حث الخطى..
ممددٌ على فراشه،يلتحف غطاء دميته،يتوسد دبه الصغير غير آبهٍ بالفوضى من حوله وبجنوده البلاستيكية التي يتوسطها هو وبندقيته الذهبية التي تطلق رصاصات وهمية تخترق بها كل يدٍ بغية تحاول الاعتداء على أحلامه الندية،يمسك سلاحه البتار الذي يدون الحقائق الفتية عن جنودٍ ابتاعوا القضية،وصنعوا منها سلعاً وهية،يرى نفسه ربُ الحسام مستقبلاً ورب اليراع حاضراً،فهو حين يفرح يكتب وحين يحزن يكتب حتى حين يمرض يكتب،يكتب عن روحٍ طاهرة دُنست بأقدامٍ مفخخة عن فمٍ ضاحك أكدرته قرارات ظالمة عن أمٍ وافتها المنية قبل أن تشم رائحة ولدها الطاهرة عن أسيرٍ كبله الشوق لبابا التي تعطر سمعه كلما قيلت وعن شهيدٍ اعتزل متاع الدنيا يكتب حين غسقِ الليل ليتغنى مع ألحان القمر ويسمع حكواتي الليل نجومه وهي تروي حكايا شهدتها مع الذين قبلهُ لتصبح جرعةً يسكبها على الورق:
_يااه يالها من ليلة،ظاهرها الهدوء على الرغم من باطنها المشتعل من يعرف كم شخصاً أصبح أسيراً الآن؟وكم شهيدا ارتقى على يد الاحتلال الصهيوني؟أود المعرفة
_أتود ذلك فعلاً ياريان
_ما..من ..من أين هذا الصوت؟
_ أنسيتني بسرعة،نجمك اللامع الذي شهد النكبة والنكسة والآن يشهد الحاضر ويروي الحكايات.
_الحكواتي الخاص بي،ياترى ماقصة اليوم فأنا سأبدأ بنسج خيوط الإبداع لحكايةٍ جديدة.
_لقد حضرت لك قصة ليست كباقي القصص.
وبصوتٍ مرتبك يغمره الأنين أقلق الحكواتي ريان ...
_مالذي يحصل مابال نبرة صوتك غريبة هكذا إ.إن الألم يعتريها وصوتك خافت يعتصره الحزن ياترى هل قصة اليوم مأساوية
بارتيابٍ قال ريان تلك الكلمات متثاقلاً حتى من نفسه ليُجاب:
_الأحداث مختلفة ليست قصة طويلة كباقي القصص ونهايتها ليست جميلة كأغلب العبر أنا لن أذكر لك فيها حوارات القدر سأعطيك ملخصا وحسب، أواثقٌ أنك تريد السماع؟!
_بالطبع أريد.
كلماته كانت كفيلةٌ بالتعبير عن رفضه لكن الفضول يبقى الحافز الذي يدفعه للمضي.
_حسناً لنبدأ كان يا ماكان وبين طيات النسيان قصة فتىً بعمرك ياريان لنقل أنك شبيهه في هذا الزمان كان اسمه عمار
_عمار،حسناً
_هو طفلٌ واعدٌ يمتلك الأهداف والأحلام،محتهدٌ مثابرٌ على الدوام لايمر عام الا هو من طليعة الطلاب ،وذات يوم وكما جرت العادة ذهبت والدته لإيقاظه:
[الأم:عمار هيا يافلذة كبدي ارفع ستار عينيك واجعل الشمس تداعب مقلتيك هيا يابني المتفوق استيقظ لاستكمال طريق طموحاتك،هيا ياعزيزي
عمار:اه
{بنبرة متذمرة قال عمّار ذلك}
عمّار:هاقد أفقت ياأمي لاتتعبي كلماتك الدافئة،لكن كم الساعة الآن لاأوّد أن أتأخر لدي إذاعة اليوم
الأم:الساعة الآن التاسعة والنصف بقي نصف ساعة ٍ للمدرسة
{قالت والدته تلك الكلمات وهي تلعق شفتيها بخبث من يدري ماسبب تلك الحركات الخبيثة،بالطبع أحس عمار بشكٍ في كلام والدته لكن هرمونات الذّعر تغلبت على شكه وصرخ قائلا:}
عمّار:م.ماذا لم لم توقظيني هاا ،أين هي ملابسي سأتأخر عن الإذاعة ولن أتناول فطوري وتركيزي سيقل بسبب ذلك،هذا مخيف قد تتم معاقبتي.
