نور يعبر صدفة

نور يعبر صدفة

20 0

"ثمّة نور لا يطرق الأبواب… يدخل بهدوء، لكنه يهزّ في الداخل ما كنت تظنّه ثابتًا."

.

.

.

.

.

.

.

كانت الشمس تتسلل بتثاقل من خلف ستائر نافذتها، لكنّ آسِن كانت قد سبقتها إلى الاستيقاظ... رغم السهر، رغم التعب، رغم اللامبالاة المعتادة. نهضت متأففة، عابسة القسمات، وكأنها على موعد مع شيء لا ترغب به.

جلست على طرف سريرها، تمسح وجهها ببطء، تتأمل الفراغ من حولها.

لا شيء يدعوها للنشاط، لا شيء يدفعها للابتسام... سوى أنها ببساطة تكره أن تُؤمر.

فتحت خزانة ملابسها بتململ، قلّبت القطع واحدة تلو الأخرى، ثم اختارت أكثرها جرأة … وأقلها عناية. عطور، مجوهرات، مكياج دقيق… لكنها كانت تفعل كل ذلك بلا هدف حقيقي، فقط لأنها اعتادت الظهور.

.

.

.

*******

في الجهة المقابلة، كان جِسار ينهي صلاته بخشوع، يدعو ربه: "اللهم ثبتني، واجعلني من عبادك الصالحين."

ارتدى ملابس الجامعة ببساطة، تسريحة شعره مهذبة، عطر خفيف بالكاد يُلاحظ، وكتاب بين يديه.

وصلت آسِن إلى الحرم الجامعي بسيارتها الحمراء، تتمايل بخطواتها الواثقة، تتبادل الضحكات مع صديقاتها، وتُخرج هاتفها لتلتقط صورة أمام المبنى الجديد، مع تعليق ساخر.

في المقابل، دخل جِسار ورفاقه بهدوء، سلام خافت بين أصدقائه، وعيناه تغضّان بوعي.

..

....

دخلت المجموعة قاعة المحاضرة، وكان الدكتور قد سبقهم بلحظات.

... وبينما الهمسات تتصاعد في قاعة المحاضرات،

فُتح الباب بهدوء ودخل الدكتور حسن دون مقدّمات.

وقف أمام الطاولة الخشبية، نظر نظرة سريعة للطلاب، ثم قال بنبرة حاسمة:

"بما أنني لا أحب تضييع الوقت، فلنبدأ مباشرة."

أخرج ورقة صغيرة من حقيبته الجلدية ووضعها أمامه.

"هذا مشروعكم لهذا الفصل.

أريده جادًّا، صادقًا، عميقًا."

صمت لوهلة، ثم تابع:

"ستعملون عليه على شكل أزواج. لا مجال للاختيار، أنا من وزّع الأسماء."

تسارعت أنفاس آسِن دون أن تدري… شيء في داخلها تمرد على الفكرة قبل أن تعرف السبب.

بدأ يقرأ:

"سالم وسليم...

عبير ونهى...

رائد وحلا...

جسّار وآسِن..."

ارتفع حاجب آسِن كأنما سُمّيَت في حكمٍ لم تشارك في إقراره.

تجمّدت آسِن، ارتفع حاجباها في صدمة.

"شو؟! مستحيل!"

ضحكت صديقتها وقالت: "حظك اليوم!!!"

أما جِسار، فابتسم بهدوء، وأومأ برأسه ببساطة، دون أي اعتراض.

نظرت نحو جِسار ، فوجدته ساكنًا، كأنه لا يعنيه شيء مما يدور، يدوّن شيئًا بهدوء في دفتَره.

أكمل الدكتور حسن :

"الموضوع:

مَعْلَمْ حضاري يُجسّد قيمة إنسانية.

تريدونه بناء؟ فكرة؟ نصب؟ لا يهم.

الأهم أن يعكس المعنى… وأن يكون نابعًا من داخلكم."

أعاد طيّ الورقة، ثم قال:

"لديكم أسبوع فقط، وسيُعرض المشروع أمام باقي الشُعَب.

تفضلوا بالخروج، محاضرتنا انتهت."

وخرج … كما دخل … دون حتى أن يُغلق الباب خلفه.

بعد دقائق من ضجيج الأحاديث حول توزيع الأسماء،

وبين من أُعجب بشريكه ومن كتم امتعاضه،

دخل رجل يختلف عن سائر من مرّوا على هذه القاعة.

