جسار جلس في مكانه، يده موثوقة إلى الحائط بسلسلة حديدية صدئة، عيونه ثابتة على آسِن، التي تكدّست بجوار الجدار المقابل، ضامّة قدميها إلى صدرها، وشعرها المسفوك يغطي جزءًا من وجهها، بينما آثار الدموع اليابسة حفرت مجراها على خديها كشاهدٍ على الليل الطويل الذي سبق هذه اللحظة.
كان الصمت بينهما كثيفًا، لكن أكثر ما أثقل المكان لم يكن غياب الكلام، بل ما تحته. كل شيء كان مشدودًا كوتر قوس، قاب قوسين من الانفجار.
وفي خضم هذا الصمت، اخترق صوتٌ غليظ الجدران، متسللًا من خلف الباب الحديدي كالرعد في عزّ الشتاء.
"بما إنك مصرّ تبقى معها، فخليك."
نبرة خالد حملت معها مزيجًا مقيتًا من السخرية واللامبالاة، وكأنه يراقب مسرحية مملة يعرف نهايتها مسبقًا. توقف للحظة،
ثم تابع بصوتٍ أكثر حدة:
"بس بتعرف؟ أنا شايف إنك ناوي تتزوجها... خذها. تزوجها. بس هون. تحت نظري."
نظراته كانت كالسكاكين، تتنقل بين جسار وآسِن، وكأنه يلوّح بانتصارٍ ساخر، لا يعنيه من سيُذلّ أكثر، طالما الجميع يتحرك على رقعة شطرجه.
ثم رفع حاجبيه بحركة ثقيلة، استدار ببطء متعمد نحو الباب، وقبل أن يخرج، قال بنبرة باردة وكأن الأمر لا يعنيه إطلاقًا:
"رح أترككم شوي... تفكروا."
صوت الباب الحديدي حين أُغلق خلفه لم يكن عاديًا. كان كجرس خافت ينذر بمرحلة جديدة، أكثر خطورة، أكثر غموضًا.
وبقي الاثنان، جسار وآسِن، في ذات الوضع، ذات السكون... لكن شيئًا ما بدأ يتغيّر في أعماق الغرفة، كما لو أن القرار الحقيقي لم يعد بيد خالد.
ظلت أنفاس آسِن متقطعة، كأنها تحاول أن تلحق بنفسها الهاربة من بين الضلوع. عيناها تحدقان في الباب المغلق أمامهما، وكأنها لا تصدّق أن الرجل الذي سمّى نفسه "والدها" خرج بعد أن رمى بجملة كفيلة بأن تخلخل حياتها كلها.
جسار ما زال مقيدًا، لكن عينيه كانتا أكثر حرية من أي وقت مضى. كان ينظر إليها، لا بشفقة، بل بنوع من الصبر الغريب، وكأنه ينتظر منها أن تثور، أن تبكي، أن تصرخ... أن تفعل أي شيء يعيدها للحياة بعد هذه الصدمة.
لكنها لم تفعل.
تنهّدت ببطء، ثم أدارت وجهها إليه، نظراتها مشتعلة بغضبٍ دفين:
"ليش قلتله تتزوجني؟! أنت فاهم شو يعني هيك؟! كيف بتقرر هيك قرار عني؟!"
ابتلع جسار كلماته الأولى، ثم قال بهدوءٍ غير مألوف:
"ما كنت بقرر عنك، كنت عم أحاول أشتري وقت. هو كان رح يفرق بينا بأي شكل، ويمكن يختفي فيك، وما كان رح أسمح."
قهقهت بمرارة، دموعها المتحجرة بدأت تتكسر:
"وهيك بتحلها؟! تعرض الزواج؟! هي حياتي، مش خطة تكتيكية!"
ارتفعت نبرتها حتى تردد الصوت في الجدران، لكنها في اللحظة التالية أغمضت عينيها، كأنها تشعر بالخزي من ضعفها، أو ربما من الحقيقة القاسية التي نطقت بها للتو.
قال جسار بصوت أقرب للهمس:
"ما بعرف كيف أشرحلك... بس أنا، من اللحظة اللي شفتك فيها هناك على المقعد، كنت حاسس إنو في شي فيك ما بقدر أتجاهله. مو بس إعجاب، ولا لحظة طيش. إشي أعمق... يمكن خوف عليك، يمكن شي أنا نفسي ما فهمته."
صمت.
