رغم مرارة الأفق،اسوداد العمر،ثقل الحمل، زمجرة الرعب،اجتياح الأرق، اختلاف الحال،و تبعثر الوقت، رغم العواصف التي تعتريها دونما رحمة،تدكها مراراً وتكراراً،رغم الجبال التي تحاوطها في قلبها تأبى أن تظهر لأحد، لكنها لازالت صامدةً برغم الأسى والفراق، محاولة محاربة النفاق، برغم اضمحلال الأمل لديها باللقاء لازالت واقفة، على قيد الحياة، هاهي هناك على عتبة الباب تحرسها نخلةٌ من الأمام ومن خلفها أباريق حجرية ضخمة،هاهي تستند على الكرسي بجانبها من عانت ليبقوا، وقاست ليمضوا، بجانبها من تحبهم رغم مشاكستهم، من تراهم سنداً رغم عنادهم، تظهر بسمتها لهم لاتوّد إخافتهم، تكتفي بقول:
_أنا بخير المهم أنتم.
هاهي تستند على الكرسي،تنادي على أولادها اسماً بإسم، تستفسر عن حقيبة الملابس وتنبههم عن حقيبة الأوراق المهمة،يعتصرها الألم رأفةً بحالهم حينما تنظر لهم لوجوههم المنشرحة وكلماتهم المنمقة التي تشرح بأنهم لايفهمون معنى معركة، لايدركون معنى هجرة، ذرفت الحروف من فمها غير مدركة:
_آه عليكم ياصغار، آهٍ على أحلامكم التي تهدم كل ماقررتم بناءها، آهٍ على مقلكم التي ترى مالم يره أحد، التي رأت الركام بدلاً عن النور، سمعت القصف بدل التهويدات، استنشقت الفسفور بدل عبق الزهور، وهاهي الآن فرحةً بالهجرة للجنوب، لاتدرِ مايحصل أو ماقد يحصل بالطريق،، هل سنصل؟
أم سنعود كالغريق؟
آهٍ عليكم ياحملي الثقيل العزيز، من لي بعدكم، من لي
ذرفتِ الحروف لتتبعها الدموع الواهية التي لم يرها أحد مسحت عن وجهها وغاصت في الأفق تتخيل لحظة اللقاء بمن كان ولازال لها سند، حاضراً أم غائباً كان، تتّبع أثره أينما كان، هو زوجها رب الحسام، مضت ومضت سرحت وتركت من يكلمها دون رد تجوب في فكرها أعاصير القلق:
_ترى أهو بخير؟
على مايرام..
هل أكل؟
هل شرب؟
هل سأراه؟
أسأشم ريحه وأريه أولاده؟
هل سأرمل ويهتك ظهري مرة واحدة؟
ننجو من كل حربٍ ويعفو الله عنا أسننجو اليوم وإن نجونا اليوم أننجو غداً؟
بالفعل إن الفكر داءٌ لايرحم من أتاه ولايسدل جفناً للذي رواه.
تضاربت الأفكار في مخيلتها لم تمر ثوان حتى قوطعت بأصواتٍ مدوية، خلاصتها:
_هيا هيا إلى الإسعاف اصعدوا، هرولوا، حمّلوا الأغراض.
كل ماوعت عليه تلك اللحظة أنها في الإسعاف يحاوطها أطفالها المنهكين من الازدحام، لم تدرِ ولم تستوعب مايحصل لم يكن لها الوقت حتى لتفكر،نظرت نظرةً حولها تفحصت المكان، شعرت بسرعةٍ جنونية لامتناهية، جعلت معدتها وعقلها يرجان، استنجدت فظنت أنها شُفيت لكنها قد غُيبت وتشنجت.
هي أصبحت جسدا بلاروح نرش عليه من الدموع أغزرها، ومن ألوان الحزن أبرزها، جسداً بلاروحٍ لم تقل سوى:
_استريني ياأمي..
لاتبكوا ياأولاد..
محمد أين أحمد أمسكه جيداً..
هديل تشبثي بالأوراق وهمّام وعائشة..
استريني ياأمي إن متُ أذهب إلى ربي مستورة..
لم تقل سوى هذا الكلام غير واعية على الدموع التي لو سكبت على ورقةٍ لكتبت قصة معاناة، لم تعِ على قلب والدتها التي تدلك يديها بالكحول وكل ماقالته:
_لاتموتي على يدي ياابنتي..
حملك ثقيل..
انظري لأولادك..
ألا تريدين رؤية يوسف حبيب قلبك الذي حملت به كما حملت به أختك وانتظرته كما انتظرت..
هيا استجمعي نفسك..
كل القلوب حولها عزفت لحناً واحداً لكن بإيقاعات مختلفة، منهم من أسعفها، من دلّك يديها، من سكب على وجهها الماء، من يدعو، كان لكلٍ دور ولها الدّور الأكبر.
حينما وصلت بر الأمان وعادت من على أبواب الجنان قالت:
_أنا بخير هل أولادي بخير.
أنا بخير لاتقلقوا.
أنا بخيرٍ لاتقلقوا.
سأستعيد وعيي عن قريب.
ماكان بيديها إلا أن تومىء بهما ليطمئن الجميع وتطوي هذه الصفحة من قصتها، وتبدأ فصلاً جديد، هذه هي الأم الحديد.
10:43
•----•
{غـيـهـب}