الأم:يالك من متذمر ياعمّار،بدل أن تسرد أعذارك الواهية تلك ارتدي ملابسك لتتناول إفطارك،آه أتعرف؟ كل يوم يزيد يقيني بأن عليك استثمار وقتك هيا يا هذا لاتود التأخر عن المدرسة ههه
عمار: حسنا ياأمي لكن ياترى ماسبب ضحكتك هذه.
{قال تلك الكلمات وهو يغير ملابسه بسرعة جنونية,بعد دقائق}
عمار:هاقد انتهيت
الأم:إذا أنزل للصالة،لكن لاتركض على الدرج كي لا تقع.
عمار:أود أن أعرف مابالك تضحكين هكذا،في العادة تكونين غاضبة ومتزنة دون ضحك مالذي يحصل.
الأم:انظر للساعة وستعرف.
عمار:ها أمي إن الساعة 8:٣٠ ،كان علي أن أتوقع ذلك هذه حركاتك المستفزة ياأمي،لقد أوقعت قلبي في قدمّي]
ريان:هههههه لقد أضحكتني فعلا حركة أمه خبيثة،انها حقا جيدة في استفزازه
وفي وحي ضحكه هذا نسي ريان السؤال الأهم:
_أين المأساوي في ذلك،قلت إن القصة مأساوية لكنني أرى أنها عفوية وجميلة حتى الآن؟ أيضاً هناك سؤال يقلق خلدي ولايريح فضولي:ماذا أصبح الطموح عمار ياترى..
(بعفوية أكدرت النجم قال ريان ذلك غير آبه بالصدمات التي قد يتعرض لها)
_أسئلتك كثيرة ألا تلاحظ لن أجيبك الآن لكي لاأحرق عليك الأحداث.
_ها حسنا،أكمل إذا أشعر بالحماسة وهي تكتسح خلاياي المبهمة
_ها أين توقفنا نعم، عندما نفذت أم عمار مقلباً بابنها:
[تعالت ضحكات الاثنين عمار وأمه، وفي أثناء تناول الفطور همس عمار
عمار:أحبك ياأمي،وأشكرك على كل شيءٍ
قال تلك الكلمات بنبرة خافتة ومخيفة شعرت والدته بأنها كلمات وداع أو أنها الكلمات الأخيرة لابنها، ضاق صدرهها وتصيب عرقها ورمت كلمات متناثرة محاولة تغييب ابنها عن مدرسته لكنها قوبلت بالرفض،وبعد عدة دقائق:
عمار: وداعا ياأمي ادعِ لي بالتوفيق في يومي فلا نكهة لليوم دون دعائك.
الأم: وفقك الله يابني لاتنس انتبه للطريق وإن قابلت أحد الجنود لاتعره اهتماما لاأود أن أخسرك أنت أيضاً
عمار: ألا أعيره اهتمام أمي إن اللاشيء لايرى للأسف وكذلك القمامة .
الأم:أيها الشجاع هيا اذهب لاأنوّد أن تتأخر عن مدرستك وداعاً
عمار: وداعاً أمي]
وهو في الطريق غاص في أفكاره عميقاً وبدأت الاحتمالات تهاجمه،ماذا لو؟
عمار: ماذا لو لم تحتل فلسطين؟ بل ماذا لو لم يهاجر الفلسطينيين؟ وماذا لو لم يفقد العرب شهامتهم في الدفاع عن أرض المحشر والمنشر؟ وماذا لو لم يصادق الجبناء ويربطوا أيديهم بأيدي الكفرة المحتلين؟ ماذا لو؟ لربما ما كانت الأشلاء مبعثرة في كل جانب وماكانت الأهداف محطمة في كل قارب،لربما ماكان الأطفال يمزقون زهرة طفولتهم ليحملوا الحجر ويرمون المحتل به
{رفلت تلك الأفكار في دماغه،هاجمته كالسهم المسموم هو بارد بطبيعته لكن نجحت تلك الأفكار بإشعال لهيبه ليتنهد بتكتمٍ قائلا بكامل يأسه وغضبه:
عمار:-في هذه البلاد،آلام تدفن آمال،أحلام تصبح خيال،يأسر من ينقل الحقيقة دون اغلال،ترفرف الحمامات البيضاء الملطخة بالدماء؛لتوصل صوت الصرخات اللامتناهية،نزاعات لاتنتهي،وجرائم تغلق دون رفع قضايا وتحقيقات،حتى ولو رفعت ستحرق دون مبالاة،تهدم تهدم البيوت وترمل النساء دون أسباب،نعم هذه هي الحياة التي نعيشها،اه سأكمل مالم يكمله أبي وسأدافع عن أرضي بعلمي وسأفضح جرائمهم اللامتناهية
مجهول: هيي أيها الفتى توقف وارجع من حيث أتيت
عمار: هذان أنتما جنديان مقززان صدق من قال الطيور على اشكالها تقع
الجندي: اضبط لسانك ياولد قبل أن نجعل دماءك تصبح نهرا نحتسيه بدل نبيذ المساء.
عمار: لم أقل شيئا خاطئا ومن ثم إن هذا هو الطريق الرسمي للمدرسة من أين أذهب؟!
{بتعجبٍ وبخوف سأل عمار الجنديان العملاقان}
الحندي:من هذه الناحية دبّر نفسك لايمكنني أن أدخلك، فاليوم أود التلذذ بتعذيب الأطفال المتفوقين أمثالك بدلاً من قهوة الصباح الدافئة.
{استفزت تلك الكلمات عمار وشرع بإخراج قلم حاد الأسنان وقال بحدة:
عمار:أيها ال.. أيها المجرم المقزز أقول لك هذا طريق المدرسة ثم إن لدي إذاعة مدرسية خذ هذه.... ا.آاخ
بين لحظة وأخرى تناثرت دماءه ،فتحت عيونه على مصراعيها وأفرغت مابداخلها من أسىٍ وحزن،فتح فمه واللعاب يسبقه بالانزلاق وتنهد:أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمداً عبده ورسوله،وارتقى الشبل عمار وحيد والدته] وهكذا ياريان انتهت قصتنا اليوم..ا ا ريان هل أنت بخير لاتبكي ياصغيري
ريان: عمار طفلٌ مذهل،بالرغم من المضايقات قاوم وبالرغم من قلة حيلته ثابر،عمار بطل عمار مذهل عمار ثورة بحد ذاتها.
وفي وحي هذا الإطراء على روح عمار،نسي ريان السؤال الأهم:
_لكن أيها النجم ماهو السلاح الذي سبب لعمار كل هذا ،ها؟
_إنها رصاصة
_رصاصة!!
_نعم رصاصة اخترقت رأسه وحصل ماقيل لك وعلى الرغم مما حصل لم يفلت قلمه من يده لم يفلت سلاحه وسبب نضاله.أتعرف بما اختتم عمار حياته قبل أن يسدل ستار عينيه قال:سلاماً على رصاصةٍ أفسدت الحاضر ودمرت المستقبل..
تلك الكلمات كان وقعها على ريان أصعب من وقع الرصاصة،فقد اختصر عمار حياة الفلسطينيين بجملة(مرت بضع ثوان)
_تعالي إلي وأنت أيضاً
_لماذا تمسك الحجر بيد،والقلم بيد أخرى؟
_هذا الححر هو سلاحي الفتاك من بعد قلمي الصريح أنا سأكمل خطى عمار نعم عمار ليس المثال الوحيد على همجية المحتل لقد ارتقت أرواح الكثيرين في سبيل كشف همجيته أنا سأفعل ماعلي فعله كفلسطيني، سأحثُ الخطى..
{غـيـهـب}