ثم أضاف:
"بس بعرف إني بدي أحميك، وإذا كان الزواج وسيلة أحميك فيها، فأنا جاهز... حتى لو ما كنتي تحسّي بشي إلي."
آسِن نظرت إليه، عيناها تتقلب بين العناد والخوف والارتباك.
"أنا ما بعرف إذا بحبك... ما بعرف إذا بقدر أثق فيك، أو حتى في نفسي بعد كل شي صار."
أومأ برأسه، تقبّل كلماتها دون محاولة للدفاع.
.
كان الصمت في الغرفة قد أصبح ثقيلاً، ينهش الأعصاب بتلك الرتابة التي تُخفي خلفها عاصفة مرتقبة. مرت ساعة، وربما أكثر، دون أن يتغير شيء...
لا خطوات تقترب، ولا صراخ، لا أصوات رجال ولا حتى حركة هواء عبر الباب الخشبي المتآكل.
آسِن كانت تجلس مسنودة إلى الحائط، عيناها تتأملان السقف المظلم وكأنها تقرأ عليه شيئًا لا يُرى، في حين كان جسار يغمض عينيه نصف الوقت، يفتح أذنيه لكل ذبذبة صوت، وكأن في داخله رادارًا لا ينام.
وفجأة، صَدَرَ صوتٌ خافتٌ من الخارج... كصوت ارتطام شيءٍ بالأرض... ثم تبعه صمتٌ مطبقٌ مريب، كأن الصوت نفسه قد خاف مما أزعجه، فانسحب هاربًا.
فتح جسار عينيه ببطء، نظر إلى آسِن، ثم همس دون أن يحرك جسده:
"اسمعي... في شي مو طبيعي... صوت رجاله مو موجودين ..."
انعكست في عينيه تلك الحذر الشديد الممزوج بحدسٍ لا يُخطئ. كان هناك شيء في الأجواء لا يشبه ما سبق. تحرّك قليلاً، انحنى إلى جهة الحائط حيث كانت القيود مغروسة، يده تتحسّس المكان حتى التقط شيئًا معدنيًا صغيرًا، بدا كأنه قطعة من قفل مخلوع أو جزء من الحديدة التي كانت تُقيّده.
همس مرة أخرى:
"هاي... يمكن نستخدمها."
بدأ يحاول ببطء... صرير خافت للمعدن، وآسِن تمدّ يدها تساعده، تسنده وتثبت القطعة... المحاولات استمرت دقائق طويلة بدت كأنها دهور، إلى أن... انفتح القيد عن يده الأولى.
ابتسم بخفوت وهو يلتفت إليها:
"دورك."
وبنفس الحذر والتركيز، ساعدها على فك قيدها. اليدان المرتجفتان، والأنفاس المكتومة، والعتمة التي تشهد كل شيء دون أن تبوح.
انتهيا. نظرا إلى بعضهما للحظة... كأن أعينهما تتفق على الخطة دون أن تُقال.
اقتربا من الباب. آسِن وضعت أذنها عليه أولًا، لم تسمع شيئًا. دفعت بحذر. الباب لم يكن مغلقًا بإحكام. لا صوت قفل. لا مقاومة. كأن أحدهم تعمّد تركه كما هو.
جسار ضغط على كتفها بخفة، همس:
"بهدوء... وركضي أول ما أقول."
أومأت.
دفع الباب ببطء... صريرٌ خافتٌ كأنّه يصرخ في أعصابهم، ثم... انفتح.
خرجوا... زحفًا أولًا، ثم وقوفًا حذرًا، ثم هرولة صامتة نحو المجهول.
كان المكان ريفيًا، أشجار متناثرة، ومصابيح بعيدة، وظلال بيت قديم خلفهم... ظلال لا يعرفون من فيها، ولا متى يفيق مَن نام.
ركضوا... دون أن ينظروا خلفهم. دون أن يسأل أحدهم الآخر: إلى أين؟
كل ما كان يهمّهم... أن الظلام خلفهم لم يبتلعهم، بعد.
---
الغابة كانت تلفّهم بعباءتها السوداء، وكأنها تخبئهما في حضنها عن عيون العالم. الضباب كان يزحف كالأشباح بين الأشجار، ورائحة التراب المبلل تملأ الهواء، رائحة الخوف، ورائحة الحرية.