خطواته هادئة، ثابته، لكنها تحمل وقعًا لا يُشبه أحدًا.

رجل في منتصف الأربعينات، ملامحه هادئة لكنها حادة في آنٍ معًا،

عيناه فيها وقار العُمر … وشيء من الحزن العميق لا يُقال.

وضع حقيبته الجلدية على طرف الطاولة، ثم نظر إلى الطلاب نظرة هادئة كأنّه يقرأهم، لا يراهم فقط.

قال بصوت خفيض… لكنه وصل إلى آخر القاعة:

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."

صمتٌ عميق… وكأن الجميع شعر أن هذا الرجل لا يُقاطع.

ابتسم ابتسامة صغيرة بالكاد تُرى، وقال:

"أنا الدكتور سليم .

سأكون أستاذكم في مساق الثقافة العامة.

لا أُحب الضجيج… ولا أُحب العروض.

في هذه المادة، لن أطلب منكم مشاريع تُزيّن الورق… بل أفكارًا تُقلق القلب."

تبادل الطلاب نظراتهم، وكأن أحدهم سُحب من ضوضاء عالمه إلى غرفة صامتة داخل ذاته.

تابع بهدوء:

"كلّ ما أريده منكم… أن تفكروا.

أن تكتبوا ما تفكرون فيه.

كل أسبوع، تأتون بورقة واحدة فقط.

لا اسم عليها… فقط حديث صادق مع الذات."

ثم سحب الكرسي، وجلس أمامهم كما لو كان واحدًا منهم، لا فوقهم.

"وسأبدأ اليوم بسؤال بسيط…

ما أكثر شيء يُزعجك في هذا العالم؟"

لم يرد أحد.

لا لأنهم لم يعرفوا الجواب، بل لأنهم شعروا أن السؤال لم يكن موجهًا للعقل… بل لشيء أعمق.

ساد صمت طويل، لم يُكسره أحد.

ظل الدكتور سليم يتأمل الوجوه التي أمامه، بعينٍ تعرف أكثر مما تقول، وتنتظر أكثر مما تطلب.

ثم قال بهدوء:

> "لا تقلقوا...

لن أطلب منكم الجواب الآن، ولا حتى لاحقًا،

فقط... فكّروا."

نهض من مكانه، أمسك بحقيبته الجلدية، وأضاف:

> "المعرفة لا تبدأ من الكتب… بل من سؤالٍ واحد صادق."

ثم التفت نحو الباب، وقبل أن يخطو خارجه، قال بنبرة أخيرة:

> "المحاضرة انتهت.

لكن السؤال… بدأ للتو."

وخرج.

كأنّ شيئًا من الهواء تغيّر في القاعة.

وكأن الجميع شعر بثقلٍ غريب… لم يعرف له اسمًا.

نظرت آسِن إلى الطاولة أمامها، دون أن ترى شيئًا.

أما جِسار … فقد كان يُدوّن على هامش دفتره، كلمة واحدة:

"الصدق."

بعد انتهاء المحاضرة، خرجت آسِن من القاعة بغضب ظاهر، أثره المحاضرة الأولى ..

وكأنها للتو خسرت معركة.

"أنا أشتغل مع هداك ؟! مستفزّ! لا بيحكي، ولا بيضحك، ولا حتى بيرد!"

ضحكت صديقتها وقالت: "يمكن بيطلّع شغل حلو، مين بيعرف."

قررت الفتيات أن يخرجن إلى حديقة الجامعة الكبيرة.

جلسن على العشب، تبادلن بعض القصص، ثم جاء شاب من طلاب الجامعة، ثقيل الظل، متصنّع الجرأة، بدأ بمضايقة آسِن بكلام سوقي:

"هاي! شو رأيك تورجينا ابتسامتك الحلوة؟"

رمقته آسِن بنفور، وقالت: "احترم حالك."

"ليش معصبة؟ عم نمزح!"

صوت من الخلف قاطع الحديث:

"مش المزح اللي بنعرفه، ولا الرجولة اللي بنحترمها."

كان جِسار ، وقف بثبات، لم يرفع صوته، لكن كلماته كانت كالصاعقة.

تابع: "الرجولة إنك تحمي، مش تؤذي."

نظر إليه الشاب باستهزاء،

ثم ابتعد دون كلمة.

جِسار لم ينظر إلى آسِن، فقط قال: "حافظي على كرامتك، الناس ما بترحم."

تجمّدت آسِن في مكانها، لم تجد ردًا… ضحكت بسخرية لتخفي ارتباكها، لكنها كانت ضحكة مكسورة.

في المساء، وبينما كانت تجلس على سريرها، لم تستطع نسيان وجهه… ولا صوته.

في اليوم التالي، قررت الذهاب إلى السوق رغم أنها تكره الأماكن المزدحمة.

كانت تتجوّل بين المحلات، إلى أن دخلت محلًا للملابس.

رأت فتاة صغيرة – في الخامسة عشر تقريبًا – تختار قطعًا أنيقة.

قالت لها آسِن بابتسامة:

"ذوقك رائع، أيتها الشابة!"

ردّت الفتاة بخجل:

"شكرًا، أخذت ذوقي من أمي الخياطة ذوقها في الملابس جميل ."

"حقًا؟! ما اسمك؟"

"سهر."

"وأين والدتك؟"

اقتربت سيدة في الأربعينات، قالت:

"السلام عليكم."

"أهلًا خالتي، سمعت إنك مصممة وخياطة؟"

"لا يا ابنتي، أنا فقط أخيط ... لكن سهر تُبالغ."

"بل تصميمك رائع!"  قالت سهر بحماس.

"كنت سأطلب منك تصميم فستان لعرس صديقتي ...

لم يعجبني شيء في السوق."

"يسعدني يا ابنتي، تكرمي."

"ممكن رقمك؟ بتواصل معك بكرا."

أعطتها السيدة الرقم.

"ما اسمك خالتي؟ حتى أسجلك…"

لكن فجأة، جاء صوت مألوف:

"أمي، هل انتهيتوا ؟!"

نظرت آسِن، فإذا به… جِسار.

قالت بدهشة: "إنت شو بتعمل هون؟!"

"اجيت اتسوق مع أمي وأختي ."

سهر ضحكت: "تعرفوا بعض؟!"

ردّا سويًا: "نعم."

"طيب خلينا نرَوِّح."

عادت آسِن إلى البيت، وهي تحمل أكياس السوق الثقيلة.

"خالتي! جبت الأغراض. اعمليلنا أكل."

ردّت خالتها بتأفف: "حاضر يا هانم!"

بعد الغداء، جلستا تتناولان الطعام.

"خالتي، رح أروح بكرا عند المصممة اللي شفتها اليوم."

"شو بدك تصممي؟"

"فستان لحفلة عرس صديقتي."

في الجهة المقابلة، عاد جِسار مع أمه وأخته إلى المنزل.

سهر بدأت تسأله بلا توقف:

"آسِن! كيف بتعرفها؟ بتحكي معها؟ حبيتها؟!!"

قال بصوت مرتفع قليلًا:

"اسكتي بلاش أعصّب."

"رح أعرف كل شي . عندي مصادر."

"روحي ساعدي أمي."

"ماشي سيدي!"

ذهب جِسار للمسجد لصلاة العصر ، ثم عاد وتناول الغداء مع أهله.

في الصباح التالي، كانت آسِن تتهيأ بطريقة مختلفة… لا عطور صاخبة، ولا مكياج زائد.

كأن شيئًا فيها بدأ يخف.

اتصلت بأم جِسار:

"صباح الخير خالتي، تبعتيلي الموقع؟"

"طبعًا، دقيقة."

وصلت آسِن بعد نصف ساعة، دقّت الجرس، فتحت سهر الباب بابتسامة.

رحّبت بها أم جِسار بحرارة، وطلبت من سهر تحضير القهوة.

جلسن يتحدّثن، بينما سهر وضعت القهوة والضيافة.

فجأة، نزل جِسار من الدرج المطل على الصالة.

"السلام عليكم."

قالها بنبرة مهذبة، ثم غادر فورًا نحو مطعم والده.

مرت بعض الوقت وأخذت أم جِسار القياسات، ثم دقّ الباب… جِسار عاد.

ألقى السلام، ثم قال دون أن ينظر إليها:

"متى نبدأ بالمشروع؟"

"آه… مشروع الجامعة؟ ما بعرف."

سهر رفعت حاجبها:

"أي مشروع؟"

"مشروع الهندسة."

"آه… طيب بكرا نبلّش؟"

قالت آسِن:

"تمام."

لكن عقلها لم يكن."تمامًا"… بل كان غارقًا في ارتباكٍ لا تفهمه بعد.

.

.

.

.

"وما زالت الحكاية في بدايتها... لا تفوّتوا ما سيأتي."

.

🤍🤍

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لم أكن أدري

المؤلف Malak
2025/07/25 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة