حين خذلتنا الطريق

حين خذلتنا الطريق

19 0

لم تكن الشمس قد أشرقت بعد حينما استيقظت آسِن. كان الصباح هادئًا بشكلٍ مريب، والضوء يتسلل من بين ستائر غرفتها كأنّه يتردّد في الدخول. نهضت ببطء، رمشت عدة مرات، ثم نظرت حولها.

لم يكن في الغرفة شيءٌ جديد، ومع ذلك، شعرت بشيء مختلف. شيء في صدرها، أو ربما في الهواء، أو في الأفكار التي لم تكن تجرؤ أن تفكر بها بالأمس.

وقفت أمام المرآة تتأمل ملامحها.

لم تضع مكياجًا كثيرًا كما اعتادت ،

لم تتعطر بعطرها المفضل الصاخب،

بل فقط مسحة خفيفة من الورد.

– "كأنني أستعد لشيء لا أعرفه..."

همست لنفسها، ثم التقطت مفاتيح سيارتها. لكنها تردّدت ...

يدها اليمنى كانت لا تزال تؤلمها منذ أن ارتطمت بالجدار قبل يومين. لم يكن الجرح كبيرًا، لكنه كان عميقًا بما يكفي ليمنعها من الإمساك بالمقود بثبات.

فتحت الهاتف، واتصلت.

– "صباح الخير خالتي، آسفة على الإزعاج، بس ممكن أطلب منك توصيلة؟"

– "أكيد حبيبتي، بخلي جِسار يوصلك، هو فاضي هلأ."

.

.

وبعد دقائق ...

كانت تقف أمام بيت جِسار.

سهر فتحت الباب بضحكتها المعتادة:

– "أهلًا أهلًا، تعالي ادخلي، ماما عم تجهز الأغراض."

دخلت آسِن إلى صالة صغيرة مريحة، تفوح منها رائحة القهوة والورد المجفف. كانت أم جسّار تنتظرها بابتسامتها الدافئة.

– "يلا نبدأ؟ الفستان جاهز للتجربة."

ابتسمت آسِن:

– "أنا متحمسة كتير."

***** ...

في زاوية الغرفة، كانت الباترونات مفتوحة على الطاولة، وقماش حريري بنفسجي مفرود، تنتظر الإبرة أن ترسم تفاصيله.

جلست آسِن على المقعد، بدأت أم جِسار تثبت الدبابيس، وتسألها عن رأيها في الطول، والفتحة، والتفاصيل الصغيرة.

دخل جِسار بهدوء، ألقى السلام دون أن يقاطع العمل. لم ترفع آسِن نظرها كثيرًا، لكنّها شعرت بحضوره، كأنه ظلٌ ناعم يمر على الجدران.

اقترب من والدته وهمس:

– "بَوَصِلِك إياها لما تخلص؟"

أومأت أمّه، ثم قالت لآسِن:

– "بما إن يدك بعدها بتوجعك، جسّار بيوصلك."

لم تعترض. فقط أومأت، وشعرت في داخلها بشيء يتحرك. لم يكن توترًا، بل شيء يشبه القلق الممزوج بشيء آخر لا اسم له.

*****

.

.

في السيارة، كان الصمت يملأ الجو.

جسّار يقود بهدوء، عيناه تراقبان الطريق، لكنها تشعر أنّه يراقبها أيضًا، من الزاوية الخفية في المرآة.

– "جِسار..."

– "نعم؟"

– "بخصوص المشروع... شو رأيك نبدأ من بكرا؟"

– "كنت ناوي أطرح هيك. تصميم مبدئي مبني على العمارة الأندلسية."

رفعت حاجبيها بدهشة:

– "أندلسية؟! ما توقعتك هيك رومانسي."

ابتسم:

– "هي ليست رومانسية، بل روح...

العمارة لما تفقد روحها بتصير حجارة."

صمتت. كانت كلماته عميقة بطريقة لم تعتدها.

– "أنا مش متأكدة من التخصص... مش عارفة إذا بهمني فعلًا."

قال:

– "الضياع مش معناه إنك بمكان غلط. أحيانًا لازم نضيع لنعرف الطريق."

التفتت إليه، نظرت لوجهه للحظة طويلة، ثم قالت:

– "بتحكي كأنك عشت كل هاد."

أجاب:

– "أنا بس بقرأ، وبراقب... والناس بتكون كتب مفتوحة أحيانًا."

