينة، حين أُغلق باب المستشفى خلف جِسار.
يسير على عكازه ببطء، وخطواته تترك ظلالًا ثقيلة فوق الرصيف... كأن الأرض تحفظ بصمة من نجا.
أما آسِن، فقد رافقته حتى الباب، ثم قالت بابتسامة خفيفة:
- «بترجع عالبيت وبتختفي يعني؟ ولا بتسمحلي أزورك بكرا، نشوف شو نعمل بالمشروع؟»
نظر إليها لحظة، ثم قال:
- «زوريني... لكن لا تجيبي معك صوتك العالي.»
- «بوعدك... أجيب بس دفاتري.»
•
وقفت آسِن بجانبه، تساعده على ركوبه السيارة بقليل من العفوية .
قال:
- «عادي تظلي معي للجامعة؟ الدكتور بدّه يناقش المشروع اليوم.»
أجابت بابتسامة:
- «أترك الشريك وهو بيمشي على عكاز !!؟ مستحيل.»
•
في السيارة، وهي تقود هذه المرّة، ساد صمت صغير.
ثم قال:
- «أوّل مرة منعرف بعض، كنتِ بتصرخي عليّ...»
ضحكت:
- «أوه... لا تذكرني.»
- «وهلأ... صرتِ بتسكتي من نظرة.»
- «مش بس منك... من كل شي.
كأني عم أرجع أكتشف الدنيا.»
•
حين وصلا إلى الجامعة، كان زملاؤهم يخرجون من القاعات.
التفت إليها، وقال:
- «مش بس المشروع رح نكمّله... رح نكتب كل شيء من جديد، بس هالمرة... نحكي القصة إحنا.»
أومأت، بدمعة لم تنزل.
ثم همست:
- «بس بهدوء... مش بصوتي العالي.»
•
وما كانت تعلم آسِن... أن الحياة لم تكشف بعد أوراقها كلها، وأن ما حدث... لم يكن النهاية، بل بداية حقيقية، لا تشبه ما قبلها في شيء.
كانت تظن أن النجاة من الحادث هي الامتحان، أن عينيه المفتوحتين دليلٌ كافٍ على أن الطريق انتهى عنده... لكنها لم تكن تدري أن الطريق الحقيقي، قد بدأ لتوّه.
منذ الحادث، تغيّر شيء في داخلها... ليس فقط الخوف، بل ذلك الخيط الرفيع الذي يمتد بين القلب والعقل، بين النبض والفكرة، بين "أنا كما كنت"، و"أنا كما أريد أن أكون".
بدأت تشعر أن حياتها لم تكن خطًا مستقيمًا، بل دوائر متشابكة، تدور حول لا شيء... حتى اصطدمت بصوته، بحضوره، بذلك الهدوء الذي لم تفهمه، ثم تعلّمت أن تخشاه، ثم... أن تقترب منه.
كانت تعتقد أن الهشاشة ضعف، وأن الصمت عيب، وأن التساؤل لا معنى له... لكنها الآن، تجلس وحدها ليلاً، تفكّر فيما قاله، فيما لم يقله، فيما خبّأته ملامحه وهي لا تزال تقاوم الألم.
في الليلة التي تلت خروج جِسار من المشفى، لم تنم.
جلست على سريرها، نظرت لسقف غرفتها كما لو أنّها تنتظر وحيًا ما.
أمسكت دفتراً فارغًا، وبدأت تكتب. لا تدري ما الذي تكتبه. جُمَلٌ متقطّعة، وأفكار بلا نهايات.
لكنها المرة الأولى التي تشعر فيها أن يدها تُمسك شيئًا حقيقيًا... وإن لم تعرف اسمه بعد.
وفي سكون الغرفة، سمعت صوت الأذان.
نهضت.
تقدّمت نحو النافذة.
فتحتها.
كان الهواء باردًا، ناعمًا... لكنه لم يُشبه البرد الذي عرفته من قبل.