ركضا طويلًا، والظلال تتكاثر خلفهما، حتى شعرا أن أقدامهما لن تحملهما أكثر. عند شجرة ضخمة، تبدو كأنها نبتت من حكاية قديمة، توقفا، يلهثان، أنفاسهما تتشابك، وجسديهما يرتجفان من التعب أكثر من البرد.
جلسا على الأرض، الأوراق الجافة أحدثت خشخشة خفيفة تحت أجسادهما، لكن لا أحد التفت للصوت.
جسار، الذي بدا وجهه مرهقًا ومغبرًا، تنفّس بعمق، ثم نظر حوله في الظلمة الكثيفة، وقال بنبرة فيها ارتجاف:
"ما بعرف وين إحنا... بس المهم إننا طلعنا."
لم تكن الكلمات عميقة، لكنها كانت كل ما يحتاجان سماعه.
آسِن كانت ما تزال تلتقط أنفاسها، شعرها مبلل وملتصق بوجهها، والعرق يختلط بغبار الركض، لكن عينيها كان فيهما بريقٌ لم يكن موجودًا قبل ساعات... بريق شخصٍ، للمرة الأولى، يشعر أنه ليس تحت سيطرة أحد.
صمتت، ثم قالت بصوت بالكاد يُسمع، وكأنها تخجل من ضعفها:
"أنا خايفة."
لم يلتفت إليها مباشرة، لكنه أجاب دون تردد، وبصوت ناعم:
"أنا كمان. بس الخوف ما بيطول... دايمًا بييجي شي بعده."
رفعت رأسها تنظر إليه، كانت تحاول أن تصدق كلماته، تحاول أن تتشبث بها كخشبة نجاة وسط محيط. لكن قلبها كان هشًّا، مثقلًا بالتجارب، ومفتوحًا على احتمالات لم تفهمها بعد.
جلست قُرب جذع الشجرة، لفت ذراعيها حول ركبتيها، كأنها تحمي نفسها من هواء الليل، أو من أفكارها.
قال لها جسار، بنبرة خفيفة حاول أن يجعلها طبيعية قدر الإمكان:
"بدّك أنام قبالك؟ بسهر."
نظرت إليه، للحظة لم تقل شيئًا، ثم أغمضت عينيها وهمست:
"ما عاد فيني أنام... بس خليك قبالي ."
كأنها لم تكن تطلب وجوده الجسدي فقط، بل حضوره كطمأنينة، كدرعٍ خفي يوقف الزمن عند هذا الليل، حتى لا يأتي ما بعده.
اقترب منها، جلس على الأرض، مسندًا ظهره إلى الجذع نفسه، وعلى بعد شبر منها فقط. لم يتكلما.
وبينما كانت هي تتنفس ببطء، تهرب نحو غفوة مترددة، كان هو يحدّق في السماء عبر فجوات الأغصان، يُصغي لصوت قلبه أكثر من أصوات الليل.
كل شيء فيه كان يصرخ: "لو لقونا... لو رجعنا... شو رح يصير؟"
لكنه لم يُجب عن السؤال.
أدار وجهه نحوها، كانت نائمة... أو تحاول أن تبدو كذلك. في ملامحها المتعبة، وجد شيئًا ناعمًا، هشًا، نقيًا... شيء لا يشبه العالم الذي أتت منه ولا الذي أتاه هو.
وهمس في داخله، دون صوت:
يمكن ما بعرفك تمام... بس بعرف وجعك.
وظل هناك... لا ينام، لا يتحرك، كأنه حارس لعالم لا أحد يراه غيره.
مع أول خيوط الفجر، بدأ الضباب ينسحب ببطء عن وجه الغابة، كاشفًا عن جمالها الهادئ... وخطورتها الصامتة. كان كل شيء ساكنًا، كأن الطبيعة تتنفس ببطء، تتهيأ ليومٍ جديد. لكن هذا الهدوء لم يدم.
صرخات متقطعة اخترقت السكون. أصوات رجال تقترب، نداءات بأسماء غير مفهومة، وأقدام تدوس على الأوراق الجافة كأنها تطارد الأشباح.
فتح جسار عينيه فجأة، كان جالسًا وظهره مستند إلى الشجرة، وما زال مستيقظًا. التفت نحو آسِن التي كانت نائمة بشكل مجهد، كأن نومها لم يُطفئ في داخلها شيئًا.
همس بقوة وهو يهزّ كتفها بخفة:
"قومي... لقونا. لازم نهرب، هسا !"