– "بتقصدني؟"

– "يمكن."

ابتسمت، ثم نظرت من النافذة. للحظة، شعرت أنّه يرى أكثر مما تقول.

******...

– "آسِن، ممكن سؤال؟"

– "تفضل."

– "لو الزمن رجع فيك، كنتِ بتختاري نفس الطريق؟"

– "يمكن... بس يمكن أختار أمشيه بطريقة غير."

قال بهدوء:

– "حتى الأخطاء، لها طُرق مختلفة."

ضحكت:

– "يعني بتقنعني أن كل شي له معنى؟"

– "مش كل شي، بس كل لحظة إلها وظيفة."

وما كاد يُنهي كلماته ...

حتى سُمع صوت زمورٍ حادٍّ يُشقّ السكون، تلاه هدير محرّك سيارة مجنونة تُسرع في اتجاههم بعنف، وصوت احتكاك مطّاط الإطارات بالإسفلت كأن الأرض تصرخ.

صرخت آسِن:

– "جِسار!! انتبه!!"

كل شيء انكمش في لحظة واحدة. الزمن توقف، أو هكذا خُيِّل لها.

رأت وجهه ينعطف فجأة نحوها بعينين فيهما توجّس خاطف. أمسك المقود بقوة، حاول أن يُحرّكه، لكن كان الأوان قد فات.

الاصطدام وقع.

دوّى صوت التحطّم، زجاج يتناثر، المعدن يلتفّ على نفسه كأنّه يُعذّب، وصرخة مكتومة هربت من فم آسِن، ثم ساد الصمت.

لم يكن صمتًا طبيعيًا… بل صمت ما بعد الانفجار.

وجه آسِن كان مغطّى بالزجاج، جسدها اهتزّ بقوة، رأسها ارتطم بجانب المقعد. تنفّسها اختنق، شعرت أن هناك شيئًا يُقيّدها، حاولت أن تتحرك... لا تستطيع.

نظرت حولها بعينٍ نصف مغمضة، الغبار يملأ الأرجاء، والدم يسيل من جبينها، لكن ما أفزعها لم يكن ألمها… بل أنه لا صوت من جهة جِسار

– "جِسار؟ جِسار؟!!"

مدّت يدها المرتجفة نحو المقعد، تلمسه، تبحث عنه… لا ردّ.

رأسه كان مائلًا نحو الزجاج، جرحٌ عميق في جبينه، والدم يسيل على عنقه، وعيناه مغمضتان.

– "جسّار!! لأ لأ لأ… جاوبني!!"

صرخت، بكت، حاولت أن تفك حزام الأمان… يدها المصابة بالكاد تتحرّك، لكن قوة الخوف أعطتها طاقة لا تُفسَّر.

نجحت أخيرًا بالخروج من السيارة، وقبل أن تسقط على الأرض… انهارت على الرصيف ووجهها مغطى بالدموع والغبار.

اقترب الناس، هرول شابٌ هاتفًا:

– "اتصلوا بالإسعاف! في شاب داخل السيارة !"

البعض وقف مذهولًا، البعض يصرخ، صوت امرأة يقول:

– "الشاب بينزف!! أسرعوا!!"

آسِن نظرت إلى الجموع بعين ضائعة، ثم عادت تنظر إليه… وهو لا يتحرك.

همست، وصوتها مكسور:

– "كنتَ جنبي... كيف رح تروح؟"

الإسعاف جاء. تمّ إخراجهم من السيارة بصعوبة، سُمع صوت صفارات، وفتح الأبواب الخلفية. جسد جِسار نُقل محمولًا على نقالة، طبيب الإسعاف يقول:

– "إصابة في الرأس، نزيف داخلي محتمل، جهزوا غرفة العمليات فورًا!"

قالها وهو يضع كمامة الأوكسجين على وجهه، ثم أغلق الباب.

أما آسِن، فكانوا يحاولون تضميد يدها ورأسها وهي تصرخ:

– "وين راحوا فيه؟ ليش ما بحكي؟ ليش عيونه مغمضة هيك؟!!!"

قال المسعف:

– "اهدئي، نحن في الطريق للمشفى، اطمئني."

لكن لا شيء يطمئنها، لا شيء. جسدها يرتجف، وعيناها لا تتوقفان عن النظر إلى باب النقالة الآخر، الذي أُغلق عليه جِسار.

.

.

.

.

....

