محطةٌ اهترئت...
تمضي بي الأفكار قسراً إلى أحلامٍ أوشكت أن تلتئم،أتوسد كرسي المكتب أنفض اللهو وأبدأ الجد فالمنافسة على وشك النهاية،أخرج الأقلام،أجهز المسودات وأضع النقاط والحروف،لتكتمل لوحة النجاح المعلقة على جدران ذاكرتي فالأسبوع القادم ستقرع الاختبارات الشهرية طبولها ونخوض رحلة إثبات الجدارة وفي ذلك فليتنافس المتنافسون،ضمنت الجدول شبه المكتمل إلى صدري وكأني استشعرت إنجازي حتى قبل خوضه،وضعتُ قلماً عِوضاً عن حلة شعري،سكبت المعاني والمفردات في طبق إفطاري،بسطت التفسيرات والأحاديث على حبلٍ لتشق الطريق بسهولة إلي،مازلت أدوّنُ بكلِّ حماسةٍ وأمل انغمست بطريقةٍ أنستني ماحولي من لهوٍ ولعب وحتى أنني غاب عني صوت والدتي الشجي وهي تقول:
-وفقك الله حبيبتي كيف تسير الأمور معكِ أريدك أن تثبتي نفسك وترفعي رأسنا ورأسك.
وبخوف أمٍ على ابنتها ألقت تلك الكلمات علي فأجبتها:
-آهٍ أمي اعذريني لم أنتبه لوجودك،الحمد لله كلُّ شيءٍ مذهل،بقي لدي رؤوس أقلامٍ بسيطة.
-وفقك الله أما زلت لاتريدين الذهاب (قالت)
-كلا(أجبتها) بالنسبة إلي الآن وقت الغرس وليس الحصاد سأمكث رفقة جدتي ولكن لاتنسي وثقي كل لحظة.
صحيح،نحن الآن في موسم
صحيح،نحن الآن في موسم حصاد الزيتون بعد كد أشهرٍ طوال،تتخضب الرياح برائحة الزيت الطازج،وتكنس الزيتونة عنها الجذع والأوراق وتهوي لتنذر باقتراب الحصاد،تداعبها زخّاتُ المطر المتفرقة مؤكدةً للبشر على خيرٍ سيرونه مستقبل أوديتهم،لم يدخر أيٌ منهم فرحة أو جهداً شحاً منه بل سكبوا جهودهم وسعادتهم وإيمانهم على سطح أرضية الزيتون، تتعالى الأهازيج الشعبية،تتكاثف الجهود:
امرأةٌ تبسطُ سجادةً تلقى مايسقط من الثمر،رجلٌ ينصب السلم وآخر يربط ملابسه ليسهل تسلقه وجنيه للثمر،تعلو الشمس تعلن لهم حان وقت الشاي ومناقيش الزعتر والزيتون،يتسامرون ينشدون ويمدحون كأنه عرسٌ شعبي لاموسم الحصاد فقط.
غبت في غياهبه الجمالية ولكن الآن حان وقت العودة للدراسة،هم يحصدون الزيتون وأنا أحصد العلامات المرتقبة (هكذا حدثت نفسي)ومضيتُ فيما كنت فيه،تارةً أدرس وتارةً أخرى أحلم بلحظةِ نهاية الثانوية العامة التي سأخوضها بعد عامين من الآن،ربما مازال الوقت مبكراً ولكنني أمهد الطريق لها،أنا الآن أزلتُ ركام ذاتي التي تبعثرت قبل مدة وانطلقتُ أخفق الأمل والحلم أدهن بهما الطريق،واثقةٌ بأنني استطيع فعلها أنتقي ورقةَ ملاحظاتٍ وأسجل:
-يوماً ما سنقول رغم طول الطريق انتصرنا ومهما عتت بنا الحياة مضينا.
تناديني جدتي لأمسح على قدميها فتتمم وضوءها وتدعو لي بلسانها الحلو:
-الله يوفقك يا ستي وين لك اللي ببالك.
فأرد عليها:
-إن شاء الله يا ستي.
أطيل النظر في عينيها،أحاول أن أحفظ تلك الملامحُ التي طغى عليها الزمن،أن أحفظ مكان شاماتها وثنياتِ تجاعيدها،وكأنّ أحداً سيخطفها مني بلا رجعة،أكنس الأفكار السوداوية وأتمتم:
-حفظك الله لنا.
أتوضأ أنا الأخرى وأصلي لأزيل مابي من كبد فلاأحلى من لقاء النفس بالواحد الأحد.
-وأخيراً بقي القليل سآخذ قسطاً من الراحة أسكبُ فيه مابنفسي على الورق.(حدثت نفسي بلا كلل)
فمتعتي الحقيقيةُ تكمنُ هنا،أبدأ بإزاحة اللثام عن قلبي وأفك الأصفاد عن قلمي،أبعثر الكلماتِ هنا وهناك وأسكب الحبرَ بلاخوفٍ من أي رقابةٍ أو توبيخ،أقول في نفسي:
-مجرد فكرة لكن هيَ تروي ظمأَ صفحةٍ عطشة.
أحيك المفاهيم بأشدّ الوعي،أنتقي أماكنها وحركاتها بأشدّ الحذر،أكاد أتممها لوحتي الفنية وليدةُ مَلَكَتي الجديدة،لم أعطها أياماً فمازالت هناك بعض اللمسات الأخيرة،داهمني الوقتُ بلاوعيٍ مني واضطررت آنفةً لتركها للغد كما كنت آمل،تناولتُ الغداء الذي تركته لي والدتي وتكمن مابقي من دراستي ووضبت الفوضى من خلفي..
تسللت ظلال الليل من طياتِ النوافذ،حملت معها ضوضاء هادئة ورائحةُ زيتونٍ طازج،فهمتُ حينها أنّ عائلتي قد وصلت والآن وأخيراً حان وقتُ حزين الزيتون،لم يبق وعاءٌ إلا وأخرجناه،نظّفنا الزجاجاتِ وجهزنا السدادات،جميعاً معاً ندسُ الزيتونَ والفلفل والليمون بكلِّ متعةٍ وباستغلال كلِّ لحظةٍ ويكأنها المرّةُ الأخيرة،انقبضَ صدري فانتفضت أجهز الماء والملح ونبهتني أمي لموضعِ البيضةِ:
-يابنيتي ضعي البيضة في الوعاء إن طفت والملح مناسب وإن لم تفعل فليس كذلك،هيا رضي الله عنكِ.
نعملُ جميعاً دون حتى طيفِ تأففٍ أو غضب وأنا أغوصُ في عالمٍ آخر أمعنُ النظّرَ في أدقِ التفاصيل من الأرضيةِ التي نجلسُ عليها إلى أناملنا التي تدسُ الزيتونَ في أوعيته إلى الجدرانِ المزركشةِ إلى الزوايا التي تزينها البرطمانات إلى الكرسي الذي تستند عليها جدتي إلى كلِّ كلِّ شيء،خلدت للنومِ على سريرٍ خشبيٍ تنتصبُ عليه ملاءتي ووسادتي ومفرشي وغفوت.
داعبتني الشمس كما العادة ولكن بعتوٍ عن السابق،نهضت على مفرشٍ أرضيٍ متسخ تحت أشرعةٍ ممزقة ودون ملابس كافية،لايوجد مأكلٌ أو مشرب،أبحثُ عن مكتبي وكتبي فلاأرى سوى بضعَ حطباتٍ طائشة،عن جدتي أبحثُ فلاأجدُ سوى منديلها المشبع برائحةِ الرماد،عن حلمي الذي على مايبدو قد تاه،عن قصتي التي لم أكملها لم أضع لها حتى عنوان،عن سريري،عن زجاجاتِ الزيتون التي خزنتها،لاأحد لاشيء،بدأت بالاستيعاب رويداً رويداً،نحنُ مازلنا هنا في الطوفان ،نغوص بلا منجى كلُّ ما مضى لم يكن سوى حلمٍ عابرةٍ ماقبل هذه المعمعة.
لا البيت بقي فيسترنا ولا الزيتون ظل فيطعمنا ولاحتى جدتي دامت فتؤنسنا وحلمي تحت الركام ينتظر من ينتشله ولقد بن في الثانويةِ العامة لاأدرِ ماأصنع،لم أكن أدرِ أن الذكرياتِ تلوح بي فقط وأن القطار مرّ بي بلا رجعة.
{غـيـهـب}