آسِن فتحت عينيها بسرعة، الارتباك في ملامحها كان أوضح من أي كلمة. نهضت بصعوبة، جسدها المتعب يرفض الحركة، لكن عيناها المتسعتان تقولان: أنا جاهزة.
بدأا يركضان مجددًا، بين الأشجار التي بدت أقرب إلى الجدران الآن، كثيفة، ملتفّة، وكأنها تحاصرهم بدل أن تحميهم. الطريق لم يعد سهلًا، الأغصان كانت تشدّ أطرافهم، والأرض غير مستقرة، وكل خطوة قد تكون فخًّا.
لكنهم لم يتوقفوا.
ثم...
وبدون أي صوتٍ سابق، برز خالد من بين الشجيرات، واقفًا بثبات في منتصف الطريق، ووراءه رجلان مسلحان، وجوههم جامدة، أعينهم لا تومي بشيء سوى تنفيذ الأوامر.
صوت خالد جاء ساخرًا، حادًا، كالسيف وهو يقول:
"كنتو مفكّرين تهربوا مني؟! عنجد؟ بهالغابة؟ بهالأسلوب؟"
آسِن تجمّدت مكانها، خطواتها توقّفت فجأة، وملامحها امتزج فيها الخوف بالخذلان. جسار، بدون تفكير، تقدّم نصف خطوة، ووقف أمامها، صدره مرفوع، ويداه مشدودتان على جانبيه كأنه درعٌ لا ينكسر.
قال خالد ببرود قاتل، وكأنه لا يرى في كل هذا الهروب سوى نزوة طفولية:
"ارجعوا عالبيت، وبلا مسخرة. هي بنتي، مو شغلك."
لكن جسار لم يتحرّك. ظل واقفًا، ونظر إليه نظرة مختلفة هذه المرة. لم تكن تحديًا صريحًا، لكنها لم تكن خضوعًا أبدًا. كانت نظرة رجل يواجه الظلم... باسم أحدٍ آخر.
قال بثبات، وكل كلمة تخرج منه كأنها حُكم:
"إنت ما بتعاملها كبنتك... بتعاملها كملكيتك."
كانت الكلمات بسيطة، لكنها كفيلة بأن توقد نارًا. نظرة خالد تغيّرت، وكأنها أصابت في داخله وكرًا قديمًا لا يُلمَس.
آسِن خلف جسار، لم تتكلم، لكنها شعرت لأول مرة... أن أحدًا تجرأ على قول ما لم تستطع هي حتى التفكير به.
جسار لم يعد يهرب، لم يعد يركض. هذه المرة... كان واقفًا.
---
عادوا إلى المنزل بصمتٍ ثقيلٍ كالغبار المتراكم في زوايا الأمكنة المهجورة... لا أحد تحدّث، ولا أحد التفت. وحدها الخطى المبعثرة كانت تُحدث ضجةً في المكان، وكأنها تفضح ما يُكتم.
خالد دخل أولاً، خطواته كانت بطيئة، مُرهقة، كأنها تنوء بحِملٍ أثقل من الجسد.
تجاوزهم جميعًا واتجه نحو الغرفة الجانبية، أغلق الباب خلفه دون كلمة، وبقي هناك لساعات...
لم يُسمع له صوت، سوى طقطقة الولاعة، واحتكاك الكوب بطرف الطاولة، ثم سُعلاته المتقطّعة بعد كل سيجارة، وكأن رئتيه تحتجان للاحتراق كي يبقى صامتًا.
كان يُدخن كما لو أن في صدره حربًا، ويشرب القهوة كما لو أن مرارتها تعوّض مرارة أخرى لم يبح بها.
أما آسِن، فجلست على طرف الأريكة كما تجلس الغريبة في بيتٍ لا تعرفه...
عيناها كانتا زجاجيتين، لا تبكي، لكنها لا ترى. شاحبة كأنها خرجت من عاصفة، أو لعلها العاصفة ذاتها.
كانت يدها ترتجف بلا سبب واضح، تضعها في حضنها ثم تعاود تشبيك أصابعها، ثم تفكّها... وكأنها تحاول أن تُثبت لنفسها أنها لا تزال تملك السيطرة... بينما كل شيء في داخلها كان ينهار.
جسار وقف في الزاوية المقابلة، يراقب بصمتٍ لا يشبه صمت أبيه، كان صمته يحمل قلقًا لا يريد أن يُقلق به أحدًا.