داخل المشفى

الساعة الخامسة مساءً. أوراق تتطاير، ممرضون يركضون، طبيب يُشير:

– "غرفة العمليات فورًا!"

نُقل جسّار إلى الداخل، وآسِن تُمسَك على كرسيٍّ متحرّك، وجهها شاحب، وشفاهها لا تنطق، فقط تتمتم:

– "مش هو... مش هو اللي ينكسر... مو هو..."

أم جسّار وصلت تركض، عيناها دامعتان.

– "وين ابني؟! آسِن، حبيبتي! وينه جِسار؟!"

نظرت آسِن إليها، ثم انفجرت:

– "كان بحميني! ما كان لازم أطلب منه يوصّلني... كان لازم أقود... حتى لو إيدي بتوجّعني... أنا السبب!!!"

ضمّتها أم جسّار، تشدّها لصدرها:

– "ما تقولي هيك يا بنتي! الله كتب ولطف! هو حيّ... وراح يطلع إن شاء الله."

لكنها لم تصدق... لم تستطع أن تصدّق شيئًا.

جاء الطبيب بعد ربع ساعة:

– "حالة الشاب حرجة. فتحنا الرأس ونُجري تنظيفًا للنزيف، ادعوا له... كل شيء الآن مرهون بالساعات الأولى."

سقطت آسِن على المقعد، ووضعت رأسها بين يديها، ولأول مرة منذ أعوام…" صَلّت"

دون أن تنطق. فقط بقلبها.

الدموع تُبلّل ثيابها… وتردّد في داخلها:

"اللهم لا تأخذ مني صوت جِسار ... لا الآن، لا وهو السبب أني بدأت أرجع أشوف."

*

****************

الساعات تمرّ ثقيلة كالحجارة.

الغرفة باردة، والضوء أبيض فاتر، ورائحة المطهّرات تغرق الهواء.

دخلت الممرضة بعد منتصف الليل:

– "العملية انتهت، وهو الآن في العناية المركزة. حالته مستقرة... لكن لا يُسمح بالزيارة حتى الصباح."

أومأت آسِن بصمت. لم تُجِب. فقط سقطت دمعة... ثم دمعة أخرى.

لم تنم في تلك الليلة، جلست في الممر القريب، تُحدّق في الباب المغلق، ويدها ملفوفة بالضماد.

فكّرت كثيرًا...

هل هذا هو العقاب على لحظة صدق؟ هل هذا الألم كان الثمن لتبدأ هي... بالنظر للأشياء من جديد؟

ما تعرفه فقط، أن جِسار أعاد فتح نافذتها الأولى نحو النور، لكنه الآن خلف الزجاج المكسور... ينتظر أن يُشفى.

وكانت هي... ما تزال على الحافة.

.

.

.

.

.

.

كان الصباح خافتًا، لم يُشرق بعد بالكامل. الضوء يتسلل بخجل من ستائر المشفى البيضاء، يلوّن الغرفة بنورٍ باهت، وكأن الشمس تخشى أن تُوقظ الألم.

دفعت آسِن باب الغرفة بهدوء. لا صوت، لا خطوات مسموعة، فقط نبضات قلبها المرتبكة تُرافقها.

لم تكن قد رأت جِسار بعد الحادث. كلّ ما تعرفه... أنّه بخير، وأنه أُدخل غرفة العمليات فورًا، ثم نُقل إلى هذه الغرفة قبل ساعات.

تقدّمت خطوة.

ثم خطوة أخرى.

أنفاسها متقطعة، تتردّد بين الرغبة بالاطمئنان... والخوف من أن ترى فيه شيئًا غير الذي عرفته.

كان نائمًا.

جِسار، الذي طالما بدا قويًا وهادئًا، يرقد الآن بهدوء ثقيل. وجهه شاحب، ضمادة صغيرة على جبينه، ذراعه ملفوفة بلفافات بيضاء، وأنبوب مغذٍ يتدلّى من جانبه. جهاز نبض القلب يُصدر صوتًا رتيبًا منتظمًا... لكنّه كان الصوت الوحيد الذي يمنحها حياة.

اقتربت أكثر، وقفت قرب السرير، حدّقت في وجهه طويلًا.

كم تبدو الحياة هشة عندما تُسكَت الكلمات.

همست دون أن تسمع صوتها:

— "لماذا أنت؟ ولماذا أنا؟"

جلست على الكرسي القريب، وضعت يدها على طرف الفراش، خافت أن تلمسه، خافت أن تنهار.

تذكّرت كل التفاصيل، السيارة، صوت الصرخة، الزجاج الذي تناثر كأن العالم كله انفجر… تذكّرت يده التي امتدت تلقائيًا لتحميها، صدره الذي ارتطم بالمقود، وصرختها التي لم تصل لأحد.

أغمضت عينيها.

ثم قالت بصوتٍ خافت يكاد لا يُسمع:

— "كنتَ قادرًا أن لا توصّلني... كنتَ قادرًا أن لا تلتفت."

صمتت.

ثم بصوت أقرب للرجاء:

— "بس الله... لطف."

نظرت إلى وجهه من جديد.

— "أنا آسِن... اللي ما كانت تعرف معنى الرحمة، ولا الخوف، ولا... الخسارة."

سكتت.

لكن دمعة انزلقت من عينها، وسقطت بهدوء على الغطاء الأبيض.

ثم وقفت.

ومضت نحو الباب ببطء، لكن قبل أن تفتحه، التفتت إليه مرة أخيرة.

قالت بهمس:

— "إذا فتحت عيونك... لا تسألني ليه جيت. ولا شو تغيّر فيّ. بس... خليك بخير."

وغادرت.

وما إن أغلق الباب من خلفها... حتى خفّ نَفَس جِسار قليلًا، كما لو سمعها دون أن يستيقظ.

خرجت آسِن من الغرفة وكأنها تخرج من قلبها.

خطواتها كانت أبطأ من العادة. لا تشبه صخبها المعتاد، ولا تكبرها المتعالي ...

بل كانت تشبه أنثى خرجت من داخِل صدمة، وما زالت لا تدري كيف تلتقط أنفاسها من جديد.

لم تكن تودّ أن يراها أحد، ولا أن تسألها الممرضة عن حالها، ولا أن تُقابل أمّ جِسار الآن. كلّ ما تريده أن تختبئ… أن تتنفس بعيدًا… أن تفهم:

لماذا جِسار؟ ولماذا أصابها ما أصابها؟

دخلت إلى غرفة الانتظار الجانبية، كانت فارغة.

جلست على المقعد البلاستيكي الصلب، وضعت وجهها بين يديها، ثم… ساد صمتٌ غريب.

لا بكاء، لا تفجّر، فقط تفكير ثقيل يُمزّقها من الداخل.

تذكّرت كلماته في السيارة:

> "الناس لما تبلش تتغير، بصيروا يلوموا حالهم على الماضي… بس أحيانًا الماضي هو الدافع الحقيقي."

شعرت برجفة في أصابعها، مسحت بها دمعتها وكأنها تُخفي أكثر من دمعة.

وقفت بعد دقائق، واتجهت إلى النافذة.

السماء كانت رمادية.

لا شمس.

لا مطر.

فقط بين حالتين… تمامًا مثلها.

سمعت وقع خطوات خلفها. التفتت بسرعة، فوجدت سهر، أخت جسّار، تقترب.

— "آسِن؟"

– "آه... صباح الخير."

– "ماما بتحكي بدها تطمّن عليك، وإحنا ما قدرنا نمر عليكِ من امبارح، كلنا كنا هون."

– "أنا... بخير."

سهر نظرت في عينيها، ثم قالت:

— "وجهك مو بخير."

صمتت آسِن. لم تكن تملك أي جملة جاهزة.

فقالت سهر بخفة ظلها المعتادة:

— "بس مبسوطة إنك رجعتي تحكي من غير صوت عالي."

ضحكت آسِن رغمًا عنها، ورفعت حاجبيها:

— "كأنك إنتي وجِسار متفقين."

ضحكت سهر وقالت:

— "ما بعرف بس... يمكن كنتِ بتحتاجي تسمعي حالك أول، مش يسمعك الناس."

لم تردّ آسِن، لكنها أومأت.

ثم سألت:

— "ممكن... أدخل أشوفه مرة ثانية ؟"

سهر ابتسمت:

— "طبعًا، بس شوي ورح يصحى."

آسِن نزلت عيونها وقالت بهدوء:

— "ما بدي يصحى… بدي أطّمن بس."

وغادرت من جديد... لكن هذه المرة، كانت خطواتها أقل ارتباكًا.

كانت تعرف أن شيئًا ما تغيّر… وربما، جسّار لن يعود كما كان.