كان كأنّه يهمس:
"ألم يأنِ للذين آمنوا...؟"
ارتجفت.
لا من البرد.
بل من ذلك الصوت الذي سكن ذاكرتها...
صوته هو... حين قرأ الآية ذاتها، يوم لقائهما الأول.
هل هي صدفة؟
أم تذكير؟
ابتسمت، بصمتٍ لم تعرف له تفسيرًا.
ثم همست لنفسها:
- «ربما لم أكن أدري... لكنّني الآن، بدأتُ أريد أن أعرف.»
وأغلقت الدفتر، على صفحةٍ لم تُكتب بعد.
> "توضأت وصلّت... لا لأنها تعرف لماذا، بل لأنها شعرت أن قلبها وجد مكانه أخيرًا. وفي سجودها، دعت الله أن يُثبتها، وحمدته على النعمة التي هبطت على حياتها كما المطر... جِسار."
في تلك الليلة، وبينما كانت تقلب أوراق مشروع الجامعة، وقعت ورقة صغيرة من بين الصفحات.
كانت مرسومة بخط يد جِسار... مسجد بسيط، تحيطه نخلة من جهة، وهلال صغير من الأعلى.
ابتس
مت آسِن.
كانت تفاصيل الرسم دقيقة، كما لو أن يده لم تكن ترسم، بل تحلم.
لكن ما لفتها أكثر، كان ما كُتب خلف الورقة:
"في يومٍ ما... أريد أن أبني مسجدًا، صغيرًا... مليئًا بالسكينة، وواسعًا للقلوب الضائعة."
حدّقت في الكلمات طويلاً.
شعرت كأن شيئًا جديدًا انفتح داخلها... ليس فقط إعجابًا، بل انبهارًا هادئًا.
لم يكن هذا مجرّد مشروع جامعي... بل ملامح رجلٍ يُفكّر أبعد من الدنيا.
•
في اليوم التالي،
طَرَقَتْ باب البيت برفق.
فتحت لها امرأة مسنّة... وجهها فيه ملامح بلادٍ قديمة، وعينيها تحملان سلام الدعاء وذكريات الوطن.
قالت بنبرة حنونة:
- «أنتِ آسِن؟»
- «نعم...»
- «أنا جدّته... أهلًا وسهلًا، تعالي، هو بانتظارك.»
> حين دخلت بيتهم، لم تكن متوترة فقط لأنها سترى جِسار ...
بل لأن فكرة "البيوت الهادئة" كانت تخيفها.
كانت معتادة على ضجيج المشاعر، أصوات مرتفعة، أفكار مبعثرة.
أما هنا... فكل شيء منظم، دافئ، وكأنّه يمشي على نَفَس واحد.
شعرت أن قلبها غير جاهز لهذا السلام.
لكنه اشتاق له.
•
وجدت جِسار جالسًا في غرفةٍ مضاءة بألوان خشبية دافئة، كتب على الطاولة، وبعض الأوراق المبعثرة، وكوب شاي دافئ بجواره.
حين رآها، وقف قليلًا رغم العكاز، ثم قال:
- «ظننتك ستتأخرين.»
- «أنا أتأخّر عن المحاضرات... مش عنك.»
- «جميل... ما عدتِ تتهرّبين منّي؟»
- «ولا من نفسي.»
جلست مقابله، وضعت دفاترها،
لم تنتظر كثيرًا.
أخرجت الورقة من دفترها، ووضعتها أمامه.
قال بدهشة:
- «هاي؟! من وين لقيتيها؟»
أجابت وهي تنظر في عينيه:
- «كانت بين أوراق المشروع... ورقة ضايعة، بس شكلها مش عابرة أبدًا.»
سكت قليلًا، ثم قال:
-- «كنت راسمها بليلة ما كنت قادر أنام... فكرة قديمة شوي.»
- «مسجد ونخلة؟» قالتها وهي تضحك.
ثم أردفت بهدوء:
- «بس حبيتها... حبيتها كتير، وخصوصًا الجملة اللي ورا.»
«آه... وحسّيت إنّي بدي أكون موجودة، لو يومًا صار هاد المسجد حقيقة.»
رفع حاجبيه بدهشة طفيفة، ثم ابتسم بصمت.
وفي عينيه... لمعت شرارة لم يكن يعرف لها اسمًا.
---
•
دخلت الجدة في تلك اللحظة، حاملة صينية صغيرة فيها شاي وتمر، لكنها توقفت عند الباب، تنظر إليهما.
قالت بفضول ناعم:
- «شو هاي اللي بتتخبّى؟»
أومأت آسِن للورقة، فاقتربت الجدة، أخذتها من يد جسّار، وضعتها على عينيها، وقالت:
- «يا سلام... مسجد؟ وهلال؟ يا بني، جدّك الله يرحمه كان دايمًا يقول: اللي بيرسم حلم لله، ربنا بيكمله عنه.»
نظرت نحو آسِن وأضافت:
- «وشو أجمل من إنك تلاقي حدا يصدّق حلمك قبل ما يصير!»
سكت الجميع.
ابتسم جِسار، لكنه لم يعلّق.
أما آسِن، فخفضت رأسها قليلًا، وبداخلها شيء يشبه الرجاء... لكنها لم تفسّره بعد.
ثم أضافت الجدة :
- «كلوا شوي، ما في بركة بنقاش فاضي المعدة.»
ضحكت آسِن، وشكرتها بلطف.
ثم نظرت لجِسار، وقالت:
- «هي جدتك؟»
- «هي أمي، وجدتي، وأحيانًا أصدق صوت بسمعه.»
- «الله يخليها... بتحسسني إني صغيرة كتير.»
- «يمكن لأنك محتاجة حد يربّي قلبك... مش عقلك.»
سكتت آسِن، لكنّ قلبها ارتجف.
كانت هذه الجملة تحديدًا... أشبه بمفتاحٍ لصندوق مغلق داخلها.
•
بعد قليل، وقفت عند النافذة، نظرت إلى الغروب.
قالت:
- «الغروب دايمًا بيخليني أحسّ إني ضيّعت شي وما لحقت أرجعه.»
- «وأنا... بيخليني أفتّش عن أول صفحة لازم أبدأ منها.»
- «بس لو الورق مبلول؟»
- «نكتبه بدمعنا... يمكن يكون أوضح.»
التفتت إليه.
كان صادقًا بطريقة لا تُحتمل.
وكانت ضعيفة بطريقة لا تراها.
•
حين حان وقت خروجها، قالت الجدة:
- «يا بُنيتي، الجروح الكبيرة... بتصير ذكرى صغيرة إذا مرّ عليها الناس الصح.»
ثم همست لجِسار وهي تمسّد كتفه:
- «وهي البنت فيها شي طيّب... إياك تغفل عنه.»
نظرت آسِن إلى الجدة، كانت تنظر لها وكأنها ترى أكثر من مجرد فتاة.
وكأنها تُبصر ملامحًا لشيء يتكوّن، يتبدّل، ينبت على مهل.
شعرت للحظة أنها تُرى... لا كما هي، بل كما يمكن أن تكون.
وهذا وحده... كان كافيًا ليجعل قدميها تترددان عند الباب.
ابتسم.
لكنه لم يعلّق.
أما آسِن، فخرجت... وهي لا تعلم إن كانت دخلت قلبه، أم خرجت من قلبها.
لكنّ السماء كانت بنفسجية،
وخطواتها لم تكن تشبه خطوات مجرّد زيارة.
بل كأنّها كانت تخرج من بابٍ ضيّق في داخلها، إلى ساحةٍ أوسع... لم تطأها من قبل.
والحياة... ليست كما كانت قبل أن تقف أمام بابه.
ـــــــــــــــــــــ
.
نهاية الفصل الرابع 💗💗.
Malak