اقترب منها ببطء، جلس على ركبتيه أمامها، ثم همس:
- "آسِن... بدك تحكيلي؟"
رفعت نظرها إليه، لكنها لم ترد.
حدّق في عينيها طويلًا، باحثًا عن أي إشارات... خوف؟ ندم؟ صدمة؟ لم يكن هناك شيء سوى الفراغ.
حاول مجددًا، هذه المرة بصوتٍ أكثر دفئًا:
- "أنا معك... بس بدي أفهم شو صاير."
هزّت رأسها نفيًا، ببطءٍ شديد، وكأنها تعتذر بصمت. ثم أشاحت وجهها، وغاصت في الصمت مجددًا.
أدرك جسار أن الوقت ليس مناسبًا للكلمات... فنهض بهدوء، وتركها وحدها في تلك الأريكة الباردة، بينما هو جلس بعيدًا، يراقب الباب المُغلق خلف والده... وكأنه ينتظر منه شيئًا.
أما الزمن، فقد بدأ يتباطأ في هذا المنزل...
كأن كل دقيقة تُفرز سؤالًا، وكل ساعة تُعقّد الإجابات.
لم يكن أحدهم يعرف:
هل القادم سيكون نجاة؟ أم انفجار؟
---
في المساء،
انفجر سكون المنزل بصفقة عنيفة... الباب اندفع فجأة، وارتطم بالجدار كأن الريح اقتلعته، لكن لم تكن الريح... كان خالد.
وقف عند العتبة، ابتسامة ساخرة ترتسم على وجهه، وملامحه تغلي تحتها بشيء يشبه الاحتقار الممزوج بالقرار.
"خلاص. قررت."
قالها بنبرة باردة، كمن يُعلن نهاية لعبةٍ لم يكن اللاعب الوحيد فيها.
عيونه تحركت نحو جسار، ثم إلى آسِن، التي بالكاد رفعت رأسها، ووجهها ما زال مرسومًا بذلك البياض الحزين الذي لا يمحوه الزمن.
"أصلًا، البنت عندها موعد زواج من زمان. وأنا مالي خلق مشاكل. خدها، وخلصني."
كان صوته مثل المطرقة، يهوي بثقل فوق جمجمةٍ هشة.
شهقت آسِن، وكأن أحدًا صفعها على وجهها دون إنذار.
"شو؟!! موعد زواج؟ من إمتى؟ من قرر؟"
لكنها لم تنتظر إجابة... كانت تعرف الجواب، وربما هذا ما أخافها أكثر.
خالد رد بجفاف قاتل:
"أنا قررت. وأنتِ إلك خيارين: يا بتضلي معي، يا بتتزوجي هاد."
ثم أشار برأسه نحو جسار، كأنه يشير إلى شيء لا روح فيه، إلى صفقة، إلى حَلٍّ لا يُحب، لكنه يختاره على مضض.
ضحك ضحكة قصيرة، مجرّدة من الفرح، ثم استدار وخرج، مغلقًا الباب خلفه ببطءٍ متعمّد، كأن صريره هو الخاتمة.
آسِن بقيت حيث هي، كأن الأرض ابتلعتها، لم تتحرك.
كانت تنظر إلى نقطة في الأرض لا يراها أحد، وفجأة بدأت تهز جسدها للأمام والخلف، كما لو تحاول محو الكلمات من أذنيها، لكن الكلمات بقيت، كأنها وُشمت على جلد قلبها.
ثم انفجرت...
دموعها سالت بعنف، دون أن تذرف صوتًا، وراحت تضرب الأرض بقبضتيها، واحدة تلو الأخرى، كأنها تتمنى لو تكسر شيئًا... أي شيء.
اقترب منها جسار، خطواته حذرة، كمن يخطو فوق زجاجٍ مكسور، حاول أن ينطق، أن يمدّ يده، أن يربت على كتفها، لكنه لم يجد الكلمة.
لكنها لم تُمهله... صرخت بصوت متقطع من الألم والغضب والانهيار:
"لا تحكي! بس... اسكت!"
كأن الكلمات كانت خنجرًا آخر، لا طاقة لها به.
تراجع خطوة، ثم جلس قربها، دون أن يلمسها، دون أن يكلّمها.
جلس فقط، كما يجلس الحارس على بوابة مدينة مدمّرة، لا يستطيع إعادة ما فُقد، لكنه لا يرحل.
والليل بدأ يُغلق على وجهيهما، كأنه يحاول ستر ما تبقى من الكرامة، أو لعلّه فقط يهمس: "هذا ليس آخر ما سيُكسر."
وفي داخل آسِن، كان السؤال يتردد مثل ناقوسٍ في معبد خالٍ:
هل القرار فعلاً بيدي؟ أم أن الجميع قرّر عني... ومضى؟
مرّت تلك الليلة بثقل ألف سنة، وجسدها مُتكوّر في الزاوية، لم تنم، لم تتكلم، لم تبكِ مرة أخرى.
كل شيء في داخلها كان صامتًا... لكنه يصرخ.
وكان القرار...
أصعب من أن يُقال.
وأقوى من أن يُؤجل.
---.
مع بداية الصباح، كان الضوء الشاحب يتسلل من شقوق الجدران، كأنه يختبر حجم الخراب الذي خلّفته الليلة السابقة.
المنزل صامت كأنه مهجور، ورائحة البارود العالق في الهواء - رغم غيابه - تشي بأن شيئًا انتهى... أو ربما بدأ للتو.
فُتح الباب ببطء، ودخل خالد، لا يحمل في عينيه غضبًا ولا ندمًا... بل شيئًا آخر. شيء أقرب إلى اللامبالاة الباردة.
وقف أمامهم، نظر إلى ابنته المرهقة، وإلى جسار الذي لم يرمش منذ لحظة دخوله، ثم قال بصوت خالٍ من أي شعور:
"خلصت اللعبة."
لا أحد أجابه. لم يكن ينتظر جوابًا أساسًا.
خطا خطوة إلى الداخل، أخرج من جيبه مفتاحًا صدئًا، ثم رماه إلى الأرض، بين قدمي جسار، وقال بجفاف حادّ:
"خدها واطلعوا... برا البيت، قبل ما أغيّر رأيي."
لم يكن الأمر كرمًا منه. لم يكن حتى قرارًا بدافع الرحمة.
كان مجرّد نهاية مشهد لم يعد يعنيه، وانسحاب شخصي من قصة لم تعد تهمه.
هو فقط... ملّ.
لم يرفع عينيه ليرى وقع كلماته، ولم ينتظر ردًّا.
استدار وغادر، تاركًا خلفه الباب مفتوحًا على مصراعيه، وكأن وجودهم لم يكن أكثر من ذكرى عابرة لا يرغب بالاحتفاظ بها.
أسِن نظرت نحو جسار، عيناها مجوفتان، لا تحملان أي انفعال، فقط إرهاق عمر بأكمله.
قالت بصوت خافت، وكأنها تحدث نفسها:
"خلينا نمشي... ما عاد في شي هان ."
تحرك جسار أولًا، ثم لحقته. خطواتهم كانت ثقيلة، بطيئة، كأنها تُودّع وزنًا لم يُفهم يومًا، لكنه الآن انكسر.
خرجا من المنزل، دون أن يلتفتا خلفهما. لا لأن الماضي لا يستحق نظرة... بل لأنه لم يعد يملك القدرة على شدّ رقابهم إليه.
في الخارج، كان الهواء نقيًا على نحو غريب، والسماء صافية بشكل يبعث على الحيرة.
كأن العالم لا يعلم أن هناك قلوبًا تحطّمت للتو.
ركبا جِسار و آسِن بهدوء. لم يكن هناك مجال للكلام. ليس الآن.
بدأ القيادة ببطء، يده اليمنى تمسح العرق البارد عن جبينه، وكأن ما مرّ به لم يكن مجرد هروب... بل إعادة ولادة مؤلمة.
الطريق نحو المدينة بدا أطول من المعتاد.
كأن الزمن قرر أن يمنحهما مهلة... لمواجهة أنفسهم، لا بعضهم.
ولم يكن في قلب أحدهما يقين...
لكن المؤكد الوحيد أن ما كان، لن يُنسى.
---.
كان البيت هادئًا كأنّه ينتظر عودته هو الآخر.
وأمام الباب، وقفت والدته، تُحدّق في الطريق بعينين لم تناما، وصدرٍ يعلو وينخفض وكأنّه كان يردّد اسمه مع كل دقة ساعة.
ما إن توقفت السيارة، حتى فتحت الباب وركضت إليه، لا كلام، لا عتاب، فقط ذراعاها اللتان التفّتا حوله كما لو أنّها تحاول التأكد من أنّه حقيقي، من أنّه ما زال ابنها، وأنّ قلبها لم يخذلها هذه المرة.
همست بصوت مُرتجف لكنه دافئ:
"كنت حاسة إنك بخطر..."
شهقته العميقة كانت كافية لتُخبرها بكل شيء لم يُقال، لكل الخوف الذي علق في حلقه طوال تلك الليالي.
دخل المنزل معها، لكنه لم يكن كما تركه.
كل شيء فيه بدا مألوفًا، لكنه الآن يُضيء بطريقة مختلفة، كأنّ الأماكن نفسها شعرت بأنه لم يعد الرجل ذاته.
غسل وجهه، بدّل ثيابه، ثم جلس في الصالة، أمام فنجان شاي ساخن تركته له أمه من دون سؤال.
ظلت واقفة لبعض الوقت، تراقبه بصمت.
ثم، جلست قبالته، تسند وجهها براحة يدها، وتحدّق فيه كما تفعل الأمهات حين يحاولن قراءة ما بين نبضات أولادهن.
قالت بعد برهة، بصوت هادئ كأنه يخترق السكون لا يكسره:
"في شي بعيونك... مش بس تعب، في حدا سكّن جواتك."
ابتسم ابتسامة مشوبة بالإرهاق، ثم هزّ رأسه وقال، وكأنه يعترف بشيء كان يُخبّئه عن نفسه:
"بتعرفي لما تحس إنك ما كنت عايش، لحد ما شفت حدا؟
مش بس شفت... سمعت صوته، تنفّسه، وقلت: هذا هو."
نظرت إليه والدته بعينين تلتمعان بشيء يشبه الفهم العميق، ذاك الفهم الذي لا يُعلّم، بل يُولد مع الأمومة.
"آسِن؟!! " سألت بصوت خافت.
أجاب بلا تردّد، وبدفء جعل حروف اسمها تُزهر على شفتيه:
"آسِن."
تأمّل الفنجان بين يديه، كأنّ في قعره مستقبلًا ينتظره.
ثم قال، بصوت صادقٍ، لا يريد أن يُثبت شيئًا، فقط أن يعترف:
"يمكن أكون ما بعرف شو هي بتحس... ويمكن تكون مو واثقة فيني،
بس بعرف أنا شو بدي...
وبدي هي تكون معاي."
لحظة صمت خفيفة مرّت، ثم مدّت والدته يدها، وضعتها فوق يده برفق، وقالت بنبرة الأم التي تعرف ما معنى أن تختار القلب:
"إذا قلبك حاسس، لا تتردد...
بس تأكد إنها كمان، قلبها جاهز."
في تلك اللحظة، لم يكن يعرف إن كان قلبها جاهزًا،
لكنّه أيقن أن قلبه... لم يعد يملك خيارًا آخر.
---
كانت الغرفة تغرق في ضوء المساء الخافت، وهدوء ثقيل يملأ الزوايا كما لو أن الجدران نفسها تُصغي لداخلها.
آسِن جلست على طرف السرير، شعرها ما يزال يقطر خيوط ماء على كتفيها، ووجهها باهت، لكن هناك أمرًا ما تغيّر... شيء غير مرئي، كأنها عبرت معركة دون أن تخرج منها خاسرة.
دخلت خالتها بهدوء، لا طرق على الباب، فقط دخول مألوف كمن يعرف أن الحزن لا ينتظر دعوة.
جلست قربها، وضعت كفها على السرير دون أن تلمسها، ثم قالت بنبرة لا تخترق، بل تتسلل:
"شو صار، يا روحي؟"
آسِن لم تلتفت، عيناها ظلّتا معلقتين على رقعة السماء التي بدت من النافذة، والغيوم تتكدّس بلون رماديّ قاتم، كما لو أنها تحمل ثقل ما لم يُقال.
همست، كأنها تكلم نفسها لا خالتها:
"كنت أفكر طول الوقت إنو الأمان بيجي من المكان... من الجدران، من المفتاح، من الباب المغلق.
بس اكتشفت... الأمان الحقيقي بيكون بشخص.
بحدا لما تنكسري، ما يقلك قومي... يقعد حدك، ينهار معك، ويظلكم سوا."
خالتها التفتت نحوها، لم تسأل، لم تُقاطع. فقط عيناها اتسعتا قليلاً، كأنها فهمت، بلا حاجة لكلمات زائدة.
"جسار؟" سألتها بهمسٍ عميق.
عند اسمه، شهقت آسِن شهقة صغيرة، ورفعت يديها تخفي وجهها، لكن دموعها خرجت من بين أصابعها، حارقة، واضحة.
"هو الوحيد..." قالتها بصوت مرتجف.
"الوحيد اللي ظلّ، لما الكل ترك.
اللي قاتل عني، حتى لما أنا كنت ضده.
ما سألني شو بدك، سألني شو محتاجة.
وكنت أحتاجه... أكتر من أي شي."
اقتربت خالتها، وسحبتها لصدرها، تربّت على شعرها برفق، وغمغمت بصوت مبحوح:
"إذا قلبك حس بالأمان معه... لا تهربي.
السند مش سهل تلاقيه، وإذا لقيتيه... تمسكي فيه."
آسِن أغمضت عينيها، لأول مرة دون خوف.
ولأول مرة، فكّرت أنها قد تكون تستحق الحب... وربما، تستحق أن تختار قلبها.
---
كان الليل قد ابتلع المدينة، وأضواء الشوارع تخفت شيئًا فشيئًا، كأنها تنهزم أمام الصمت الثقيل. في غرفة جسار، كل شيء ساكن. لا صوت سوى تنفسه المنتظم، والنور الخافت المنبعث من شاشة هاتفه المركون على الطاولة بجانب السرير.
رنّ الهاتف.
فتح عيناه بتثاقل، لم يتوقع أي اتصال في هذا الوقت. لكن حين رأى الاسم على الشاشة، جلس فجأة، كأن نبضه عاد يركض في عروقه.
"آسِن؟" قالها بصوت متوتر.
"في شي؟"
كان صوتها على الطرف الآخر متهدجًا، تتنفس بثقل، وكأنها قطعت ركضًا طويلًا من التردد.
"في شي لازم أحكيه، وما قدرت أستنى لبكرا..."
سكتت للحظة، ثم همست:
"بدي شوفك... ضروري، جسار. قرار مصيري."
جلس تمامًا على طرف السرير، استقام ظهره، وأجابه فورًا:
"أنا جاي هلأ."
---
بعد نصف ساعة، وقف أمام بوابة صغيرة على أطراف الحي القديم، حيث كانت تقف هي، تلتف بشال رمادي، عيناها متورمتان من البكاء، لكنها ثابتة... أكثر من أي وقت مضى.
اقترب منها ببطء، وقبل أن ينطق، قالت:
"كنت مفكرة أحكيها عالهاتف... بس ما قدرت."
تقدمت نحوه خطوة.
"أنا... وافقت."
صوتها خرج كما لو أنها تحررت، كما لو أن الكلمة كانت سجنًا انفجر لحظة النطق.
جسار لم يقل شيئًا، فقط بقي يحدّق في عينيها، كأن قلبه لم يصدق بعد.
همست، وهي تضحك بخفة باكية:
"وافقت أتزوجك، جسار."
في اللحظة التالية، وبلا مقدمات، فتح ذراعيه واحتضنها بقوة.
كأنها عادت لوطن كان ينتظرها منذ عمر.
همست عند كتفه:
"خايفة... كتير."
فردّ عليها وهو يشد على حضنه:
"أنا كمان... بس الخوف مش علامة ضعف، الخوف يعني إنك عم تختاري بقلبك."
ابتعد قليلًا لينظر إلى عينيها، وقال بثبات:
"أنا مستعد أكون سندك... بيتك... ضهرك، حتى لو هالعالم كله وقف ضدنا."
اغرورقت عيناها، لكن هذه المرة لم تكن دموع يأس، بل دموع راحة.
سألته وهي تمسك بطرف قميصه:
"حتى لو كنت لسه مش قادرة أحب؟"
هز رأسه برقة، وأجابها بهمس:
"أنا ما بدي حبك اليوم... بدي وقتك، صبرك، وصدقك.
والحب؟ رح يجي لحاله، يوم تكوني مستعدة."
ثم سحبها إليه مجددًا، والبرد يلسع وجهيهما، لكن بين ذراعيه... لم تشعر بأي برد. فقط دفء، يشبه بداية جديدة.
وفي تلك الليلة، لم يودعها عند الباب.
بل ودّعا معًا كل شيء مؤلم .....
ليبدآ فصلهما الجديد.
---
Malak