كانت الغرفة غارقة في سكونٍ ثقيل ...

كأنها لا تنتمي إلى المستشفى، بل إلى عالمٍ ثالث بين الحياة والموت.

فتحت آسِن الباب بهدوء، وكأنها تخشى أن توقظ شيئًا غير الجسد النائم هناك.

دخلت.

كانت رائحة المعقّم تملأ أنفها، لكنها لم تُبالِ. عيناها استقرتا عليه، على الجسد الراقد على السرير الأبيض، وضمادات كتفه تمتدّ حتى رقبته.

أنبوب السيروم يتدلّى فوقه، وصدره يعلو ويهبط بخفة، كأن الهواء نفسه يخاف أن يثقله.

تقدّمت بخطى خفيفة، حتى جلست على الكرسي القريب من رأسه.

نظرت إلى وجهه للحظات.

كان هادئًا، كمن نام بعد عناء عمرٍ كامل.

همست:

— "جِسار ..."

لم يجب.

— "أنا... آسفة."

قالتها، وهي لا تعرف على ماذا تعتذر بالضبط.

على فوضتها؟

على خفّتها التي ربما أزعجته؟

أم على الحادث الذي كاد يأخذه منها إلى الأبد؟

رفعت يدها ببطء، وأرادت أن تلمس يده... لكنها تردّدت.

— "لا أدري لماذا أنا هنا... ولا لماذا أشعر بهذا الثقل في صدري... لكن، هناك شيء فيك... يجعلني أريد أن أبقى."

قالتها، ثم ابتلعت ريقها وكأن قلبها اختنق بكلمة لم تُنطق بعد.

كان لا يزال ساكنًا.

وقبل أن تنهض، حرّك جسّار حاجبه قليلًا... همهمة خفيفة خرجت منه، كأنها بقايا حلم يتفكك.

تجمّدت في مكانها.

— "جِسار ؟"

لم يفتح عينيه، لكن شفتيه تمتمتا:

— "...لا... ما صار شيء؟"

اقتربت أكثر، قالت:

— "أنا هون... آسِن."

فتح عينيه ببطء... رمش مرتين، وكأنه يحتاج أن يتأكّد.

– "أنتِ... بخير؟"

قالها بصوت مبحوح، وكأن الكلمات تخرج من قلبه، لا من حلقه.

أومأت برأسها وهي تحبس دموعها.

همس:

— "الحمد لله..."

ثم أغلق عينيه مجددًا، لكن ابتسامة صغيرة ظهرت على وجهه، وكأنّه اطمأن الآن فقط.

نهضت آسِن، لم ترد أن تُتعبه، لكنها شعرت بشيء داخلي ينبض كأنه استيقظ لتوّه من نوم طويل.

اتجهت نحو الباب، وضعت يدها على المقبض، ثم التفتت لتراه مرة أخيرة.

كان لا يزال يبتسم، حتى وهو نائم.

خرجت.

وما إن أغلقت الباب خلفها، حتى تفاجأت بامرأة واقفة تنتظر أمام الباب... كانت سيدة في الأربعين من عمرها، ترتدي عباءة بيضاء أنيقة، وتُمسك ملفًّا طبيًا.

قالت:

— "أنتِ آسِن، صحيح؟"

أومأت بدهشة:

— "نعم، من حضرتك؟"

ابتسمت ابتسامة دافئة، وقالت:

— "أنا الدكتورة المشرفة على حالة جِسار ... وأعتقد أن هناك شيئًا يجب أن أخبركِ به، لكن ليس هنا."

عقدت آسِن حاجبيها:

— "عن جِسار؟"

قالت بهدوء:

— "نعم... لكن، ليس فقط عنه."

وقبل أن تستوعب معنى كلماتها، أشارت لها أن تمشي معها.

آسِن تبعتها، دون أن تدري أن هذه الخطوة... ستُغيّر كل شيء.

.

.

.

.

.

---

📌 تابعوا الفصل الرابع من رواية "لم أكن أدري"

> "ولم تكن تدري، أن ما سيتكشّف في الساعات القادمة...

ليس مجرد نتائج حادث،

بل بداية لسؤال أكبر:

لماذا كانت هي هناك، في ذلك التوقيت، مع ذلك الشخص؟

وهل ما حدث...

خذلان طريق؟

أم هداية طريق جديد؟"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لم أكن أدري

المؤلف Malak
2025/07/25 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة